الثوار السوريون ينقلون الأسلحة عبر الحدود مع تركيا

تحولت أنطاكيا التركية من مدينة سياحية إلى ملجأ للثوار السوريين ومكان آمن لمعالجة الجرحى وإدخال الأسلحة إلى سوريا. أصبحت هذه المدينة مغناطيساً يجذب الجهاديين الذين يتدّفقون إلى الداخل السوري للمشاركة في الجهاد.


بيروت: بعد أن كانت وجهة السياح الذين يتدفقون سنوياً لقضاء العطلة الصيفية بين أشجار الزيتون والتمتع بمنظر الأنهار والطبيعة الخلابة، تشهد مدينة أنطاكيا في الآونة الأخيرة موجة من القادمين الجدد: السوريين، وخاصة المقاتلين المتمرسين.
ليس من غير المألوف رؤية الأعداد الكبيرة من الجنود المتمردين الذين يعرجون حول البلدة على عكازين، في حين تحولت الشقق إلى عيادات ميدانية مكتظة بالمصابين بأعيرة نارية.

تصرّ أجهزة الأمن التركية على أنها تقوم بدوريات مشددة على طول الحدود (550 كيلومترا). لكن الإمدادات الطبية، والمعدات والمقاتلين ترشح عبر الحدود كل ليلة، ما يجعل من مدينة أنطاكيا القاعدة الأهم للثورة السورية المتنامية.
في هذا السياق، نقلت صحيفة الـ quot;نيويورك تايمزquot; عن أحمد دبيسي، صيدلي سوري وناشط في صفوف المعارضة، قوله إن quot;الشرطة التركية تراقب الحدود، لكن بعيون مغلقةquot;، مشيراً إلى أنه يحاول صنع الأقنعة الواقية من الغاز بواسطة علب كوكاكولا وكرات القطن، في حال قررت حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، أن تطلق العنان للأسلحة الكيميائية.

تتأجج الحرب الأهلية في سوريا بشكل مستمر لتتحول الى صداع بالنسبة إلى الأمن القومي في تركيا. وإضافة إلى الضغط الذي تسببه استضافة أكثر من 40 ألف لاجئ ndash; والتي يقول مسؤولون أتراك إنه كان تحت السيطرة لكنه أصبح الآن quot;سبباً للمتاعبquot;ndash; فقد سقطت منطقة حدودية أخرى في أيدي مجموعة على صلة بتنظيم القاعدة، وقد شوهد نحو عشرة من المقاتلين الليبيين مؤخراً يتجولون بلحاهم وحقائبهم السوداء يتسكّعون في المستشفى الرئيس في أنطاكيا، بانتظارquot;إخوتهمquot; الجرحى.

واعتبرت الصحيفة أن أنطاكيا أصبحت نقطة جذب للجهاديين الاجانب الذين يتدفقون الى تركيا لخوض حرب مقدسة في سوريا. وقال سائق شاحنة تركي وهويمر عبر منطقة باب الهوا الحدودية، إنه شاهد مساء يوم الاربعاء أربعة مقاتلين أجانب يحملون البنادق، مشيراً إلى أنهم من باكستان وأفغانستان أو الشيشان ربما.
تمت السيطرة على منطقة حدودية أخرى داخل سوريا، من قبل الميليشيات الكردية، الأمر الذي ترك الأتراك يشعرون بقلق عميق من أن الانهيار السريع لحكومة الأسد قد يؤدي إلى إعادة تنشيط الميليشيات الكردية في تركيا.

وقال رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان، عندما سئل قبل بضعة أيام ما اذا كانت تركيا ستضرب داخل سوريا في حال استخدم الأكراد سوريا كقاعدة قتال: quot;هذا ليس حتى موضوع نقاش، بل هو معطىquot;.
تركيا حريصة على أن تكون لاعباً عالمياً، فاقتصادها مزدهر، ويتجلى بشكل واضح في المجمعات السكنية الجديدة مع الصحون اللاقطة التي تلمع أكثر من حقول الذرة. وغامر الأتراك في الآونة الأخيرة في الصومال، حيث يحاولون إيجاد موطئ قدم للنفوذ التركي والتجارة في جميع أنحاء أفريقيا.

