اعتبر عدد من المحللين الألمان أن أحداث مصر كانت مفاجأة بالنسبة إلى الكثير من الأنظمة الغربية ومن بينها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، ورأوا أن واشنطن خائفة من حدوث تغييرات في مصر قد تهدد الإتفاق السلمي الإسرائيلي المصري والعلاقات المصرية الإسرائيلية، وبالتالي أمن المنطقة. واعتبروا أن المطلوب هو التغيير على كل الأصعدة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، مركزين على الدور الحاسم للجيش في الفترة المقبلة.


برلين: من وجهة نظر مرسيل بوت خبير شوؤن الشرق الأوسط ومراسل محطة التلفزيون الثانية الألمانية سابقًا، فإن قرار الرئيس المصري حسني مبارك حل الحكومة وإدخال إصلاحات عليها، ليس سوى ملاذ يهرب إليه المسؤولون السياسيون للتخفيف من حدة الوضع وإسكات الشارع، وهذا ما حاول أيضًا الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي القيام به. لكن طالما أن مبارك في النظام فإن من سيتولى المناصب التي تتخذ القرارات الحاسمة سيكون من الوسط الحكومي الذي يرفضه الشارع المصري حاليًّا، وهذا ما ثبت بعد تعيينه رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان نائبًا له. عدا ذلك لا يتوقع بوت تغييرات طالما ان الجيش المصري يساند النظام، فما تحتاج إليه مصر هو تغيير أساسي على كل الأصعدة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية.

وكما المحلل السياسي بوت أيضًا الكثير من المحللين السياسيين الألمان يعتقدون بأن ما يحدث في مصر كان مفاجأة بالنسبة إلى الكثير من الأنظمة الغربية ومنها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر النظام المصري الحالي أفضل شريك وحليف لها في المنطقة ولا تريد حاليًّا أي تغيير لأنه سيفسد خططها الأمنية للمنطقة، وهي تدفع المليارات من أجل ذلك. إذ إنّ واشنطن تقدم لمبارك أكثر من مليار ونصف مليار دولار مساعدات عسكرية منذ العام 1975 أي ما يقارب 28 مليار دولار.

لكن، بناء على ضغط الشارع المصري، إضطر الرئيس الأميركي باراك أوباما للإتصال بمبارك هاتفيًا ومطالبته بإصلاحات، لأن أوباما لم يعد يستطيع تجاهل التطورات الخطرة في الشارع المصري. ومع أنه لم يمارس حتى الآن ضغطًا فعليًا على الرئيس المصري، لكن السؤال هو متى سينقلب الوضع وتتغير هذه الإستراتيجية؟ قبل ظهور مبارك على شاشة التلفزيون للإعلان عن إستقالة حكومته، قال له أوباما في إتصال هاتفي أن عليه أن يقدم وعودًا يلتزم بها لإحداث إصلاحات إقتصادية وتوفير المزيد من الديمقراطية. ولقد فسر المحللون ذلك بأن واشنطن خائفة من حدوث تغييرات مثيلة لتلك التي حدثت في تونس وإنقلاب كل المعايير، فهذا سيهدد في الدرجة الأولى الإتفاق السلمي الإسرائيلي المصري والعلاقات المصرية الإسرائيلية.

دور الجيش حاسم

من وجهة نظر هينر فورتيغ مدير معهد الدراسات الشرق أوسطية في هامبورغ بعد التظاهرات الكبيرة في مصر فإن الجيش المصري أصبح له دور حاسم، ما يعني أنه في حال حدوث فراغ سياسي سيتولي لفترة محددة زمام الحكم. وكما الأنظمة العسكرية في أميركا الجنوبية سابقًا، فإن قيادة الجيش المصري تريد أن تكون لها سلطة السياسية في مصر، لذا فقد لا ترفض تشيكل حكومة عسكرية مؤقتة وهذا أمر غير مستبعد حاليًا، من أجل الإنتقال الى فترة تسمح بتشكيل حكومة مدنية، لكن هذه الفترة قد تطول.

وأعاد فورتيغ إمكانية هذا الحل إلى أن القوات المسلحة المصرية، وبعكس الآلة العسكرية في تونس تحظى بمكانة جيدة، ففي كل عائلة تقريبًا جندي يعمل في صفوف الجيش، مع أن القيادة العسكرية تمارس منذ أكثر من 50 عامًا السلطة من وراء الكواليس، ولها رأي مهم في إقرار ما يجب إقراره.

