اعتبر عدد من الخبراء في علم الجريمة والأمن والسلوك النفسي أن التعامل الوحشي وغير الإنساني في دول العالم العربي سيفضي إلى مزيد من النزاعات والثورات الشعبية الغاضبة. ولعل حادثتي قتل الشاب المصري خالد سعيد والتونسي محمد البوعزيزي كانتا أساسًا في إطلاق شرارة الثورتين.


الرياض: ثورتان quot;شعبيتانquot; أُطلقت شرارتهما من أيادي أفراد الأمن، تونس كانت الخبر من صفعة شرطية لقائد الثورة الحمراء quot;محمد البوعزيزيquot; صفعت بعدها أطياف الشعب التونسي نظام رئيسها المخلوع زين العابدين عن مقعد الرئاسة للدولة الخضراء.
المبتدأ قبل ذلك كان في حزيران/ يونيو من العام 2010، حيث شهد مقتل الشاب المصري خالد سعيد على أيدي أفراد من الأمن في مدينة الإسكندرية، بحسب رواية شباب مصر، على الرغم من نفي الأمن المصري تلك الروايات، ومؤكدًا أن خالد سعيد هو أحد المتاجرين بالمخدرات على حد تعبير جهاز الأمن.

إلا أن حادثة مقتل خالد سعيد تعد إحدى محركات الثورة quot;الشبابيةquot; المصرية الحالية، بعدما اكتسبت من جموع المتعاطفين مع القضية وقودًا مهمًا لتحريك بوصلة الثورة نحو هدف أعلى للوصول لإسقاط النظام المصري ورئيسها حسني مبارك، وتجلى ذلك واقعيًا في ساحة quot;التحريرquot; حاضنة الثورة الشبابية المطالبة بالتتغيير.

الشعار المنسوخ والتقليدي في الدول العربية لتعريف جهاز الشرطة quot;الشرطة في خدمة الشعبquot; أصبح في نظر العديد من الشعوب العربية مجرد يد تتطاول فيها أجهزة الأمن على أفراد المجتمع بكل أنواع التعذيب، الشرطة التي ساهمت في ثورتين عربيتين انتهت أولاها وأخراها في قائمة الانتظار لم تعد عند معظم شعوب العرب هي جهاز النظام والأمان، حيث تجاوزت أهدافها إلى قمع وقتل وعنف.

فهل المشكلة في تجاوز نظام مؤسسات الشرطة لأدوارها وقيامها بأدوار المافيا؟.. أم أن بعض أفرادها هم الذين أساؤوا إلى منظومة الأمن العام خصوصًا في الدول العربية؟

خبير نفسي: رجال الأمن في العالم الثالث quot;مكروهينquot;
عن الدوافع التي جعلت من حامي الأمن مثيرًا له quot;نفسيًاquot; أوضح لـquot;إيلافquot; رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى القوات المسلحة في العاصمة السعودية الرياض الدكتور إبراهيم الخضير أن رجال الأمن ndash; بأطيافهم كافة ndash; في دول العالم الثالث هم مكروهون من الناس، وإجماع الناس لا يقوم على باطل على حد وصفه.

وقال الدكتور الخضير إن تجارب الناس مع رجال الأمن هي التي جعلت الناس تبغضهم، فبدلاً من أن يكون رجل الأمن حامي المواطن، أصبح مروّعاً له. وأضاف أن رجال الأمن يتناولون القضايا من ناحيةٍ شخصية، فلا يُعاملون المواطن quot;بحسب قانون يُحترمquot;، وإنما يأخذون القضية كأنما هو طرف، والمواطن الطرف الآخر.

وأشار الدكتور الخضير إلى أن رجل الأمن في بريطانيا يحلّ في المرتبة الثانية في وثوق الناس به بعد الطبيب، بينما في العالم الثالث رجل الأمن يخشاه المواطنون، وربما يكون آخر شخص يثق به المواطنون، نظراً إلى خبراتهم السيئة معه، ورأى أن ما يُعزز هذا هو عدم معاقبة رجال الأمن على ما يقومون به، معتبرًا أن بعض رجال الأمن يرتكبون جرائم بحق مواطنون أبرياء لم تتم معاقبتهم على ما قاموا به.

