منذ أن سقط نظام البعث القومي في العراق في التاسع من نيسان عام 2003 و تغيير إدارة دفة الصراع السلطوي الداخلي، كان القوميون العرب في العراق أو المؤمنين بالمشروع القومي العربي يصنفون ضمن خانة المشكوك بولائهم و يعتبرون إرهابيين ولو لم يمارسوا الإرهاب أو يدعون إليه؟ فالخلط بين الفكرة القومية و الممارسات السلطوية البعثية قد عمقت في الضمير الجمعي لبسطاء العراق صورة مشوهة بالكامل لأهل الفكر القومي رغم أنهم في الحصيلة العامة أحد أهم و أول ضحايا القمع الإستئصالي في عراق البعث، فالقوميون في العراق و تحديدا منذ إنقلاب البعث عام 1968 كانوا هدفا للتصفية و الملاحقة وحتى الإبادة المنهجية و المنظمة! و الضيوف الأوائل للمعتقل التعذيبي البعثي الرهيب ( قصر النهاية ) كانوا من القوميين العرب الذين تعرض قادتهم ورموزهم للقتل و التعذيب و التنكيل و أعتقد أن الوثيقة أو الشهادة التاريخية التي نشرها أحد أبرز رموز الفكر القومي العربي في العراق السيد أحمد الحبوبي في كتيب ( ليلة الهرير في قصر النهاية ) هي دليل دامغ على بريرية أهل حزب البعث ضد القوميين، كان هذا من الناحية التاريخية الصرفة، أما حديث و مفاجآت المتغيرات في العراق الحالي الذي أريد له أن تسير أموره وفق نظام طائفي وبأسلوب محاصصة طائفية كريهة هي المقدمة الموضوعية لمشروع التقسيم المنتصب كخارطة طريق مرعبة لمستقبل العراق، فقد إكتملت حلقات المفاجآن و الإنقلابات الفكرية مع تحركات رئيس المجلس الأعلى الإسلامي السيد عمار الحكيم الذي أظهر قدرة متميزة و ملفتة للنظر على المناورة وعلى البروز بخطاب وطني عراقي جديد بطيح في الأساس بكل الأفكار و التصورات الطائفية المعروفة عن المجلس الأعلى بإعتباره مؤسسة سياسية إيرانية التأسيس و الولاء و الإستخدام كما نعرف جميعا بحكم الخبرة و المعايشة، و التصريحات الأخيرة للسيد عمار الحكيم و التي أطلقها في القاهرة بعد لقاءاته مع الرئيس المصري حسني مبارك و أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى ثم لقائه بشيخ الأزهر الدكتورأحمد الطيب هي بمثابة تحول فكري و سياسي جديد بالمرة يكاد يصل لدرجة الإنقلاب السياسي و المفاهيمي، فتأكيد السيد عمار على عروبة الشعب العراقي وحتى على عروبة المذهب الشيعي ( وهي حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل ) تمكنت التيارات الصفوية من تشويهها هو حدث مركزي يؤكد على الحيوية السياسية للسيد عمار الحكيم الذي باتت شخصيته السياسية وملامحها الفكرية العامة تتشكل يشكل مستقل بعيدة كل البعد عن أفكار الماضي القريب و ممارساته و تحالفاته، فبعض المتشككين يعتبرون تحركات السيد عمار مجرد تكتيكات مؤقتة تستخدم في الصراع ضد حزب الدعوة و شركاه و نوري المالكي وجماعته وضد أيضا بعض الصقور في مؤسسة المجلس الأعلى وخصوصا أولئك المرتبطين بالمرجعية الإيرانية و قيادة الحرس الثوري وخصوصا قادة فيلق بدر الذين إلتزموا جانب الصمت و إن كانت ممارسات قائدهم هادي العامري قد وصلت حدا إنشقاقيا بوقوفه ضد توجه قيادة السيد عمار الحكيم بشأن التفاهم مع نوري المالكي! بالضد من إرادة السيد عمار الحازمة و الحاسمة في رفض تعبيد الطريق لولاية جديدة للمالكي، رغم أن التوجهات الإيرانية الرسمية و السرية واضحة في دعم المالكي ورفض تلك التوجهات التي هي في النهاية تعبير عن رأي ( الولي الإيراني الفقيه ) بإعتباره ولي أمر المسلمين!!

