بغداد:الحديث مع الفنان العراقي مقداد عبد الرضا بدأ فنيا ..، لكنه سرعان ما أتجه الى السياسة والظروف العديدة ، همومه الفنية توازي همومه الحياتية ، تشعر بأطنان من الحزن والالم يحملها على عاتقه وفي داخله ، تشعره ينظر الى مسيرته الفنية الطويلة المميزة ويرى اشلاء بيته المهدم ،في انفجار وزارة الخارجية، يحيط بها من كل جانب ، تحسه يتأمل الادوار الدرامية التي مثلها ولا يجد بينها ما يمكنه ان يشير الى دراما واقعه الذي يتطرف في تراجيدياته حتى عافت نفسه التمثيل ولا يشعر له بطعم او لون او رائحة ، بل انه في لحظة يأس .. تسمعه يشير الى الجدوى ، مع مقداد كان لنا هذا الحوار الذي تحدث فيه بصراحة بما يجيش في نفسه .

شاركت في مسلسل (النخلة والجيران) لكنك لم تكن راضيا عنه لماذا؟
كانت بيئة المسلسل غلطا ، جميع المشاهد في العمل تقريبا في مكان واحد وهذا غير صحيح ، بطل (النخلة والجيران) هو الشارع ، ولكننا لم نر الشارع بسبب عدم قراءة النص قراءة صحيحة من قبل المسؤولين عن العمل ، هناك اخطاء كثيرة ، وكان من الممكن ان يسمون العمل (النخلة الخضراء) لان كل الاماكن خضراء ، حتى (الطولة) (زريبة الخيل) كانت خضراء ونظيفة (تلمع!!) ، اعتقد ان العمل بدء من اغنية (التايتل) المليانة نشازات واللهجة الريفية التي اتصف بها المؤدي ، الى الانارة الخطأ الى عملية المونتاج الغلط ، الى دمج روايتين هما (النخلة والجيران) و (القربان) للكاتب غائب طعمة فرمان ، وهذا لم يعلن عن المعد ، وقد غمط حق المؤلف .
ولماذا اشتركت فيه اذن ؟
كنت اتوقع ان تتم معالجة صحيحة لشخصية (مصطفى الدلال) التي مثلتها ، وهي شخصية معروفة اذ انها مثلت من قبل في المسرحية واداها الفنان خليل شوقي ، كنت خائفا منها ، ولم اكن ارغب في التمثيل ، روحي عافت التمثيل يسبب رداءة الوضع العام ، ولكنني مثلها لاعتقادي انها ستعالج بشكل صحيح .
تقول خفت منها .. لماذا وانت تمتلك الخبرة والاحتراف؟
هي شخصية صعبة ، حاولت ان اجد (كاركتر) ولكنه ضاع في خضم العجالة التي تم فيها العمل ، علما انني احكي للحقيقة وانا لاعلاقة لي بقناة البغدادية انها دفعت فلوسا كثيرة للعمل ولكنه ظهر بهذا الشكل من العجالة .
ما ملاحظاتك الاخرى على المسلسل؟
في احد المشاهد كنت قد نسيت الحوار ، فتوقفت ، ثم درت رأسي ولعبت بأذني ، ثم ألتفت لأكمل الحوار ، هذا التوقف لم يحذف وظهر في احدى الحلقات ، هذا يدل على عدم وجود عناية بالعمل ، فالرواية التي عندما مثلت على المسرح احدثت انعطافة كبيرة في تاريخ المسرح العراقي ، هل يمكن ان تنفذ بهذه الطريقة الضعيفة ؟ ، في احد المشاهد ممثلة تقول لممثلة اخرى(ابوي ما يقبل نشعل فانونس بالبيت) ، واذا بنا في المشهد نحن امام انارة وكأننا في وضح النهار ، وهذا دليل على عدم قراءة النص قراءة صحيحة .
هل يعني هذا انك نادم على المشاركة في العمل ؟
نادم.. نعم ، وهذا من الاسباب التي جعلتني اصر اكثر على ان لا أمثل .
ولكن اعرف ان لديك عملا في طور الانتاج ؟
تقصد مسلسل (ابو طبر) ، نعم .. صارت عليه الكثير من الاشياء خلف الكواليس ، وانا لا احب العمل خلف الكواليس ، الفكرة بدأت بالحديث مع المؤلف حول الموضوع على ان اخرجه ، ولكن الكواليس المعتمة وما وراء الحجرات .. انا لا احب التحدث من خلفها ، فجأة .. رفضته قناة البغدادية وبعدذلك اختفى ، ولا ادري اين هو الان ، ولا اعرف الجهة المنتجة وصار الامر لا يعنيني ، هناك مؤامرات صغيرة ولكنها مخجلة والحديث عنها اصبح خارج سياق الشخصي ، وبصراحة ما ان احسست ان هناك شيئا غير طبيعي حتى انسحبت وتركت الديكة يتصارعون .
هل من الممكن ان يقسر الفنان على الاعتزال ؟
ربما ، بسبب ضجة او ضوضاء ، او عدم الدراسة ، او بسبب الانتاج الهزيل ، بسبب ضعف الاداء وبسبب نقص العدد ، كل هذا يخلي الواحد يقسر على الاعتزال ، انا وعلى الرغم من كوني ملولا لكنني جاد كثيرا ولا احب اللعب في هذا الحقل بريبة او كذب .
