قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عراقيات البسطات على أرصفة الطرق

يدفع الفقر العديد من النساء العراقيات إلى الجلوس طيلة النهار على أرض الأرصفة في محاولة لبيع البضائع التي يكدسنها أمامهن، رغم المردود القليل والتعب الجسدي والنفسي الكبير. ويعتبر خبير اقتصادي أن انتشارهن يعبّر عن عجز المجتمع عن استيعاب أفراده المتقدمين في السنّ بسبب غياب الضمان الاجتماعي.


تجهد بائعات quot;البسطاتquot; في مراكز المدن العراقية في الحصول على لقمة العيش عبر طريقة استثنائية لجهة جلوسهن المثير للدهشة طيلة النهار على الأرض، وعرضهن بضاعتهن بشكل أكداس كبيرة أمام المارة.

مهنة المرأة quot;الدلالةquot;، التي تبسط بضاعتها على الأرض، مهنة قديمة تعود إلى عقود من الزمن، مع اتساع مراكز المدن وازدهار الحركة التجارية. والدلالة في العراق غالبًا ما تتميز بعمرها المتوسط، وعباءتها السوداء، ولباقة لسانها، وقدرتها على التعامل الذكي مع الناس.

لكن الباحث الاقتصادي كريم حسن يشير إلى أن quot;الدلالاتquot; رمز من رموز الفقر في المجتمعات، وتعبير عن عجز المجتمع عن استيعاب أفراده المتقدمين في السنّ بسبب غياب الضمان الاجتماعي.

مشاريع استهلاكية

منذ العام 2003 شهد الاقتصاد العراقي، بحسب حسن، إقبال أصحاب رؤوس الأموال المحدودة علىالاستثمار في مشاريع استهلاكية تنحصر في استيراد المنتجات، لاسيما الصينية، وإغراق الأسواق بها، حيث تمثل الدكاكين والبسطات الصغيرة والدلالات النوافذ الناجحة في تصريفها.

وعلى الرغم من بلوغ أم أيمن الخامسة والستين من العمر، إلا أنها تضطر إلى الجلوس يوميًا على رصيف الشارع التجاري في كربلاء، لتبيعالمستلزمات النسائية من ملابس ومشغولات يدوية، وأدوات تجميل، إضافة إلى السجائر.

أم أمين، التي ترغب في حياة هانئة في أواخر العمر، لم تستطع تحقيق ذلك، بعدما فقدت ابنها الوحيد في المناوشات المسلحة عام 2005، وفقدت معه معيلها الوحيد.

جهدت أم أمين في الحصول على مصدر رزق ثابت من الجهات المعنية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، لكن ذلك لم يسفر عن نتيجة إيجابية، وما زال طلبها الرسمي من دون جواب.

تعترف أم أمين أن مهنة (الدلالة) لم تعد تفي بالغرض، بسبب كثرة (البسطات)، وانتشار كبير للدكاكين في مراكز المدن. وتقول: quot;دفعتني الظروف المالية السيئة إلى العمل كدلالة،بغية سد حاجتي، فأنا امرأة طموحة، وأسعى إلى الاستقلال المهني والأسري، بعيدًا عن تدخلات الأقرباءquot;.

ويؤدي انحسار فرص العمل، في القطاعات الزراعية والتجارية في العراق، إلى تحول الكثير من العراقيين إلى مستهلكين وأصحاب مشاريع ليست إنتاجية.

وتضيف أم أمين: quot;كانت الحياكة والخياطة، والعمل في البساتين، من أهم المهن الإنتاجية للمرأة غير المتعلمة في العقود السابقة. أما اليوم فإن فعاليتها تنحصر في البيت، وإذا فكرت بمشروع تجاري، فليس أمامها سوى (البسطة) أو الدكانquot;.

عمل اضطراري

وفي الوقت الذي تقضي الحاجة أم حسين النهار كاملاً في الجلوس أمام (بسطتها) في علاوي الحلة في بغداد، لبيع الملابس وعلب المشروبات الغازية، فإن ولديها يعملان في البناء، وكل ذلك لا يكفي لتغطية تكاليف الحياة اليومية، وإيجار المنزل، الذي تبلغ تكلفته مائتي دولاراً في الشهر.

ويشير المهندس في بلدية النجف حسين صبري إلى أن منظر (البسطات) والدلالات أمام الدكاكين أصبح من أبرز المظاهر المحبطة للآمال في حياة مدن العراق، لاسيما وأنغالبيتها عبارة عن سوق سوداء للكثير من المواد الممنوعة، مثل الأدوية.

ويتابع: quot;السرّ في انتشار تلك البسطات أمام الدكاكين، يكمن في أن صاحب الدكان يأجّر الرصيف أمام دكانه لصاحب البسطةquot;.

تقول أم هاشم إنها تعرض بضاعتها أمام دكان لبيع الكماليات منذ حوالى الثلاث سنوات، حيث تدفع لصاحب المحل مبلغًا شهريًا.

