نقطة انطلاق القاموس العربي-العبري المحوسب والذي يشرف عليه مناحم ميلسون كانت "قاموس عربي-عبري للغة العربية المعاصرة" arabdictionary.huji.ac.il الذي ألفه دفيد ايالون وبيسح شنعار في سنة 1947، والمعروف اختصارا باسم "قاموس ايالون-شنعار"، وهو القاموس الذي نشأت على معرفته أجيال من دارسي اللغة العربية في إسرائيل، وكان مؤلفاه إبان عملهما فيه طالبي دكتوراة في قسم اللغة العربية في الجامعة العبرية، وأصبحا فيما بعد من كبار الباحثين، وكل في مجال اختصاصه، حيث أصبح بروفيسور ايالون (1914-1998) مؤرخا للسلالة المملوكية، وأصبح بروفيسور شنعار (1914-2013) باحثا في تاريخ المغرب.

قد شعر الباحثون والدارسون منذ سنين بالحاجة الى تحديث وتجديد قاموس ايالون شنعار، ولكن كان لا بدّ من الانتظار حتى عام 1997 أي بعد مرور 50 عامًا على صدور الطبعة الاولى من قاموس ايالون شنعار وعندها سنحت امكانية إخراج هذه الفكرة الى حيز التنفيذ، حيث طرح البروفيسور ايالون وخلال حفل تكريمي لمؤلفي القاموس في مقر رئيس الدولة فكرة ان تُلقَي المهمة على بروفيسور آريه ليفين وبروفيسور مناحم ميلسون، وهما تلميذاه وتلميذا بروفيسور شنعار.
استجاب ليفين وميلسون للتحدي الكبير، ولكن فقط في سنة 2004، أي بعد مرور سبع سنوات على ذلك الحفل في مقر رئيس الدولة، بدأت الفكرة تتبلور، وأدار ليفين وميلسون المشروع معا في البداية، وثم أخذ بروفيسور مناحم ميلسون يدير دفة الامور وحيدا بعد تقاعد الاستاذ ليفين وما زال يديره حتى الآن.
اتضح لبروفيسور ميلسون كلما تعمق في عمله ان المطلوب الان ليس فقط تحديث القاموس بل توسيعه بشكل كبير لدرجة تتطلب وضع قاموس جديد، وكمن السبب بشكل رئيس في التغييرات التي طرأت على اللغتين العربية والعبرية خلال عقود الزمن التي مرت منذ صدور الطبعة الاولى من القاموس، ذلك أن كل واحدة من هاتين اللغتين قد طرأت عليها تغييرات جمة.
ولا يسعنا القول إن مرور هذه العقود الكثيرة أثّر على قاموس أيالون وحده، بل كانت هذه هي الحال بالنسبة الى القواميس الأخرى أيّاً كانت، فالمعجم الجامع عربي–عبري الذي وضعه ابرهام شروني والذي صدر في العام 1987 لا يلبي احتياجات القارىء بشكل كاف، والقاموس المعروف باسم المنجد والذي صدر في بيروت في سنة 1908، كان وطوال قرن من الزمن القاموس العملي المعياري الموثوق لدى قارئي اللغة العربية، ولكن تكفينا معرفة سنة صدوره لنعلم محدوديته، كما ان نسخته الجديدة والمعروفة باسم "المنجد في اللغة العربية المعاصرة" والتي صدرت في بيروت في سنة 2008، وذلك بعد مرور قرن على صدور النسخة الاولى من قاموس المنجد، لا تلبي الا القليل من التوقعات والامال التي يثيرها اسمها "المنجد"(المعين)، وخلال ذلك أصدر مجمع اللغة العربية في القاهرة معجما للغة العربية المعاصرة "معجم الوسيط" في سنة 1960، ولم يجر عليه أي تحديث منذ حينها.
وأما قاموس هانس فير العربي الانجليزي، والذي يعتبر أفضل وأشمل قاموس للغة العربية الحديثة فانه قد عرف هو الآخر نفس المصير حيث ان طبعته الانجليزية الرابعة والاخيرة صدرت في سنة 1979، كما ان طبعته الالمانية الخامسة والاخيرة صدرت في سنة 1985، ولا يجد فيه القارىء المفردات والمصطلحات التي تجددت في اللغة العربية خلال الثلاثين سنة الاخيرة، هذا اضافة الى القاموس الذي أصدرته جامعة أوكسفورد مؤخرا والذي لم يخل من العيوب، وفي الاجمال يمكن القول ان أغلب هذه المعاجم سوى قاموس فير لا تستند على نصوص بل على معاجم قائمة.
