بعد ثلاثة اعوام من الانقطاع استأنف نادي السيارات السوري تنظيم سباقات "دريفت" في محيط دمشق في نشاط رياضي وترفيهي نادر يشكل فسحة استرخاء وسط الحرب التي تعصف بالبلاد منذ حوالى اربع سنوات.

ويقول زاهر دحكول الحائز على بطولات عدة محلية ودولية في سباقات السيارات لوكالة فرانس برس خلال سباق اجري الاسبوع الماضي "اجمل ما في هذه الرياضة هو انه ما ان تضع الخوذة وتربط الحزام حتى تنسى كل مشاكل البلد (...) القذائف التي تسقط عليك ووضع الحرب وغلاء المعيشة".
ولا يفكر هذا الخمسيني الذي يعشق رياضة السيارات "منذ الطفولة" والذي يطلق عليه المعجبون به لقب "كينغ" (الملك) حينها الا "بالربح واحراز البطولة".
وتتقد عينا دحكول حماسة. ويقول "تعطلت سيارتي مساء امس، لكن الرغبة الجامحة بالمشاركة (...) دفعتني الى اصلاحها على عجل والمشاركة رغم ادائها البسيط".
وشهدت حلبة "زمان الخير" التي انشئت بتمويل خاص على طريق مطار دمشق قبل بضع سنوات، خلال الشهر الاخير سباقي دريفت، وتستعد لاستضافة الثالث غدا الجمعة. وكان عدد المشاركين في المرة الاولى منخفضا، وارتفع الى عشرين في المرة الثانية، ويتوقع ان يرتفع اكثر هذا الاسبوع.
وسبق للنادي ان نظم قبل الحرب سباق "دريفت" واحد العام 2010، استضاف خلاله عشرات المتسابقين من سوريا ولبنان والاردن وحضره المئات من عشاق هذه الرياضة التي تحظى باكبر شعبية بين سباقات السيارات.
وسباق "دريفت" عبارة عن سباق تحكم بالسرعة على مسار محدد ضمن حلبة معينة.
وعادت الحلبة الى الخدمة بعد ان تمكنت قوات النظام خلال الاشهر الماضية من استعادة السيطرة على عدد كبير من البلدات الواقعة على جانبي طريق المطار بعد معارك عنيفة مع مقاتلي المعارضة الذين انسحبوا منها.
وتتكون الحلبة التي كانت تزينها في السابق نباتات مزهرة يبست بسبب عدم العناية بها نتيجة الاقفال، من مسارات رملية ملتوية تمتد لنحو 1300 متر يحدها سور من الاطارات المطاطية.
وجلس عشرات الاشخاص غالبيتهم من الشبان على منصة الجمهور يشجعون المشاركين، غير آبهين بالمطر المفاجئ.
بين هؤلاء محمد الافغاني (18 عاما) الذي كان يدخن نرجيلة، وسط اصوات هدير المحركات وهتاف الجمهور. وقال "الكل سعيد لعودة السباقات (...) بعد ان اصبح المكان امنا، والجمهور يكبر يوما بعد يوم"، مشيرا الى ان المشجعين اصبحوا "يصطحبون الآن عائلاتهم".
وقال الشاب القادم من حي البرامكة في وسط العاصمة "المتسابقون متحمسون لعودة السباق والمشاركة وتجهيز سياراتهم وحرق الاطارات (الناجم عن الفرملة) وشم رائحتها".
واعرب هذا الطالب الجامعي عن اسفه لعدم تمكنه من المشاركة "لانني لا املك الموارد المادية فانا بالكاد استطيع تامين مصروفي".
وتبلغ قيمة "المشاركة الرمزية" في السباق، بحسب ما يقول المنظمون، نحو ثلاثة الاف ليرة سورية (15 دولارا).
وتسببت الحرب بمقتل اكثر من 195 الف شخص، وبنزوح كثيف، وبدمار واسع في مناطق مختلفة من سوريا طال البنى التحتية والمصانع والمؤسسات، وبازمات عمل ومحروقات وطحين وغيرها...
ويشير المشارك امين الخضري (35 عاما) الذي يدير محلا لتجارة قطع السيارات ويهوى هذه الرياضة الى صعوبة "صيانة السيارات وعدم توفر قطع الغيار" التي يضطر لاستيرادها "باربعة اضعاف ثمنها بسبب انخفاض سعر صرف العملة المحلية".
كما لفت الى نقص الدعم والتمويل. "في السابق كانت الامور مختلفة... الان ادفع من ميزانيتي الخاصي".
ويرى المنظمون في وصول عدد المتسابقين الى عشرين، "اقبالا مذهلا".
ويقول مدير سباق السيارات في النادي السوري خالد الاتاسي لفرانس برس "باشر النادي بتنظيم هذا النوع من السباقات نظرا لشعبيتها الكبيرة وكلفتها القليلة نسبيا بالمقارنة مع سباقات السيارات الاخرى".
وكشف ان السباق "هو خطوة اولى من اجل تفعيل سباقات السرعة والرالي"، لافتا الى رغبة النادي بتنظيم سباق مصغر يشبه رالي "اكتشف سوريا" في "المناطق الامنة" خلال العام 2015.
واطلق نادي السيارات السوري "رالي اكتشف سوريا" العام 2003، وكان ينظمه سنويا بمشاركة العديد من ابطال سباقات السيارات السوريين والعرب والاجانب، وساهم الرالي بترويج سياحي واسع للبلاد. وكان المشاركون يتبعون خريطة مسار تمتد على حوالى 1300 كلم وتمر عبر عدد من المعالم السياحية. ويستغرق السباق من ثلاثة الى اربعة ايام.
ويشير الاتاسي الى وجود حلبة سباق ثانية هي "حلبة نادي السيارات السوري في معرة صيدنايا (في منطقة القلمون)" في ريف دمشق، لكنها "غير متاحة في الوقت الراهن"، مبديا ثقته ب"استعادتها قريبا".
وقال الاتاسي الذي بدا سعيدا بارتدائه من جديد قميص النادي الازرق، ان عودة الحياة الى هذه الحلبات ستمكن المتسابقين من "استعادة مهاراتهم بعد ان صدأت مفاصلهم التي تحتاج الى +تزييت+ كالسيارات تماما".
وسيطرت القوات السورية مدعومة بعناصر من حزب الله اللبناني على معظم منطقة القلمون الواقعة شمال دمشق منذ نيسان/ابريل الماضي. الا ان العديد من المقاتلين المعارضين تحصنوا في الجبال والمغاور الطبيعية في المنطقة الحدودية مع لبنان، ولا يزالون ينطلقون منها لشن هجمات على مواقع الجيش والحزب.
وأبدت الطالبة في كلية الحقوق اوسان (26 عاما) تفاؤلها "بعودة هذه الرياضة"، مشيرة الى ان "الامور تسير الان نحو الافضل والنشاطات تعود".
واضافت وهي تنظر الى السباق بشغف "قد لا يمكننا ان نعود فجاة كما السابق ولكننا سنقوم بذلك شيئا فشيئا".