رغم الاتفاق الضمنيّ بين الرئيسين الفرنسيّ والأميركيّ تجاه التعامل مع الأزمة في ليبيا، فإنّ المبتغى يبدو مختلفًا، فأوباما يبدو أكثر حذرًا اليوم مقارنة بالرئيس بنيكولا ساركوزي، الذي يرمي إلى استعادة صورته على الساحة الدولية، قبل عام من انتخابات رئاسية لا يبدو وضعه مرتاحًا فيها.


برازيليا، باريس: يشارك الرئيس الأميركي باراك اوباما بحذر شديد في العملية العسكرية ضد ليبيا، رغم دفاعه عنها شكلاً ومضمونًا، لكنه يحاول أن يبدو مختلفًا عن سلفه جورج بوش، الذي انتقد قراره اجتياح العراق في ربيع العام 2003.

وقال اوباما امام مجموعة صغيرة من الصحافيين في برازيليا، حيث بدأ زيارة تستغرق خمسة ايام اعتبارا من السبت، quot;قررت اليوم السماح للقوات الاميركية البدء بتحرك عسكري محدود في ليبياquot;.

وخلافًا للتبريرات التي قدمها بوش قبل ثمانية اعوام بالضبط حول امتلاك العراق اسلحة دمار شامل لم يتم العثور عليها، يؤكد اوباما على quot;ضرورة حماية المدنيين الليبيينquot;.

كما شدد على ان الولايات المتحدة ليست وحدها في هذه الحملة. وفي العام 2003، شاركت بريطانيا في التحالف الدولي الذي اطاح بنظام الرئيس السابق صدام حسين من دون الحصول على موافقة الامم المتحدة.

وفي الواقع، فان الضربة الاولى من التحالف الجديد، الذي كشف اوباما انه يجمع بين شركائنا الاوروبين وعربquot;، جاءت من طائرة فرنسية، وليس من القوات الاميركية، بعد صدور قرار الامم المتحدة رقم 1973.

واكد الرئيس الاميركي للمرة الثانية خلال يومين ان لا اجتياح بريًا لليبيا، في حين لاتزال الخسائر البرية ماثلة في افغانستان والعراق. وقال في هذا الصدد quot;لن نقوم بنشر، اكررها، لن نقوم بنشر الجنود الاميركيين في ليبياquot;.

وسبق لاوباما ان أمر بتعزيزات للقوات الاميركية المشاركة في عملية افغانستان، بحيث تضاعفت اعدادها ثلاث مرات منذ تسلمه السلطة في كانون الثاني/يناير 2009. ويعتبر الرئيس الاميركي ما يجري هناك quot;حربًا عادلةquot;. لكنها المرة الاولى التي يمنح فيها الضوء الاخصر لعملية عسكرية واسعة النطاق.

كما اكد للأميركيين انه ايّد قرار الامم المتحدة من اجل منع الزعيم الليبي العقيد معمّر القذافي من مهاجمة شعبه، وقال ان العملية التي بدات امس السبت quot;لم تكن النتيجة التي لم ترغب فيها الولايات المتحدة او شركاؤهاquot;. وتابع الرئيس الاميركي quot;اريد ان يعلم الاميركيون ان استخدام القوة لم يكن الخيار الذي كنا نفضله. وانا بالتأكيد لم اتخذ هذا القرار بخفةquot;.

ولم يغلق اوباما في خطابه العلني الباب امام عمل عسكري رغم انتقاده للحروب quot;الغبيةquot; كما سبق وان وصف حرب العراق. واضاف quot;الا انه لا يمكننا ان نبقى مكتوفي الايدي عندما يقول طاغية لشعبه انه لن يرحمه، وعندما تقوم قواته بتكثيف هجماتها على مدن مثل بنغازي ومصراته، حيث هناك ابرياء باتوا معرضين للقتل من قبل حكومتهم نفسهاquot;.

