ليس من المبالغة القول، ان الحديث عن ابداع المراة العراقية له بداية لكن ليس له نهاية، فمنها يبدأ كل شئ وينتهي اليها كل شئ، ومع هذا التألق لابد ان نذكر حجم المعاناة الكبير نتيجة احداث المت بالدولة العراقية على فترات، دفعت المراة اثمانا غالية لها، او لطبيعة المجتمع الذكوري الذي ينظر للمراة على انها موضوع منفعل بدلا من ان يكون له دور فاعل، ومن هنا ولدت قصة هذا الابداع من قلب هذه المعاناة، لتنتحت المرأة العراقية بالصخر كي تثبت انها تستحق ان تكون عنوانا للبطولة والايثار والتضحية والانجاز.

ومما لاشك فيه، ان تاريخ الحركة النسوية في العراق ابتدأ مبكرا مع ولادة الدولة العراقية المعاصرة، من خلال تأسيس نادي ( النهضة النسوي) عام 1923، ومن رحمه ظهرت اول مجلة نسائية (ليلى) عام 1933، برئاسة السيدة بولينا حسون، ونادي البنات البغدادي 1930، ونادي خريجات دار المعلمين 1930، على الرغم من ان الدعوات لتحرير المراة العراقية قد بدأت ابكر من ذلك بوقت طويل، وكان دور الرجل اكبر بكثير من دور المراة ومن ابرزهم الشاعر جميل الزهاوي ومعروف الرصافي وأديب اسحاق، ومن ينسى قصيدة الزهاوي التي يقول فيها
إنما المرأةُ والمرءُ سواءٌ في الجدارةِ علِّموا المرأة فالمرأةُ عنوان الحضارة
يرفــعُ الشــعبُ إناثــه والذكـورُ وهــل الطائرُ إلاّ بجناحيـــهِ يطيرُ

ولعل من الامر الطبيعي ان يكون بداية الحراك النسوي مقتصرا على النخبة الارستقراطية، وبعيدا عن بقية طبقات المجتمع الاخرى، الا انه كان مؤثرا تاثيرا ايجابيا في نساء العراق فيما بعد، وقد ظهرت نساء بارزات عدة في ذلك الوقت تتصدرهن السيدة صبيحة الشيخ داود التي تخرجت من كلية الحقوق عام 1941، واصبحت اول قاضية عربية، وتعد بحق رائدة الحركة النسوية في العراق لنشاطاتها واسهاماتها المتعددة، استطاعت من خلالها ان تقدم انموذجا مشرفا دفعت الكثيرات من النسوة العراقيات ان يحذين حذوها ويستلهمن من دورها المشرف للمراة العراقية.

ولم يكن حقل السياسة بعيدا عن اهتمامات المرأة العراقية، إذ تشكلت عام 1945 اول جمعية نسائية تعنى بالقضايا السياسية ضمت مجموعة من النساء العراقيات كان على راسها عفيفة رؤوف، سميت بجمعيةquot;المرأة العراقية المناهضة للفاشية والنازيةquot;، ومع ازدياد تعليم المراة ودخولها معترك العمل ازداد معها مشاركتها في الحياة السياسية وهذا ما تبدى جليا في تظاهرات عام 1948،ضد معاهدة بورتسموث، وفي عام 1952.
وفي الخمسينيات من القرن الماضي بدأ دور المراة العراقية يتعاظم شيئا فشيئا، ويأخذ طابع الاستقطاب الايديولوجي، (الليبرالي _ اليساري)، وكان من اهم مخرجات هذا الحراك اختيار الدكتورة نزيهه الدليمي لتكون اول وزيرة في الوطن العربي عام 1958، وتبعه محطة اخرى اكثر اهمية من هذا الحدث تمثل بإصدار قانون 188 لعام 1959 الذي يعد احدى الثمار المهمة للحراك النسوي والمطالبة بحقوقهن المادية والمعنوية.
اما في مجالات الحياة الاخرى فلاننسى نازك الملائكة بوصفها رائدة الشعر العربي الحر فضلا عن مئات من الاديبات في ميادين الشعر والقصة لامجال لذكرهن، ولاننسى الفن التشكيلي وماقدمته من ابداعات على انامل نسائية بل منهن من اعتبرت رائدات في الفن التشكيلي العربي والعراقي.وفي كل المجالات الفنية والادبية الاخرى.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فان للمراة العراقية دورها الرائد، فمن الصعوبة انكار حقيقة مفادها، ان الايد العاملة الرئيسة في الارياف والى وقت قريب هن النساء، ويكاد يتقصر دور الرجل في المخرج النهائي بجلب المنتج الى السوق، اما في قطاعات العمل الاخرى فمشاركتهن قد بدأت بالازدياد الكبير مع مطلع الستينيات ليبلغ في نهاية السبيعينيات بحدود 35% من اليد العاملة مع تحقيق المراة لمكاسب عدة كان من اهمها حملة محو الامية، وقد إزدادت هذه النسبة مع الحرب العراقية الايرانية ليبلغ بحدود 39%،فضلا عن دورها القيادي في الاسرة لتاخذ مكان الرجل في العمل والاسرة. وفي فترة التسعينيات بدأ مؤشر المساهمة في التراجع ويظهر تقرير منظمة العمل الدولية الى ان نسبة مشاركة المراة في قطاع العمل عام 1977 لايتعدى (9%) من اليد العاملة.وصاحب ذلك ازدياد نسبة الاميةوتراجع دور المرأة العراقية الاجتماعي والسياسي الذي اصابه الوهن نتيجة عوامل داخلية وخارجية، ولم يعد للمراة ذلك الدور الفاعل الذي مارسته في فترة السبيعينات ومطلع الثمانينات.