وعلل الدكتور الخضير خوف أفراد المجتمعات العربية من أجهزة الشرطة نتيجة الخبرات السابقة لهم مع أفراد الأمن في دول العالم الثالث، وكذلك نتيجة ما يسمعونه من الآخرين عن سوء تعامل رجال الأمن مع المواطنين، وكيف ينُكّل رجال الأمن quot;ببشاعةquot; بالمواطنين بكل بساطة من دون وجه حق ومن دون أن تكون هناك محاكمة لمن يُعذّبون من قِبل هذه الأجهزة الأمنية على حد وصفه.

وأشار إلى أن رجال الأمن ببساطة في الضمير الجمعي للمجتمع هم عبارة عن وحوش بشرية، لذلك يخشاهم الناس بشكل كبير ويكرهونهم، واعتبر الخضير الخبير النفسي أنه حال امتلاك الشعب للقدرة والقوة كما حصل في ثورة 25 يناير للشباب في مصر quot;فإنهم سينتقمون بقسوة من أفراد الأمنquot;.

واعترف الدكتور الخضير بقيام بعض المسؤولين عن الأمن كذلك بغسل أدمغة البسطاء من أفراد الأمن، وتأليبهم ضد مجتمعهم، مستشهدًا بالفيلم المصري quot;البريءquot;، الذي يجسد حكاية رجل الأمن البسيط، الذي يتم غسل دماغه ضد المواطنين المفكرين والمثقفين. واعتبر أن بعض دول العالم الثالث تسعى إلى هذا النوع من الأفراد المطلوب منهم إرهاب المجتمع. وألمح الخضير أنه في بعض الدول من العالم الثالث يتم كشف نفسي على من يلتحقون بجهاز الأمن، ولكن بالصورة السلبية التي تجعله أداة طيّعة للنظام ضد المواطنين.

الدكتور الخضير انتقد عدم إلحاق الراغبين بالعمل ضمن الجهاز الأمني بدورات أو اختبارات نفسية، وقال إن بعض دول العالم الثالث، يتم اختيار رجال الأمن الذين يتعاملون مع المواطنين من الأفراد الذين لديهم اضطرابات شخصية quot;ضد المجتمعquot;، وهو ما كان يُعرف سابقاً بالشخصية quot;السيكوباثيةquot;، وكذلك الأشخاص الجهلة الذين لا يفهمون جيداً ويتم استخدامهم في تعذيب المواطنين.

خبير أمني: جهاز الشرطة ينظم عملية الشكوى لا القتل
quot;إيلافquot; استطلعت آراء عدد من الخبراء والمتخصصين بقطاعات الأمن ومكافحة الجريمة حول هذه التساؤلات، ففي حديث خاص لـquot;إيلافquot;، أوضح رئيس سابق لقسم التحقيقات الأمنية والجنائية في المباحث العامة السعودية أن الجهاز الأمني تتعدد مسؤولياته وواجباته، فهو الرمز الأول لضبط الأمن واستتباب أمورها واستقرارها.

وأضاف اللواء، الذي قضى قرابة الأربعين عامًا في جهاز المباحث العامة السعودية، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن المشكلة لا تقع على عاتق الجهاز الأمني quot;بتاتًاquot;. وقال في نبرة غضب واضحة أن quot;المشاكل تأتي من التصرفات الفردية لمن هم مكلفين بالوجود في الميدان، ومعايشة مشاكل وطلبات المجتمعquot;.

اللواء السابق، رأى أن العملية الأمنية في مراحلها تشمل تسلسلاً مهمًا، يبدأه عنصر الأمن الميداني الذي ينفذ الأوامر التي من المستحيل أن تكون قمعًا أو قتلاً إلا في حالة المواجهة مع الآخر بسلاح أو تبين له مدى ضرره، وأشار كذلك إلى أن الأوامر التي تصدر لأفراد الأمن في مقامها الأول بعيدة عن استخدام السلاح ومواجهة كل الأمور بشكل quot;وقائي وتنظيميquot;. واعتبر أن الفرد الموجود في الميدان غالبًا ما تنتهي مهمته على حد الكشف عن هويات أو تدخل سريع لفض نزاع أو اشتباك quot;دون اعتداءquot;.

