لم يكن اليمين الإسرائيلي في أيّ يوم معنياً ب quot;كيف تبدو صورته أمام العالمquot;. فهو من الغرور والعنجهية والغطرسة، بحيث لا يأبه لشيء، خارج تصوراته هو عن نفسه.
ولعلّ هذا من حسن حظنا كضحايا، وحسن حظ كل الأحرار والشرفاء المتعاطفين معنا في العالم. فمهما طالت معاناتنا ومعاناتهم، ومهما دفعنا من أثمان باهظة، لإزاحة هذا الظلم التاريخي عن كواهلنا، فإنّ هذا اليمين يُقصّر المسافة نوعاً ما، رغم كل المُحبطات.
وما ارتكابه لهذه المجزرة المروّعة، بحق قوى المجتمع المدني العالمي، في عرض المياه الدولية، إلا خطوة في هذا الاتجاه.
لقد افتُضحت إسرائيل. ولم يعد بالإمكان، تغطية كل جرائمها، مهما كان صانع الماكياج شاطراً. إنها تسير رويداً رويداً في الطريق الذي سار فيه نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
لم يعد من السهل، حتى على حلفائها التاريخيين، تجميل قبحها وإخفاء عورتها.
ومع هذا، لا بد من مواصلة طريق فك الحصار وتكثيف المبادرات الإنسانية الخلاقة، للعودة مرة ومرات، إلى بحر غزة، لفكّ هذا الحصار مجدداً.
نعم، لا بد من تضحيات ثمينة وعزيزة. فلا شيء يأتي مجاناً، خصوصاً ونحن نتعامل مع دولة تأسّست على سفك الدماء. وخصوصاً وقد عرف الجميع، أنّ هذا الحصار سياسي، قبل كل تفصيل. وأنه لن يزول إلا بشروط سياسية تركيعية. فثمة دول وحكومات تقف وراءه وترعاه. وهذه الدول والحكومات مستعدة لنسيان أهل غزة، في جحيم الحصار، سنوات طويلة قادمة، دون أن يرفّ لها جفن.
لذا لم يبق إلا المجتمع المدني العربي والعالمي. وإلا نضال هذا المجتمع.
الطريق شاق وطويل وموحش لا شك، إنما ثمة طاقة نور وثمة أمل.
فمع يمين صهيوني متغطرس، لا يتورّع عن ارتكاب أية جريمة، تكون الأمور أفضل. لأننا حينها نلعب تحت أضواء كاشفة، على مرأى من عيون العالم أجمع.

لم أنم ليل أمس الأول: ظللت أتابع أخبار الأسطول لحظة بلحظة، وأنا أتأرجح بين الشك والرجاء. كنت للرجاء أقرب، رغم معرفتي بكيف يفكر باراك وليبرمان. وفي الرابعة ذهبت للفراش، على أمل أن أستيقظ على أخبار جيدة.
فإذا بي أستيقظ على أخبار مجزرة، بكل هول هذه الكلمة.
كلا يا إلهي، لقد جُنَّ هذا الرجل! جُنّ بيبي نتنياهو! معقول؟ وإلى هذا الحدّ! عشرون شهيداً وحوالي أربعين جريحاً معظمهم إصابات خطرة؟ اللعنة.
لكن ثمة لعنة أكبر، جاءت تالياً، عقب الحدث. إنها تصريحات كبار قادة دول أوروبا. من فرنسا إلى بريطانيا إلى ألمانيا، إلخ. فالبعض منهم مثل ساركوزي تكلّم عن ما أسماه [الاستخدام quot;غير المتكافئquot; للقوة في الهجوم الإسرائيلي على quot;أسطول الحرية] وكأننا نشاهد مباراة بين فريقي كرة قدم، لا بين قوات كوماندوز مدججة بالسلاح ومدنيين عزّل. بينما أمريكا quot;تأسّفت جداً لما حدثquot;.
شيء مسخرة عن جَد. ونفاق غربي بات مبتذلاَ وماسخاً. لكنه نفاق ليس له من رصيد: نفاق بدأ في العدّ التنازلي. فلا يمكن إخفاء الحقائق للأبد، مهما صُرفت المليارات، لهذا الهدف.
إنني حزين ومتألم على شهداء سفينة مرمرة التركية، لكنني في ذات الوقت، أكثر أملاً من ذي قبل.
أكثر أملاً خصوصاً وأنا أقرأ للمحلل وداعية السلام الإسرائيلي أوري أفنيري قوله: [ستنحفر في الضمير العالمي صورة إسرائيل كوحش ملطخ بالدماء جاهز في أي لحظة لارتكاب جرائم حرب وغير مستعد للالتزام بأي شرط أخلاقي]
نعم: ستنحفر في الضمير العالمي هذه الصورة، وسيكون لهذه المجزرة الإسرائيلية الأخيرة ما بعدها _ حتى ولو قلّ الزاد وأوحشت الطريق!