الدهن في العتاقي
علي رياح

لدى الأشقاء المصريين خفة دم متحفزة لصياغة المقال الذي يناسب الحال .. ولديهم ـ فوق هذا ـ خزين لا يبارى ولا يضاهى من الأمثال الشعبية ،

على رياح
تى أنك حين تدخل في حوار مع أحدهم ، تجده وقد أمطرك باللذيذ والساحر والبليغ من الأمثال التي تغنيك عن كل مقال .. وحين شاهد خبير مصري في رفع الأثقال لقاء أجرته قناة الحرة ـ عراق مع صباح عبدي أحد أهم خبراء رفع الأثقال ليس في العراق أو حتى المنطقة العربية وحدها ، وإنما على الصعيد العالمي أيضا ، قال لي : (الدهن في العتاقي)!

كان هذا الخبير يعني تماماً أن كل (بركة) الرياضة مطروحة في الكثير من النماذج العربية التي تقدمت في السن ، وقد نذرت أعمارها لرياضات أعلت شأن العرب ولم يعلّ العرب من مستوى اهتمامهم الجماهيري أو الرسمي أو الإعلامي بها ..
وعلى المستوى الشخصي عرفت صباح عبدي على مدى أكثر من ربع قرن ، فهو واحد من أفضل المنظـِّرين في رياضات القوة البدنية ، كما أنه كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين قدموا خلاصة تجاربهم لأجيال متلاحقة من نجوم الرياضة العراقية ممن دخلوا عالم الدراسة الأكاديمية ، فضلاً عن شغله مناصب مهمة في الاتحادات العربية والآسيوية والدولية لرفع الأثقال ، وأتصور أنه أكثر رؤساء الاتحاد العراقي مكوثا في هذا المنصب على مر الزمن ، وبالتالي فقد أسهم في النسبة الأكبر من انجازاتنا على هذا الصعيد ..

سعادتي كانت غامرة بظهور الرمز الرياضي العراقي والعربي والدولي صباح عبدي بعد أن فقدنا أخباره خلال السنوات الأخيرة ، والفضل في ذلك يعود إلى زميلنا الإعلامي اللامع عدنان لفتة الذي اختط لنفسه مسارات رائعة عدة بينها التنقيب عن تلك النماذج المشرّفة التي جعلت العراق ـ ردحا طويلا من الزمن ـ صاحب القدح المعلـّى في الرياضات الفردية ، وبينها رفع الأثقال التي يرتبط بها الوسام الوحيد (النحاسي) الذي ناله العراق في مشاركاته الاولمبية وقد زيّن صدر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما عام 1960..

وقد ارتفع منسوب السعادة ، حين انتقل زميلنا عدنان ، في البرنامج ذاته ، إلى رمز آخر من رموز الكرة العراقية وهو لطفي عبد القادر الذي كان اللاعب والمدرب والحكم والجندي المجهول وراء الكثير من التعديلات التي شهدها قانون كرة القدم ، بعد أن اكتشفنا أنه كتب في صحف الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم داعياً إلى تبني تغييرات مقترحة في القانون ، وهي التغييرات التي لم تتم إلا بعد عشرات السنين ، فضاعت مبادراته ولم يذكره أحد !

وكعادته ، كان لطفي عبد القادر وقد بلغ العقد السبعيني من عمره ، متدفقاً في الحديث ، مفعماً بالحيوية برغم الشلل الذي أصابه .. ولم أعرفه إلا محباً لكرة القدم على نحو جنوني ، وأفخر بأنني كنت السبب في عودته إلى الكتابة في جريدة (القادسية) قبل حوالي خمس عشرة سنة ، كما أنه احتفى بجريدتنا (سبورت) على طريقته حين سمع بصدورها ، فجاءنا يتعكز على عصاه حاملاً ما جاد به قلمه المبهر المعطاء ..

(الدهن في العتاقي) ، مثل مصري يصلح للحديث عن صباح عبدي ، وعن لطفي عبد القادر ، وعن عمو بابا ، وعن علي الصفار ، وعن المئات من أبطال الرياضة ونجومها الأفذاذ الذين قدموا الكثير ، نذروا أعمارهم للرياضة ونالهم الكثير من الإهمال .. ثم قدموا خبراتهم ولم نقدم لهم غير التناسي ، حتى باتوا ينزوون في عزلة مريرة وباردة ، برغم كل إسهاماتهم التي جعلت منهم ذلك الأمس المتوهج الذي لم تكن الرياضة العراقية من دونه شيئا مذكورا ..

وأتساءل بصبر نافد الآن : متى ندرك أن لدينا ماضيا يجب الالتفات إليه ؟
لا الظروف الاستثنائية ، ولا الأولويات الحياتية ، تحول دون مد أيدينا إلى (كبارنا) .. بعضهم ليس في حاجة إلى التفاتة مادية ، ومعظمهم يعيش في هزال وضنك وعَوز لكنه يؤثر العزلة والصمت حفاظاً على كرامته ، وهي أعز ما يتبقى لديه بعد أن أغدق العطاء للناس.. وإذا كان ما ندّخره لهم شحيحا ، فلا أقلَّ من أن نعيدهم إلى الواجهة من الباب الإعلامي كي نعرّف الناس بمآثرهم .. فثمة مثل مصري بليغ آخر يقول : (من فات قديمه تاه)!