ملحم المصرينقيب سابق في الجيش السوري

لكن باب الصراع المقبل لا يقدم إجابات سهلة، فالحكومة التركية حاولت أن تتصرف بلطف مع الأسد في البداية وطلبت منه تنفيذ الإصلاحات. وعندما رفض، فتحت ابوابها للجيش السوري الحر الذي تعمل قادته من داخل الخيام في معسكر يخضع لحراسة مشددة داخل تركيا بالقرب من الحدود.
يحاول الأتراك توجيه الأحداث في سوريا بدقة، ويحثون المعارضة على توحيد صفوفها، واستضافة عدة اجتماعات رفيعة المستوى مع قادة الثوار ومساعدة المقاتلين للحصول على الأسلحة، لكنهم يخشون من الانجرار في مجريات الثورة بشكل أعمق.

quot;الشعب التركي لا يريد التدخلquot;، يقول إل ترتوران، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيلجي في اسطنبول، مشيراً إلى أن المجتمع التركي ينعم بثمار الازدهار الاقتصادي، ولا يريدون أن يتم تدميره بسبب quot;المشاركة الخارجيةquot;.
في أنطاكيا، يعلو صوت التذمر على كلا الجانبين. هذه المدينة وجهة سياحية معروفة بآثارها، والكنائس القديمة والمتحف الذي يحوي أرقى مجموعة من الفسيفساء الرومانية والبيزنطية في أي مكان في العالم. وتتمتع المدينة بالأراضي الزراعية الخصبة، التي تنتج الكرز والزيتون والبطيخ الحلو.

كانت الحافلات السياحية تجوب على طول نهر العاصي للدخول إلى انطاكيا. لكن منذ بدء الصراع في سوريا، أغلقت الحدود جزئياً، فاختفت هذه الحافلات الى حد كبير.
في مطعم دمشق الذي يشكل quot;استراحة مقاتلquot; للسوريين بالقرب من المستشفى الرئيس في أنطاكيا، يجلس العديد من الرجال، ليسردوا تجاربهم في المستشفى، إذ يتحدث أحدهم عن أن الأطباء أجروا له فحصاً للأشعة السينية لظهره وبعد ذلك أخرجوه quot;بوقاحةquot; من المستشفى.

quot;لقد مر 20 يوماً، 20 يوماً، ولم أعرف شيئاً عن نتائج الفحوصات. لدينا تعبير شهير في سوريا: إما أن تستضيفني بشكل صحيح، أو لا تستضيفني على الاطلاقquot;.
وأشارت الـ quot;نيويورك تايمزquot; إلى أن سوريا وتركيا متناقضتان في الكثير من الأشياء: تركيا ديمقراطية وتتمتع بالوطنية العالية،وهي في طريقها نحو المزيد من التطور. أما سوريا، فهي دولة سلطوية وتعاني الانقسام العميق وتغرق في حرب أهلية فوضوية.

عندما يُسأل الثوار في سوريا عن سبب انشقاقهم وانضمامهم إلى صفوف المقاتلين ضد الأسد، تبدأ إجابتهم دائماً بكلمة واحدة: quot;أطفالquot;.
quot;إن الحكومة تذبح الأطفالquot;، يقول ملحم المصري، وهو نقيب سابق في الجيش السوري الذي فر قبل بضعة أشهر. وقال انه كان يخطط للهرب لمدة أسابيع، وتحدث إلى ابن عمه في الجيش السوري الحر عبر الهاتف المحمول، وبعد ذلك خرج من ثكنته في صباح أحد الأيام، وهو يرتدي الزي العسكري الكامل، وتسلل إلى سيارة (هيونداي) سوداء اللون مع عدد من المنشقين وانضم للثوار.

ويقول نبيل العموري، أحد رفاق المصري في الجيش السوري، إن quot;هناك العديد من الضباط الذين يريدون الإنشقاق، لكنهم يشعرون بالقلق من أن يتعرضوا للقصاص والانتقامquot;، مضيفاً أن quot;هؤلاء الرجال قتلوا مدنيين، وانهم يخشون الآن من عائلاتهمquot;.