الا يمكن الانتظار حتى تحين فرصة ما ؟
العمر بدأ يتسرب ، فأنتظر الى متى ، وماذا انتظر؟ ، حياتنا كلها انتظارات ، العراق كله انتظارات ، مذ فتحت عيني على الدنيا وهي كلها انتظارات مخجلة ولم يتحقق اي شيء ، يذهب زيد ويأتي عمرو ونفس اللعبة ونفس الكذب والممارسات التي تجتهد القوى السياسية في القمع واذلال الناس وسحب البساط وتجويعهم وتجهيلهم واجبارهم على التبعية ، وهذا خطأ كبير .
هل يعني هذا انك متشائم ؟
ألا تشعر انك متشائم ؟ احكي لك : تهدم بيتي بتفجير بناية وزارة الخارجية ، احتجت الحكومة واتهمت جهات ما ، الحكومة لها عداوات مع الاخرين ، مع دول ، ولكنني لست مسؤولا عن تهديم بيتي ، الحكومة هي المسؤولة ، عشرات المرات هدم البيت ، في السابق كنا نخاف ان نحكي، في الحرب العراقية الايرانية تهدم البيت وفي عام 1991 تهدم ايضا وفي الحرب الاخيرة تهدم والان تهدم ، حاليا هناك فسحة من الديمقراطية كما يقال وعلينا ان نتحدث ونطالب ، شقتي امام الوزارة والضرر من الدرجة الاولى .
ألم يتم تعويض الاهالي كما سمعنا ؟
- ما ان تهدمت البيوت حتى جاءت الحكومة للتعويض ، وصار اكثر من ثلاثة اشهر ولم يطرق احد الباب ، انا لا اريد تكريما من احد ، انا اطالب بحقوقي ، يجب على الحكومة ان تعوضني ، الان يقال ان مجلس المحافظة اودع المبلغ في احد المصارف لانه كبير وكي يستفيد البعض من الارباح التي تدرها هذه الاموال وتركوا الناس ، جاء طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية وتبرع مشكورا بالتعويض ولكن من تم تعويضهم لا يتجاوز عددهم الاصابع ، ثم قيل لا توجد فلوس ، اذن لماذا هذا التبرع؟ ، انا لا اعلم اين هذه المبالغ هل سرقت او وزعت دون وجه حق ، انا اريد ان اعرف هل تعوضني الحكومة ام لا ، لا تتركوا الناس في هذا الوهم ، علما ان هناك عمارات عوضت تقع في الخلف ، دعهم يوضحون لنا القضية وما الامر وسوف أسكت ، هل اقول ان الحكومة ليس لديها اموال ام لديها ناس خونة او هكذا ، ليس من الصحيح ان تغض الحكومة النظر عنا .
وبعد .. ألا تريد ان تعمل؟
ازاء الوضع هذا كيف تفكر ان تعمل ، تطلع .. وروحك على راحة كفك ، ثم ان دائرة السينما والمسرح هي المكان الوحيد الموجود للعمل ، وهذا يعني ان الفرص قليلة بالنسبة للعاملين لعدم وجود مسارح اخرى ، اينما تذهب تكون مستفزا ، وان اي عمل يحتاج الى استرخاء .
والمسرح لماذا هذا الغياب عنه ؟
اين هي المسرحيات ؟ اما ان تعمل بشخصيتين او ثلاث لعدم وجود انتاج كبير ، لا توجد مسرحية شعبية كبيرة حتى تعمل فيها ، الناس الذين يعملون هذه التجارب المسرحية يفكرون بها لكي يسافروا ،- انا ليس لديّ رغبة في ان اسافر بهذه الطريقة ، ولا اعمل ولا امثل الا بحيث يكون هناك جهد واضح .
ألم تقدم اليك عروض للتمثيل؟
عروض كثيرة عرضت عليّ لكنني رفضتها لانني وصلت الى حالة اللاجدوى ، علما ان استمتع في الكثير من الاشياء الحياتية التي اعملها ، اكتب واقرأ وانتج ، ولكن عدم شعوري بجدوى الاشياء وجديتها يجعلني امتنع عن التمثيل وقبول هذه العروض ، انا رجل مزاجي ، ما ان اكتشف ان هناك عطلا في مكان ما في العملية المسرحية برمتها حتى انسحب وهذا حدث كثيرا .
اين هي احلامك اذن ؟
احلامي بدأت تصغر ، ما عادت لديّ احلام كبيرة ، لكنني احلم كثيرا ان ارى البلد خاليا من الاحتراب ، خاليا من التبعية والطائفية ، خاليا من (العرباين) ، خاليا من نقاط التفتيش ، احلم ان يكون الزمن مفتوحا لي ، ان ارجع الى بيتي متى اشاء وليس في الساعة 12 ليلا ، وان تفي الحكومة بوعودها حينما تتحدث ، المصداقية هي الشيء الوحيد الذي يدفع الى الاحترام .
أليس لديك احلام فنية ؟
افكر في مشروع صغير ، ان اعمل (كاليري) للفوتوغراف ومجموعة افلام سينمائية لي ولاصدقائي ، عروض فقط داخل الكاليري ، ومجموعة اصدقاء وصيقات انا اختارهم للدخول ، لدي فيلم من زمان افكر في اخراجه انا كتبته ، كلما افكر بالبدء بالعمل ارى ان الحكومة رفعت اسلحتها عاليا ومنعت التصوير ، اقترحوا عليّان ابدأ بعد الانتخابات عسى ان يهدأ الوضع ، الحكومة تعتقد ان كثرة نقاط السيطرة والحواجز هي السبب في تحقيق الامان ، هذا خطأ فادح ، الخونة هم الذين تسربوا في جسد الدولة والحكومة ، والحكومة لا تعرف او لا تستطيع السيطرة عليهم وسيظل الحال هكذا الى ان تحدث على ما أظن مذبحة كبير (لا سمح الله) .