ويجيء قاموس ميلسون في وقته، معاصرًا عالم الحاسوب والانترنت الذي لم يكن متوفرا للاجيال السابقة، وتطلب مصطلحات ومفاهيم جديدة كليا، وجاء كذلك في عهد تجدد مجال الفكر الديني والسياسي الذي شكل مجالا تجددت فيه المفردات والتعابير بشكل كبير، حيث جمعت الجماعات والجهات والمحافل الاسلامية بين القديم والحديث في لغتها العربية التي تميزت بها، واستعارت المفردات والتعابير العربية الاسلامية القديمة واضافت اليها معاني جديدة، بل وصاغت مفردات وتعابير جديدة، وقد حرص بروفيسور ميلسون على ادخال كل هذه المستجدات الى القاموس الجديد.
يحوي القاموس حوالي ثلاثة وثلاثين ألف مفرد وتعبير، فيما حوى قاموس ايالون شنعار على عشرين الف مفرد وتعبير لغوي، وهذا العدد آخذ بالتزايد باضطراد، والبحث في القاموس ممكن بطريقتين: بالبحث عبر المفرد او عبر الجذر، وبالبحث عبر المفرد نحصل الى جانب المفرد على قائمة المفردات المشتقة من جذر ذلك المفرد، وحيث أن القاموس هو رقمي محوسب فيمكن استخدامه كذلك كقاموس عبري-عربي بالانتقال الى الفهرس العبري عربي بشكل بسيط وسهل.
يركز القاموس باهتمام على اللغة العربية المعيارية الحديثة المعاصرة وخاصة التي تتجلى في لغة وسائل الاعلام العربية المقروءة والمرئية التي لم تأت من فراغ بل هي متجذرة في تاريخ أدبي ثري يزيد عمره عن ألف وأربعمائة سنة، وتنهل من لغة الشعر العربي القديم وحتى من الشعر الذي سبق ظهور الاسلام، وتعتمد على لغة القرآن الكريم والحديث الشريف والادب، الذي هو أدب جميل موسوعي متعدد المصادر، كما أن صعود الاسلام المتشدّد في العهد الحديث قد عزز بقوة صلة محافل عريضة بالمستويات الكلاسيكية للغة العربية، حيث يكثر المنتمون لتلك الجهات والمحافل من تزويق كتاباتهم وأحاديثهم باقتباس مفردات وتعابير من القرآن الكريم والحديث الشريف والادب الشرعي والفقهي والعقائدي، والتي هي مفردات كانت تعتبر مندثرة ولا يمكن اليوم فهم الخطاب السياسي بدونها.
يحوي القاموس على الكثير الكثير من هذه المفردات والتعابير، وأحيانا يشير الى السياق الكلاسيكي لهذه المفردات العصرية، وأورد هنا عدة امثلة لتوضيح ذلك، فمثلا يترجم القاموس المصطلح الشرعي "صدقة جارية" ويورد القاموس الى جانب ترجمة المعنى مثالا من صحافة اليوم: "هَيْئَةُ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ تُجِيزُ التَّبَرُّعَ بِالأَعْضَاءِ وَتَعْتَبِرُهُ صَدَقَةً جَارِيَةً" ، ويضيف الى ذلك ملاحظة تقول "وهو مصطلح جاء في الحديث النبوي مشيرا الى العمل الخيري الذي تبقى منفعته للمحتاجين الى ما بعد وفاة المتصدّق كإيقاف الوقف".
وهذا المثال يشكل نموذجا لنهج القاموس، حيث يذكر في البداية المفرد باللغة العربية والى جانبه تعريف مختصر باللغة العبرية، وثم يذكر في حال الحاجة مثالا (شاهدا) مأخوذا من نص حي غير ملفَّق، وأحيانا يسهب بذكر ملاحظة لتوسيع الشرح، ووصل عدد الملاحظات في مجالات اللغة والتاريخ والادب والدين الى حوالي ألف وثلاثمائة ملاحظة.
