في غالبية الاحيان يتم التعرف على الافكار المختلفة لفهمها من خلال توافقها و تطابقها مع مفاهيمنا الشخصية -فمثلاً- عند التعرف على وجه ما و معرفة درجة صلته بنا، يتم ذلك عبر المنطقة اللحائية للدماغ لتقديم هوية الشخص المعني، بينما تقوم منطقة اخرى في الدماغ باستخراج معلومات القرابة او الصلة، و يتم ذلك عبر عمل مشترك للمنطقتين من خلال الالياف اللحائية التي تمد و تغذي التدفق الواعي للمعطيات.


من هنا نستطيع ان نقول ان استيعابنا او ادراكنا للامور الخارجية المرسلة من الذوات الاخرى، عبارة عن quot;انواتquot; صدامية او متوافقة فيما بينها، فإذا تمعنا قليلاً في تداول quot;الاناquot; الشخصي للنصوص و الكلمات و العبارات، نراها ترتكز و بالتحديد على القاعدة البيولوجية اولاً، و من ثم على المعلومات و التجارب المخزنة في ذاكرتنا الطويلة، و التي تعكس اختلاف كل منا.

اذاً نستطيع القول ان فهمنا و تعاطينا مع الامور يتم من خلال quot;الاناquot; المركبة و التي لا تخلو من الخيال، فلا يمكننا ان ندعي بموضوعية الامور بنسبة كاملة، انما ما يمكننا عمله هو محاولة تداول اي فكر او مفهموم خارجي او غريب عن الاسس البنيوية للادراك الانوي من خلال تحجيم quot;الاناquot; الفردية للسعي وراء المعرفة و الاكتشاف.


بالطبع يختلف النموذج الانوي حسب الثقافات و المجتمعات، و هذا ما لقبه الانتربولوجيون بquot; النموذج الثقافيquot;، فقد لوحظ ان الافراد الذين يتداولون نصوصاً مختلفة عن ثقافاتهم، يصعب عليهم فهمها، فيضطرون للجوء الى بناء النص من جديد، كي يقوموا بإعطائه مفاهيماً مختلفة عنه ليتناسب مع مفهومهم الثقافي، او في بعض الاحيان يقومون برفضه و رميه و ذلك لصعوبة تداولهم معه.

بناءً عليه، اعتقد الاختصاصي بعلم النفس quot;فريدريك بارتيليتquot; بوجود مخططات مختلفة في دماغ الانسان، هذا المخطط يتشكل من خلال الغرائز، و التي تلعب الدور الريادي، ليأتي بعدها عامل المثل و الاخلاق الاجتماعية المختلفة بين مجتمع و آخر، و لا ننسى ايضاً دور المصالح التي تلعب دوراً هاماً في تشكيل هذا النموذج الثقافي على حد تعبير الانتربولوجيين.


اخترت هذه المقدمة محاولة مني شرح بعض آليات التجاوب و التعاطي عند الافراد لما هو مختلف عن تفكيرهم، سعياً لتفسير حالة عدم الاصغاء، او عدم فهم ما يريد الاخر إرساله.

شخصياً، اعتقد ان الامر مرتبط بحالة انوية، فعند تخلينا نوعاً ما عن quot;الاناquot; الساعية دوماً لتأكيد نفسها، و عند تعلمنا ان quot;الاناquot; المختلفة ليست بالضرورة حالة الغاء لشخصنا، بل يمكنها ان تكون مكملة، كي نستطيع ملء الفراغات الواسعة علنا يوماً ما نستطيع التوصل الى ادراك اكبر و تجانس مع quot;الاناquot; الاخرى ليتم بعدها التناغم مع كافة الاجناس الحية و مع الطبيعة نفسها، و ربما نستطيع بعدها التصالح مع غريزة الموت لمعانقة الحرية و العودة الى المادة اللاحية حيث الراحة، و انعدام الوعي، و الكف عن الصراع الوجودي، و من اجل التصالح معه، ارى انه من الافضل ان نبحث عن الانتصار على الالم، فالموت يمثل لنا الخوف و القلق من الالم و الفناء، و هدفنا ليس الانتصار على الموت بل الحياة و الموت من دون الم، لهذا اجد ان المحاولات الهادفة لتقليل مبدأ الهيمنة، و الخروج من دائرة الصراع المدعومة من quot;الاناquot; تصب في مبدأ الحرية نفسها.