ونتيجة التظاهرات في مصر وتونس يدخل فورتيغ في الحسبان أن تجتاح اليمن والأردن تظاهرات إحتجاج، لكن بوتيرة مختلفة، فهناك النظام الجمهوري والوحدوي (الملكي) والذي يقاد من قبل الجيش.
موقف ألمانيا: المزيد من الديمقراطية

أما الموقف الرسمي الألماني فاتضح من خلال مطالبة المستشارة أنجيلا ميركل من مؤتمر دافوس الإقتصادي الرئيس المصري بالمزيد من الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والتظاهر من دون اللجوء الى العنف.

وحسب قول مصدر ألماني رسمي (فضل عدم ذكر إسمه) لـquot;إيلافquot; فإن أحد المواضيع التي ستبحث خلال الإجتماع التشاوي الدوري الإسرائيلي الألماني في الثاني من شباط-فبراير في القدس، هو الوضع في مصر والتطورات الحاصلة هناك، وهذا ما سيبحثه وزيرا خارجية ألمانيا فسترفيليه وإسرائيل ليبرمان قبل ذلك.

وحول ما تتوقعه الحكومة الألمانية من اسرائيل إزاء الوضع الحالي في مصر حاول المصدر التملص من الرد لكنه قال quot;بشكل عام تنتظر برلين من كل شركاء عملية السلام في الشرق الأوسط التركيز على أهمية مواصلة المباحثات من أجل تحقيق حل الدولتين، كي تعيش إسرائيل ضمن حدود آمنة، وتراقب الحكومة الألمانية التطورات في مصر بدقة شديدة، لأن مصر تؤدي دورًا مهمًا جدًا في إستتباب الإستقرار في المنطقةquot;. وذّكر بأن مصر إعترفت بإسرائيل كدولة ووقعت إتفاقية سلام معها، لذا قدرت ألمانيا دورها وثمنته كثيرًا، وتريد أن يتواصل هذا الدور في المستقبل أيضًا.

وأشار المصدر إلى أنه quot;على الصعيد الداخلي فإن الحكومة الألمانية ترى الكثير من النواقص في مجال الإقتصاد والسياسة الإجتماعية في مصر التي هي بحاجة ملحة الى إصلاحات وإلى مجتمع تعددي، لذا ترى ضرورة ملحة لتحقيق المزيد من الديمقراطية فيهاquot;.

كما رفض المصدر التعليق على ما تردد خلال التظاهرات بأن الجيش قد استخدم طلقات نارية ضد المتظاهرين، فهو لا يريد التعليق على ما يرد في وسائل الإعلام بل على المصادر التي تعتمد عليها الحكومة الألمانية والتي تقول لم يحدث أي إطلاق للنار.

الجالية تطالب بسقوط مبارك

على صعيد الجالية المصرية في ألماني، فقد خرجت تظاهرة في برلين يوم السبت للمرة الثانية، شارك فيها المئات مطالبين بإستقالة الرئيس حسني مبارك. وقال محمد م. الذي يعيش منذ سنوات في برلين لـquot;إيلافquot; quot;لقد هربت من الوطن بسبب النظام الإستبدادي والظلم والقهر والفقر، ولولا المال الذي أرسله لعائلتي لمات أفرادها من الجوع، لقد حان الوقت لوضع حد لجشع الحاشية التي يحميها مبارك من موظفين كبار وحتى أصحاب الشركات (البلطجية) يقتلون الناس ويدخلون من الباب الرئيسي للمحكمة ويخرجون أبرياء من الباب الخلفي.

لكن سعاد ترى في الوضع quot;خطورة كبيرة إذا ما حدث فراغ سياسي، وخاصة ان الجيش على إستعداد لفرض حظر تجول صارم، ما يعني السماح بإطلاق النار على كل من يخرج إلى الشارعquot;. وتساءلت quot;لماذا لا يسمع الغرب الذي يساند الديمقراطية صوته إلى الحكام العرب ومبارك ويقول لهم أين هي الأموال التي ندفعها لكم من أجل تحسين أوضاع الناس؟quot;. مع ذلك فهي ليست متفائلة جدًّا، والسبب عدم وجود رؤية واضحة لما يحدث، ولو سقط النظام سيأتي بالتأكيد نظام عسكري موالٍ لمبارك، عندها تكون كل التضحيات قد ذهبت هباءً.

ويتجاوب الكثير من الألمان مع quot;ثورة شباب فايسبوك quot; في مصر كما يسميها البعض، حتى ان العديد منهم ألغى حجزه الى المنتجعات السياحية المصرية تعبيرًا عن المساندة، كما فعلت تينا فوبوس من برلين، التي قالت حتى لو لم تنصح وزارة الخارجية الألمانية بعدم السفر الى مصر كنت قد صممت على إلغاء رحلتي مع إنني خططت لها طويلا. وانتقدت حكومة بلادها على الموقف الصامت الذي تلتزم به.