كما يتميز هذا القاموس بالمفردات والتعابير التي تتمحور حول الديانة والتاريخ الاسلاميين ومجال اللغة العربية وآدابها، وأُورد توضيحا عدة امثلة من هذه المجالات، يعرّف القاموس التعبير الشائع "الخلفاء الراشدون" بتعبير عبري مطابق للتعبير العربي ملحق بتوضيح بين قوسين: (اللقب المألوف في الاسلام السني للخلفاء الاربعة الأول)، وتكفي هنا الاشارة الى حقيقة ان هذا التعبير الشائع مقبول في الاسلام السني بالذات خلافا للاسلام الشيعي للتأكيد على مدى المعرفة الكبيرة التي يعتمد عليها القاموس وعلى مدى الدقة التي ينتهجها، وكذلك الحال في المثال "سَادِن" جمع: سَدَنَة "والذي يطرح القاموس له ثلاثة معاني:
(1) "المتولي لشؤون مكان مقدّس", (2) "حارس باب مكان مقدّس", (3) مجازا: الوصيّ", ويذكر هنا المثال "سَادِن اللُّغة وَكاهِن الشِّعْرِ (من رثاء للشاعر محمود درويش)"، واذكر كمثال ثالث " الاثنا عشرية"
والذي يعرفه القاموس باختصار ووضوح "اكبر فصيلة شيعية (ويُعرفون أيضًا بالْإماميّة أو الْجَعْفَرِيَّة)" ويذكر في الهامش ملاحظة توضيحية: "إنهم يسمون الاثني عشرية لأنهم يؤمنون باثني عشر إماما ويرون ان الامام الثاني عشر هو الامام الغائب الذي سوف يعود باعتباره المهدي".
لنتوجه الى مفردات اخرى من مجال التاريخ والادب، من يتفحص المفرد "قميص"
يجد الى جانبه التعبير اللغوي "قَميص عُثْمان"، ويذكر القاموس تعريفين له: (1) القميص الملطخ بدم عثمان ثالث الخلفاء الراشدين الذي اغتاله جماعة من المتمردين، وتاتي الى جانب هذا ملاحظة تقول: "استخدم بنو أمية قميص عثمان تبريرًا لمحاربة خصومهم الذين كانوا بزعمهم ضالعين في اغتيال عثمان".
واما التعريف الثاني فخاص بقاموس ميلسون ويقول: "مجازًا: علة للحرب أو للانتقام، علة عدوان". وتجدر الاشارة هنا الى ان هذا المعنى المستعار واسع الانتشار في وسائل الاعلام العربية، ويمكن ان يصادفه القارىء في المقالات والتقارير كل يوم تقريبا، ومع ذلك لم يرد في أغلب المعاجم العربية المعاصرة وبما فيها قاموس اكسفورد الجديد، وقد أحسن بروفيسور ميلسون بان اضاف هذا التعبير اللغوي الى قاموسه.
ومفرد آخر ينطبق عليه القول "ما قلّ ودلّ" هو المفرد "المُعَلَّقَات" الذي عرفه بروفيسور ميلسون على النحو التالي: "مجموعة سبع قصائد لشعراء جاهليين مختلفين تعتبر صفوة الشعر الجاهلي"، وكعادته أضاف بروفيسور ميلسون ملاحظة مهمة ليزيد القارىء الذي يتحلى بحب الاستطلاع معرفةً، وجاء في الملاحظة :" أصل الاسم اَلْمُعَلَّقَات غير واضح ولكن هنالك تفسير شائع يقول ان المعلقات قد كُتِبت بحروف من ذهب في القباطي وعُلَّقت على جدران الكعبة وهذا هو اصل التسمية. من شان هذه القصة أن تفسِّر ايضا تسمية اخرى للمعلقات وهي المُذَهَّبات. ولكن الارجح أن هذا التفسير ليس الا خرافة.