ولم يكن اللواء السعودي الذي غادر جهاز الأمن منذ بضعة أعوام متفائلاً من الأسلوب الذي ينتهجه أفراد الأمن، وخصوصًا قطاع الشرطة في مواجهة الطوارئ، حيث ألمح إلى أن quot;المشكلة هي بالأساس نفسية فقطquot;، وتدور حول الشرطي عينه، وأضاف بمقارنات عديدة مع دول غربية نستنتج كيفية تميز رجال الأمن في الميدان عنهم في الدول العربية كافة.

وذكر أن اليابان وفرنسا على سبيل المثال من الشرق والغرب تقوّم دوريًا الأداء الميداني لأفراد الأمن والشرطة نظرًا إلى اعترافهم بأن المجتمع وأفراده هم المعنيون بكل أعمالهم، وأنه من الواجب عليهم خدمتهم، حتى في المظاهرات والاحتجاجات، التي تعبّر بصورة مباشرة عن تطبيق أنظمة دستورية في نظام الدولة.

وقال اللواء السعودي إن قصور الأنظمة التطويرية عن تطبيق أية أمثلة مشابهة متفوقة سيساهم على المدى القريب في quot;قيام ثورات شعبية احتجاجية على الأمن في المرتبة الأولىquot;.

وعن حادثتي تونس ومصر على التوالي، أوضح أن القضية الأساس مدفونة في رحم الأرض، ولابد من إيقاظها حسب رأيه، وأشار إلى أن كل شعوب العالم تعترف بتقصير قطاعات عدة، وأنظمة حاكمة أيضًا في تفعيل ودعم وخدمة مجتمعاتها، لكن طريقة العلاج تكون سلمية وفي اتجاه راق، واعتبر أن جهاز الشرطة يكون داعمًا كبيرًا في تنظيم أساليب الشكوى والرفض حسب إطارها العام.

خبير: التصرفات الفردية أساءت إلى دور الكيان الأمني
أستاذ السلوك التنظيمي والباحث في علم الجريمة الدكتور خلف العنزي أوضح خلال حديثه لـquot;إيلافquot; أن الوحشية التي تصدر من بعض أفراد الأمن هي أساس تغيير النظرة العامة من المجتمع لرجال وأجهزة الأمن.

وقال العنزي إن افتقاد أفراد الأمن للسلوك التنظيمي مع المجتمع هو شرارة لاندلاع ثورات وزوال أمم، مضيفًا أن الدور المناط بأجهزة الشرطة هو فرض الأمن والوقاية من دون quot;عنجهيةquot; في التعامل المباشر مع المجتمع كافة، وعلى الأمن أن يمد جسوره لتثق أطياف مجتمعه بدوره العام المخلوقة لأجله.

الباحث في علم الجريمة فنّد أسباب لجوء بعض أفراد الأمن للعنف غير المسموح به في عملياتهم الميدانية تجاه المدنيين أو المتظاهرين وفق أنظمة بعض الدول العربية التي تسمح بذلك، وقال إن العنصر النفسي لأفراد الأجهزة الأمنية هو العنصر الأساسي، معتبرًا أن الفرد هو جزء من كيان المجتمع، ولديه تأثيراته فيه بالسلب أو الإيجاب، فهو يعيش مرارته وألمه وفرحه ونشاطه كأي فرد آخر.

وأكد أن الدور الأساس في تفهم أفراد المؤسسات الأمنية يقع على عاتق إدارات التدريب المسؤولة عن إيصال التعليم العسكري إليهم، مضيفًا أن دراسة ومعرفة الأطر النظرية والتطبيقية للنظريات النفسية المعاصرة ستعمل على تبديد دوافع السلوك الإجرامي من قبل عناصر الشرطة.

ورأى العنزي أن الدور ما بعد مراكز ومقار التدريب الأمنية يناط بالمنظمات الأمنية في إدارة السلوك التنظيمي نحو تحقيق الدعم الإيجابي للسلوك المرغوب وبناء نظم الحوافز والتدعيم الملائم، وكذلك اختيار نمط الاتصال وأسلوب القيادة الملائم لتهيئة ظروف العمل؛ لتخفيف الضغوط وجعلها عند المستوى الفعال على نحو يساهم في تحقيق أهداف المنظمة. معتبرًا أن الإحصاءات في التعامل الوحشي لأفراد الأمن في العالم العربي تتجاوز بأكثر من 16% عن نظيراتها في الدول العالمية الأخرى مجتمعة.