رفضت أم هاشم تحديد المبلغ المعطى، لكن باعة متجولين يخمنون المبلغ بنحو مائتي دولار أميركي في الشهر.

احتلال الأرصفة

التجول في مدن العراق، يبرز الاختفاء الكامل لأرصفة المدن، حيث احتلها أصحاب الدكاكين، الذين يتمددون في عرض بضاعتهم إلى نهاية الأرصفة، ليحتلوها بالكامل مع أصحاب البسطات والدلالات.

لا تقتصر مهنة الدلالة على البيع، فعندها تلتقي الكثير من النساء والرجال، يستعرضون أفكارهم ومشاكلهم. وفي بعض الأحيان، تكون الدلالة طرفًا مهمًا في إتمام صفقات الزواج أو الترويج لمصلحة معينة، أو إرشاد الناس إلى قارئي الفنجان، والسحرة، وكل تلك عبارة عن فعاليات (خدمة) لها ثمنها.

كما تعاني الدلالة شأنها شأن المرأة العاملة النظرة الدونية لها في بعض الأحيان، بل إن بعضهن يتعرّض إلى تحرشات جنسية من قبل رجال يتعاملون بفوقية معهن.

وفي فترة الحصار الاقتصادي على العراق قبل العام 2003، كان منظر الدلالات العراقيات في شوارع عمّان ودمشق، من أبرز الظواهر العراقية في تلك المدن.

كما تبرز الظاهرة جلية في المناطق الشعبية والمراكز التجارية القديمة والأسواق الشعبية في مدن العراق المختلفة. وفي سوق مريدي في بغداد لا يسع للمرء التجول بحرية وسط زحام البسطات وعروض الدلالات.

تبيع أم علاء إلى جانب ابنتها، وهي تفترش الأرض في سوق مدينة الشعب في بغداد، الملابس والسجائر وأعواد البخور وأمشطة الشعر والمراهم والزيوت الطبية. كما تختص أم علاء أيضًا بإعداد التعاويذ لدرء الحسد، إضافة إلى قراءتها للطالع.

وبحسب البائع سعيد حسن، الذي يعرض بضاعته إلى جانب أم علاء، فإن هذه المرأة لها نشاطات اجتماعية وتجارية متعددة، تقوم بها طوال اليوم. وتستطيع أن تقدم لك أي خدمة تخطر على بالك بسبب علاقاتها المتشعبة.

ويتابع حسن: quot;البسطة جزء يسير من فعالياتها اليومية، ويمكن لها أن تزودك بالأوراق الرسمية المزورة، والوثائق الدراسية، وهويات الأحوال المدنيةquot;.

لكن الحاجة أم كامل تؤكد أنغالبية الدلالات يعملن تحت ضغوط الفقر والحاجة، حيث إنمعظمهن يتركن بيوتهن وأطفالهن طوال النهار بغية الحصول على لقمة العيش.

وينفي الباحث الاقتصادي قتيبة حسن الأرباح الكبيرة للدلالات من جراء عملهن اليومي في السوق، حيث إن بحوثًا أعدّتأفادت أنغالبيتهن لا يستطعن الصمود لفترة طويلة في هذه الأعمال، كما إنغالبيتهنمهددات بانقطاع أرزاقهن في أي لحظة.

ظاهرة اقتصادية سلبية

يرى حسن أن انتشار ظاهرة الدلالات والبسطات بات علامة فارقة في الحركة اليومية للمدينة، وهي ظاهرة اقتصادية سلبية، يجب النظر بجدية إلى معالجتها والقضاء عليها من دون أن تتسبب بفقدان أصحاب تلك البسطات، لا سيما النساء، لمصدر رزقهن.

وتبيع أم حسام، وقد جلس إلى جانبها ابنها في مدينة الكاظمية في بغداد، السجائر والعلكة وملابس الأطفال الصينية، وتفترش الأرض محاولة بكل جدية جلب انتباه الزبائن.

وتوضح أم حسام أن الدخل اليومي لها لا يتجاوز العشرة آلاف دينار عراقي في اليوم، لا سيما وأن الإقبال على الشراء ضعيف جدًا، بسبب انتشار البسطات بشكل كبير، إضافة إلى ازدحامغالبية المناطق بالدكاكين... ورغم أن الجلوس طوال النهار على رصيف الشارع يسبب إرهاقًا نفسيًا وألمًا جسديًا لها،إلا أن الحاجة المادية تفرض عليها ذلك، رغم المردود المادي القليل.

وفي وقت تقلّ فيه المشاريع الصناعية والتجارية، التي تستقطب الأيدي العاملة، وفي ظل زيادة رواتب الموظفين، يلجأ الكثير من المواطنين إلى توظيف ما بحوزتهم من أموال في مشاريع استهلاكية، وليست إنتاجية، مثل الدكاكين والمطاعم، مع مؤشرات تدل على نمو اقتصادي بطيء في السوق العراقية بعد سنوات من الركود.