اما بعد الاحتلال، فقد عانت المرأة العراقية المرارة اكثر من جانب، الاول محاولة النيل من حقوق النساء ومكتسباتهن التي حصلن عليها نتيجة نضالهن خلال عقود عديدة، ومنها الغاء القانون المرقم 188 لعام 1959. ثانيا التعامل مع المراة بوصفها مواطنة من درجة ثانية تابعة للرجل لا تمتلك ارادتها بمفردها، ثالثا تقييد حرية المراة وحقوقها بأسم التدين السياسي لا الدين الحقيقي سبيلا للانتقاص منها.ورابعا إزدياد حالة العنف اللفظي والجسدي للمراة. خامسا: تحمل العبء نتيجة فقدان الاب او الابن او الاخ او الزوج نتيجة لاعمال العنف المتعدد الجوانب سواء من قبل قوات الاحتلال او جماعات العنف المتعددة. سادسا ازدياد نسبة الامية للمراة العراقية وهي الاعلى في الوطن العربي (61%). سابعا : أن نسبة النساء المشاركات في اليد العاملة في العراق لازالت منخفضة بحيث بلغت وحسب احصائية حديثة لمنظمة العمل العربية 14%.
وكان المنتج النهائي من تلك الحقائق والتشريعات والاجراءات التعسفية هو تكريس تبعية المرأة للرجل واستلاب حقوقها، في حين يطلب منها كل الواجبات التي تطلب من الرجال. وأصبح التمييز ضد المرأة او بالاحرى تحقيرها والتقليل من شأنها سمة quot;الديمقراطية الحاليةquot;.

اما في الحياة السياسية فالوضع نظريا افضل، من خلال التمييز الايجابي للمرأة الكوتا ( 25%) داخل البرلمان، إلا ان التمثيل كبير لم يعبر فعلا عن احتياجات المرأة العراقية، ومن المؤسف القول ان معظم النساء من النواب كن اكثر عدواة للمراة وقضاياها، والادهى من ذلك ان وزيرة المراة الحالية وصفت من قبل منظمات نسائية عدة بانها عدوة المرأة نفسها، لانها اتخذت قرارات عدت منافية لحقوق المراة وحرياتها، وكان عليها كوزيرة للمراة ان تاخذ بنظر الاعتبار تنوع المجتمع العراقي افقيا وعاموديا، لكنه ولافتقارها الى الثقافة الواعية تصرفت بالوزراة وكانها فرع تابع لحزبها.

ومع كل هذه المعاناة، لازالت المراة العراقية، الانسانة والمنتجة، الام التي تفيض حنانا، والاخت الصادقة الصدوقة، والزوجة المعطاء، بل وحتى الاب حين يغيب او يغيُب، انها المراة الاستاذة الجامعية، والطبيبة، والمهندسة، والفنانة، والرياضية، والقاضية، والعاملة، والفلاحة، وكل مجالات العمل الاخرى بل هي اكثر واكثر.. انها يا سادتي المرأة العراقية.