الى جانب التعابير الادبية والاسلامية التقليدية نجد في القاموس مصطلحات حديثة من العهد الحديث والتي صاغها أبناء اللغة حديثا، مثل المفردات: "تَسْلِيع" أو "تَشْييء"- ( ومن هنا "تسليع المرأة" أو " تشييء المرأة")،
"عَوْلَمَة" ، "رَقْمّنَة"، وغيرها من الامثلة. وحتى ان القاموس لم يغفل عن كلمة "داعش" والتي عرفها على النحو التالي:"مختصر من (اَلدَّوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي الْعِرَاقِ وَالشَّامِ) "، ويضيف الى جانب التعريف هذا الملاحظة التالية:"تنظيم اسلامي قتالي يدعو للجهاد العالمي تاسس في العراق سنة 2006 وبعد عدة سنوات توسع الى الشام. التسمية المختصرة "داعش" شائعة في الاعلام الا ان الناطقين باسم هذا التنظيم لا يقبلونها، وبعد ان سيطر التنظيم على مناطق خارج العراق والشام فهم يسمون انفسهم ب"اَلدَّوْلَة الْإسْلامِيَّة" بلا تحديد جغرافي، ومثال آخر من نفس المجال هو المفرد "أخونة" ، والذي يعني "تسليط الفكر الإخواني على اشخاص او فرض الهيمنة الإخوانية على مؤسسة او منطقة. وتجدر الاشارة الى ان هذين المفردين غير موجودين في المعاجم التي ذكرناها أعلاه، وهناك المئات من المفردات الشبيهة.
يتميز القاموس بكثرة الشواهد فيه، فهو يشمل اكثر من ستة الاف شاهد، ولم يجر اختيار الشواهد صدفة، حيث تم اختيارها بهدف اثراء القارىء بمزيد من المعلومات في الثقافة العربية والاسلامية، وكمثال يذكر القاموس ان جنس كلمة "خمر" هو المؤنث، خلافا للغة العبرية، بل وحتى ان القاموس تطرق في الملاحظة الاضافية الى موقف الشريعة الاسلامية من شرب الخمر فقال: " قَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ أنَّ قَليلَ الْخَمْرِ وَكَثيرَهَا حَرَامٌ ، ومثال آخر مشابه: المفرد "عصا" والذي هو ايضا مؤنث خلافا للغة العبرية، وهنا اورد القاموس للتأكيد على ان المفرد مؤنث آية من القرآن: "قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَأُ عَليْهَا" (سورة طه:18)، ونرى في هذا المثال تجسيدا بالغ الاهمية للصلة بين العهد القديم والقرآن، وبالتالي فان من يتصفح القاموس باحثا عن معاني المفردات والتعابيراللغوية يجد نفسه ينهل من مفاهيم الثقافة العربية والاسلامية.
واما بالنسبة للغة القاموس العبرية فهي لغة سلسة وواضحة بعيدة عن التنميق, وجودة العبرية ملموسة في كل جنبات القاموس، ويبرز ذلك بشكل أكبر في ترجمة الامثال، فالقاموس يشمل مئات الامثال والاقوال الدارجة، وترجمة بروفيسور ميلسون لها تدل على رهافة ذوقه وأسلوبه واتقانه الرائع للغتين، وأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة- اثنين من اللغة العربية الادبية وآخر من اللغة المحكية العامية التي لم تغب عن القاموس أيضا: (أ) "كفى المرء نبلا ان تعد معايبه", (ويضيف ميلسون: "من بيت للشاعر علي بن الجهم"، (ب) "أهل مكة أدرى بشعابها" ، (ج) ومن العربية المحكية التي تظهر في الادب ووسائل الاعلام ذكر "على عينك يا تاجر" وهو مثل يعني :"على المكشوف، امام الجميع، بلا حياء" وأورد مثالا على المثل كما ورد في وسائل الاعلام "إن تزوير الانتخابات على عينك يا تاجر".
قاموس مناحم ميلسون العربي عبري المحوسب قاموس رائع للغة العربية المعاصرة، وحتى وقبل الانتهاء من اكمال اعداده يشكل مرشدا للباحثين والطلاب في جامعات اسرائيل، ونحن نأمل ان يتبنى جهاز التعليم في اسرائيل القاموس لما فيه من فائدة للمعليمن والتلاميذ على حد سواء، فمن منطلق معرفتي بجهاز تعليم اللغة العربية في المدارس العبرية انا مقتنع ان استخدام القاموس يمكن ان يسهم بشكل كبير لتحسين تعليم اللغة العربية في البلاد، كما ان شموله على فهرس عربي عبري يمكن بلا شك ان يسهم كثيرا لجهاز التعليم العربي في اسرائيل.