لها تبعاتها و نتائجها وهو ما توقعناه في مقال سابق قلنا فيه بأن السيد عمار الحكيم بات اليوم مستهدفا أكثر من أي وقت مضى لأنه خرج عن السيناريو الإيراني بشكل واضح لا لبس فيه و بطريقة منهجية مؤطرة لا علاقة لها بالتكتيك أو ب( التقية )، فعمار الحكيم يمتلك من شجاعة المواجهة في إعلان الرأي مالا يحتاج معه أبدا لأي نوع من أنواع التكتيك، عمار اليوم هو فعلا قيادة وطنية و شيعية شابة من نوع مختلف لربما صقلته الأحداث الجسام التي عاشها العراق في سنواته العجاف الأخيرة و أفرزت وجوها قيادية تحول بعضها لكارثة و مصيبة متنقلة كما هو حال مقتدى الصدر مثلا الذي يمثل ظاهرة مؤسفة فعلا في تاريخ شيعة العراق! و ثمة فروق هائلة بين شخصيتي عمار الحكيم الكارزمية المثقفة الهادئة و المعبرة عن ملامح أمل بتطور مشروع وطني وديني عراقي ينحو منحى إنساني و حضاري و معتدل، وبين شخصية رعناء جاهلة و عدوانية تبشر بطروحات غيبية مثيرة للسخرية و يمارس أتباعه كل أشكال الفوضى بعد أن تحول لرهينة و أسير في ( قم ) يحركه الحرس الثوري بالريموت كونترول و تبشر طروحاته وحتى ملامحه بالأزمة القائمة و المستمرة!!

عمار الحكيم اليوم هو المشروع الأمل في التغيير نحو الأفضل و طروحاته الفكرية التي إقترنت بممارسات ميدانية قد تعيد صياغة المشهد السياسي في العراق بشكل جذري، و إهتمامه بهوية العراق القومية ستبعد رياح الشك و المخاوف و الظنون عن مستقبل العملية السياسية في العراق من خلال اللجوء للحضن العربي و التفاهم على القواسم المشتركة بعيدا عن لغة الدماء و ألأحقاد و الخرافات التاريخية.. عمار الحكيم اليوم يحتاج لوقفة مساندة شعبية لأن الثعابين المتربصة به مستعدة لبث سمومها وهي كثيرة للغاية و من السهل رصدها، وإستهداف الحكيم بات اليوم حقيقة ستراتيجية لا تقبل التأويل و لا المناورة، نتمنى فعلا على السيد عمار الحكيم الإستمرار في منهجه العقلاني و الإنفتاحي و الخروج من الشرنقة الطائفية الضيقة للحضن الوطني و حتى القومي ألأوسع، فهو يمتلك فعلا مواصفات قيادية و شخصية تتناسب والمرحلة المقبلة، وحفظ الله المخلصين من كل مكروه.. و مع ذلك فإن قتل الفرحة و ألأمل في نفوس العراقيين يظل هو هدف الأطراف التي نعلم و تعلمون و التي يعرفها السيد عمار الحكيم أكثر منا بكل تأكيد، بارك الله في كل خطوة إنفتاحية تعيد البسمة و العزة و الكرامة لشعب العراق العربي المسلم العزيز، أما مشاريع الفتنة و دعاة الموت و التخريب فأولئك مأواهم مزبلة التاريخ و لعنة الله و العالمين.. فإنتبه يا سيد عمار الحكيم لأنك تجاوزت كل خطوط الخبثاء الحمراء... وكان الله في العون..

[email protected]