ربما يكون لكلماتي صدى مختلف عما اريد ان اعبر عنه، الا انني اؤمن بجميع المحاولات الفردية دون الوقوع في فخ الصواب، فنحن جميعاً ننتفس من هذه الذات، و نعارك لاثبات quot;الاناquot; سعياً منا الى تحسين الحالة اليومية و التي تغذي حالة الهيمنة على الآخر، انه مبدأ الواقع المتعارض مع غرائزنا و الداعم لتأجيل مبدأ اللذة من اجل التصعيد الحضاري.

لكن علينا طرح السؤال التالي، الا يصب التصعيد بشكل او بآخر في خانة quot;الاناquot;، ليعززها و ليحرفها عن جميع الابعاد التاريخية و الغريزية؟ اي بمعنى اخر، اعتقد ان التسامي و التصعيد من دون وعي للامور الخارجية لا يمكنه الا ان يؤجج حالة انحصار في الرؤى و المفاهيم. الم تأتينا الاساطير، و الاديان، و الايدلوجيات من اجل التصعيد بشكل لاواعي لدى الافراد و المجتمعات حتى اصبحنا قطيعاً لا يفقه معنى التجارب المختبئة وراء العبارات و الكلمات؟

اذا دققنا النظر اكثر، نجد ان جميع المنغلقين على مفاهيمهم و ثقافاتهم، (هنا اعني الثقافة بشكل شامل)، يعانون من فهم الافكار المطروحة المختلفة عنهم، و الانجراف وراء كلمات براقة لا يعوها و لا يشعروها، لهذا نرى الانفصام ما بين سلوكياتهم و اقوالهم.

نعم، جميعنا نقع في فخ quot;الاناquot; العارفة لكل شيئ، الا اننا و بفضل وعينا المتراكم و محاولاتنا الجدية لاستقبال الافكار، نستطيع ان نحجم هذه quot;الاناquot;، و بتحجميها يمكننا الانطلاق عبر مسافات شاسعة لادراك الاخر، و عند اختراق الجدار الفاصل بين quot;الانواتquot; نستطيع امتصاص الذوات الاخرى لاكتساب ادراك اوسع.


ما يتوجب عمله اليوم، هو نبش جميع التجارب الفردية، و الجماعية، و القيام بعملية تصالح ما بين مبدأ الواقع مع مبدأ اللذة و الغرائز، و هذا لا يتم الا بعد السفر و التجوال في الماضي، و الادراك ان الصواب متواجد في كل فرضية، و في كل تجربة انسانية، انه مفهوم التكامل و ليس الالغاء.


قبل ان انهي مقالي، اود لفت الانتباه الى تضخيم quot;الاناquot; المتواجد عند جميع الافراد و المجتمعات، الا اننا نلمسه بشكل واضح في مجتمعاتنا، حيث نرى ظاهرة الاستخفاف بالآخر و بمحاولاته الجدية الهادفة على الاقل للتعبير عن ذات فردية، او ليس من الاجدر بنا الابتعاد عن حالة تقييم الافراد؟ من الجميل تبني هذا القول كلامياً، الا انه من الامتع ان نتبناه فعلياً.

من السهل جداً الوقوع في فخ quot;الاناquot; و الركض وراء طعن الافكار التي لا تلائم مسارنا، و هنا علينا الحذر و الابتعاد عن هذا الفخ، و الاقتناع ان المعرفة لا تأتي الا بعد توسيع ادراكنا و الحد من رغباتنا الذاتية الصغيرة.