قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

غالبا ما يتم تفسير الصعوبات الاقتصادية الحالية في الدول العربية باعتمادها إصلاحات صندوق النقد و البنك الدوليين و التفويت في المؤسسات العمومية، بالإضافة لضعف الأنشطة الوطنية الصناعية و الزراعية نتيجة المنافسة الخارجية. لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، إذ بقيت الإصلاحات المطلوبة في الدول العربية غير النفطية معلقة إلى حد كبير، خصوصا على المستوى المؤسساتي، كما سنرى في هذا المقال.

في مؤشر سهولة مزاولة الأعمال، الذي ينشره البنك الدولي لمجموع 183 دولة، يأتي ترتيب الدول العربية غير النفطية 69 بالنسبة لتونس، 100 للأردن، 106 لمصر، 128 للمغرب، 136 للجزائر و 143 لسوريا، مقارنة بالمرتبة 29 لإسرائيل و 23 لماليزيا و 19 لكوريا. و هذا الترتيب ناتج عن العراقيل الإدارية لإنشاء المشاريع الجديدة (تونس: ترتيب 107، الأردن 92، مصر 156، المغرب 99، الجزائر 110 و سوريا 132).

كما تفتقر أسواق العمالة إلى المرونة حيث تواجه المؤسسات صعوبات في الاستغناء عن العمالة الزائدة. لذلك يأتي ترتيب تونس في هذا المجال في المرتبة 108، المغرب 176، مصر 120، الجزائر 122 و سوريا 91. و هذا الترتيب ناتج عن قوانين العمل التي تم سنها في الغالب في ظروف الاقتصاد الموجه تحت سيطرة القطاع العام، و التي لم تعد تحقق الهدف المطلوب لحماية حقوق العمال في الظروف الحالية لاقتصاد يعتمد على القطاع الخاص و الأنشطة التصديرية، بل أصبحت هذه القوانين عاملا رئيسيا للبطالة.

كما تمثل سيطرة بنوك القطاع العام و ضعف المنافسة الخارجية عائقا للمؤسسات للحصول على التمويل اللازم، بالسرعة المطلوبة و بتكلفة منخفضة، و هو ما انعكس على ترتيب الدول العربية في هذا المؤشر (تونس المرتبة 87، الأردن 127، مصر 71، المغرب 87، الجزائر 135 و سوريا 181).

فشلت الدول العربية أيضا في ترشيد الإنفاق الحكومي. ففي الوقت الذي نجحت فيه بعض الدول في السيطرة على عجز الموازنة العمومية إلى حد 3% من الناتج المحلي الإجمالي، و هو الحد الأقصى الذي تسمح به معاهدة ماستريخت بالنسبة لدول منطقة اليورو، نجد أن المستوى المرتفع للإنفاق الحكومي ما زال يمثل مشكلة حقيقية، إذ بلغ في 2008 نسبة 38% من الناتج المحلي الإجمالي في الأردن، و نسبة 31% في كل من المغرب و مصر، مقابل نسبة 27% في تونس. و لا يمثل هذا ضرورة اقتصادية بقدر ما يؤدي إلى هدر للموارد المالية للدولة، في أنشطة كان بإمكان القطاع الخاص القيام بها بشكل أفضل، خصوصا في مجالات التعليم و التمويل و البنية التحتية. كما يوجد هدر كبير في مجال دعم أسعار المواد الأساسية مثل الغذاء و الطاقة.

قد يوجد تفسير سياسي لعدم إقدام الحكومات العربية على القيام بالإصلاحات الاقتصادية الهيكلية الضرورية نظرا لمعارضتها من طرف مجموعات الضغط، التي تستفيد من الوضع القائم و لديها عدم يقين حول مدى نجاح هذه الإصلاحات، لكن هذا لا يبرر الفشل الحالي، إذ لا بديل عن القيام بهذه الإصلاحات، و أي تأخير في هذا المجال يزيد من الصعوبات و لا يفيد هذه الدول في شيء.

كاتب المقال محلل إيلاف الاقتصادي و خبير سابق في صندوق النقد الدولي.
[email protected]