بغداد غريبة على جدرانها، هناك علاقة استلاب بين العاصمة بغداد وجدرانها، هذه الجدران لا تحمي بغداد، بل تدمر بغداد، تدمرها سياسيا... جماليا.... اجتماعيا... وروحيا... جدران بغداد ذات هويات مخيفة، ليس هناك ما يدعو الى الفرح في هذه الجدران... جدران بغداد تذكرنا بما كتبه الادباء الفرنسيون عن جدران الباستيل، تذكرنا ما كتبه (سولجنستن) عن الاستالينية، ما كتبه الادباء العراقيون عن زنازين الامن العامة، ليس فيها ما يدعو الى الاطمئنان... الفرح... البهجة... جدران بغداد لا تحمي بغداد، بل تحمي الشعارات الملصقة عليها، تحمي صور المرشحين... الخطباء... الزعماء... لا تحمي أطفال بغداد بكل مناطقها واحيائها على قدر من الايمان بحق الحياة لكل طفل بغدادي، وإ نما تحمي القابعين ورائها خوفا من النظير الموازي، أو المحاذي، او القريب على أي شاكلة يكون هذا القرب، المهم إن هذه الجدران تحمي اسما معينا، عنوانا مشخصا، ينتمي إلى تاريخ معين، زمن محدد، قبل أن ينتمي للعراق بما هو عراق!
بغداد ساحة لجدران مصطنعة، كثيرة هي الجدران المصطنعة في بغداد، ربما ضرورية ولكنها مصطنعة في التحليل الأخير، فبغداد لم تشهد طوال عمرها المديد حربا أهلية، حتى حرب الامين والمأمون لم تكن حربا أهلية بالمعنى السياسي المعروف، ولكن هذه الجدران تحذر من حرب اهلية ربما تقع، بدليل إنها جدران فاصلة على امتداد (الحدود!) الفاصلة، بل العازلة بين منطقة وأخرى، هناك جدران المسؤولين، حتى داخل المنطقة الخضراء، هذه الجدران تحولت من جدران حماية إلى جدران عزل، عزل روحي بين المسؤول والناس، ليس هناك أي تماس بين المسؤول والمواطن، اقصد المسؤول الكبير، المسؤول الكبير أحاط نفسه بجدران، جدران كونكريتية، عالية، شامخة، مخيفة، مهيبة، تارة جدران ا سمنتية، وأخرى جدران بشرية، هذه هي سيارة المسؤول الكبير، تخترق شارع الكرادة الشرقية، قبلها عشرات السيارات، بعدها عشرات السيارات... أصوات... تحذير... فوهات البنادق تطل براسها النووي من نوافذ السيارات المصفّحة، هناك جدران الدوائر، لحمايتها من الاختراقات، جدران هي الاخرى مرعبة، شعار الوطن للجميع منقوش على هذه الجدران، شعار لا للطائفية منقوش في اعلى الجدار، يترسّخ في عفونة الذكريات التي بدأت تتحرك بسبب الشعار ذاته...
مدارس الأطفال بلا جدران...!


مساجد مجدّرة...
فهل هي قا درة حقا على حماية أ رواحنا من القذارة الدنيوية؟
الخوف الذي تبعثه هذه الجدران التي تحيط بمساجد السنة والشيعة يحول دون تسلل السلام الروحي الى داخلنا، فالموت يتربص بي من خارج المسجد، فأنا قلق روحيا، قلبي خارج المسجد، فما قيمة هذه الخطبة الروحية التي يلقيها خطيب الجمعة بهذه الحماسة المفرطة؟ أ نها حماسة كاذبة، فهو خائف مثلي، ربما يقتحمه مسلح مؤمن فيقتله ويقتل المصلين، وربما لا تسلم من شظايا القنبلة المختفية تحت ثيابه حتى القحاب وهن يمارسن عملهن المقدس على بعد خطوات من المسجد الذي دنّسه دم الشهيد!! ولست أدري من هو الشهيد هنا، القاتل أم المقتول، الخطيب أم المصلين أم صاحب الجسم المفغخ!
جدار يلف جدار، تلك هي جدران المسؤولين في المنطقة الخضراء... جدار يتصل بجدار، تلك هي جدران المستشفيات والدوائر ومراكز الشرطة وثكنات الجيش،... جدار ينتقم من جدار، وربما يضحك من جدار، تلك هي الجدران التي خلقت لنا مناطق، كل منطقة بمثابة (جوستاف) يحمل أسما يختلط به العنوان بالمعنون...
هذه الجدران مزيج من الواقع والوهم، مزيج من الماضي والحاضر، مزيج من الخوف والفرح، غريبة هي جدران بغداد، شيِّدت لتهديمها لا لحمايتها، نقرا على هذه الجدران (القانون فوق الجميع)، أي قانون هو فوق الجميع سوى قانون الديكتتاورية والشوفينية والفاششتية والاستالينية؟ نقرا على هذه الجدران (الجيش العراقي نور لمن يهدتي ونار لمن يعتدي)، وأي جيش هو نار لـ (من ْ) يعتدي سوى الجيش العاق لشعبه، القاهر لعباد الله؟ ونقرا على هذه الجدران (لا طائفية بعد اليوم)، وأي طائفية إذن كانت قبل اليوم، وكم كانت ضراوتها وشراستها؟ ونقرا على هذه الجدران (التفتيش يشمل الجميع بامر رئيس الوزراء)، ترى هل استطاعت هذه الجدران أن (تخربش) على فهمنا حتى حدود ومسميات وواجبات الوظائف الادرا ية؟ كم هي قاسية هذه الجدران إ ذن، نقرا على هذه الجدران التعازي، وا لشعارات الثارية، وأمجاد الماضي، وأوهام التاريخ...
ولكنننا لم نقرأ العراق...
صور المرشحين، صور المسؤولين الكبار، صور رجال الدين المقززة تنتشر على جدران بغداد البائسة، مما زادها بؤسا وتعاسة وانكسارا...
لا وجود لصور اطفالنا على جدران بغداد...
الموت يسربل جدران بغداد...
أين أمانة عاصمة بغداد؟
أين ما يُسمى (بلدية) محافظة بغداد؟
ولكن هل هناك من قرا لغة المدينة في أمانة بغداد أو بلدية بغداد؟
أشك بذلك
فالمدينة مفهوم اكبر...
لا يعرفون المدينة...
ربما يحتجون (أن ا لله خلق القرية والانسان خلق المدينة)!
لانهم متدينون..
وأنا أقول : أن ما خلقه الا نسان أعظم (معنويا) مما خلقه الله في كثير من الاحيان...
والرب هو الذي يقول ذلك.
احموا بغداد من جدرانها...