وستكون قدرة النظام الليبي على البقاء عاملاً حاسمًا كما ستشكل امتحانًا للمبدأ الذي اعلنه اوباما الجمعة عندما صرح قائلاً quot;لن نستخدم القوة ابعد من الهدف المحدد بوضوح، وهو حماية المدنيين في ليبياquot;، اي ان تغيير النظام ليس الهدف المطلوب خلافًا لما كانت عليه حرب العراق.

من جهته، يريد نيكولا ساركوزي، الذي وقف وحده امام كاميرات العالم، ليعلن عن العملية العسكرية في ليبيا التي جرت بإيحاء من فرنسا، استعادة صورته على الساحة الدولية قبل عام من انتخابات رئاسية لا يبدو وضعه مرتاحًا فيها.
ويعوّل الرئيس الفرنسي الذي تراجعت شعبيته الى ادنى المستويات في استطلاعات الرأي على السنة الجارية 2011 لترسيخ مكانته الدولية معتمدًا على رئاسة لمجموعتي العشرين والثماني.

ويلقى التحرك الدبلوماسي العسكري الذي يقوم به الرئيس توافقًا لدى الطبقة السياسية الفرنسية التي انتقدت بشدة مطلع العام الهفوات السياسية التي ارتكبها باريس خلال ثورتي مصر وتونس.

واضطرت المعارضة الاشتراكية التي انتقدت تردد ساركوزي وحتى دعمه النظامين خلال الثورتين على زين العابدين بن علي وحسني مبارك، الى الموافقة. فقال النائب الاشتراكي جاك لانغ ان quot;سرعة وتصميم الحكومة الفرنسية التي تساندها الاسرة الدولية تثير ارتياحيquot;، ولم يتردد في الاشادة بما وصفه بانه quot;لحظة تاريخيةquot;.

وحدها زعيمة اليمين المتطرف مارتين لوبن لم توافق على العملية العسكرية الدولية. وقالت متسائلة quot;هل يرغب الفرنسيون في دخول جنودنا في حرب ضد ليبيا، بينما نحن متورطون في افغانستان؟quot;.

وحاول ساركوزي ان يضع مبادراته في اطار الثورات العربية. وقال بعد قمة دولية حول ليبيا السبت في باريس ان quot;شعوباً عربية اختارت التحرر من الخضوع الذي فرض عليها لفترة طويلةquot;. واوضح ان quot;مستقبل هذه الشعوب العربية ملكها. وسط الصعوبات وكل انواع المحن التي ستواجهها، انها بحاجة الى مساعدتنا ودعمناquot;.

وقالت الصحف الفرنسية والمراقبون ان ساركوزي يبحث عن الحراك الذي سمح له بالتقدم في النصف الثاني من 2008 عندما كان يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي.

وكان حينذاك لعب دورًا مهمًا في جهود تسوية الازمة الروسية الجورجية، ونجح مع رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون في وضع الحلول لتجنب إفلاس النظام المصرفي العالمي.

على الساحة الداخلية، يبدو ساركوزي ضعيفًا جدًا. فارتفاع البطالة والنتائج غير الاكيدة في مجال الامن والمناقشات التي لا تنتهي بشأن الهجرة والاسلام جعلته الرئيس الذي بلغت شعبيته ادنى مستويات.

وقبل حوالي عام عن الانتخابات الرئاسية في 2012 تشير استطلاعات الرأي الى تقدم المرشحين الاشتراكيين ومدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان، على ساركوزي بفارق كبير. وافادت استطلاعات ان مارين لوبن يمكن ان تتقدم عليه من الدورة الاولى.

يشار إلى أن الأزمة الليبية والخيار العسكري الذي ينطوي على مجازفة تؤمّن لساركوزي امكانية تحسين وضعه. ولكي ينعش الدبلوماسية الفرنسية اضطر في شباط/فبراير الى اللجوء الى آلان جوبيه، اقرب منافسيه المحتملين في اليمين، بدلاً من ميشال اليو ماري، التي ارتكبت هفوات واخطاء في التقدير.

ويمكن ان يلجأ اليمين الى جوبيه ورئيس الوزراء فرنسوا فيون اذا ضعف ساركوزي الى درجة لا يمكن معها ترشيحه.