قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لست متعاطفه مع أي من الأنظمة العربية.بل أحملها كل المسؤولية في مدى التخلف المجتمعي والتقني والمعرفي للشعوب العربية كلها.. وبرغم تخّوفي من الإنتفاضات العربية إلا أنني فرحت بها.. آملة أن تحرك المياه الراكدة.. بل العقول العربية التي إستمرأت أن تبقى في الظل.. وأن تصبح مادة التندر على كل المستويات في الدول الأخرى.. وبرغم تخوّفي من كل متعصبي ومتطرفي الأديان.. إلا أنني قبلت بنتائج العملية الديمقراطية في دول الربيع العربي.. والتي أفرزت عن وصول جماعات الإسلام السياسي للسلطة.. وآمنت ان هذا حق المواطن العربي في إختيار من يعتقد انه الأصلح لخدمة مصالحة داخليا وإقليميا ودوليا....ولكن المخيف الآن أن كل الأحزاب التي وصلت إلى السلطة لا زالت وحتى هذه اللحظة في حالة مد وجزر.. وليس لديها رؤية واضحة وعميقة لما تراه في مصلحة شعوبها..ونشاهد يوميا محاولاتها في الإلتفاف حول الدستور. حول المواد الدستورية.. حول فيما إذا كان الدستور سيصاغ بما يضمن حقوق الأقليات.. والمواطنة للجميع والعدالة وبين التمسك والإلتفاف حول أن الشريعة مصدر القانون.. وأن الدولة مدنية تعمل باحكام الشريعة أو بمبادىء الشريعة.. وبين كل هذا يضيع الوطن والمواطن!

قبل أيام قرأت خبراً في إحدى الصحف العربية مفاده أن شبانا تعرضوا لإمرأة أميركية مسنه بكلمات نابية وأهانوها ودفعها خوفها من الإيذاء إلى التوسل لهم والبكاء المستمر. وأنه وبالرغم من انها نجت منهم بدون اذية.. إلا أن حالة من الخوف واليأس انتابتها.. وحين نشر الخبر في الصحف المحلية هب سكان البلدة لعملين الأول الطلب من السلطات القبض على هؤلاء المراهقين ومعاقبتهم عقابا صارما لأنهم إنتهكوا القيم المجتمعية الأخلاقية.. والثاني القيام بالتبرع للمرأه للقيام برحلة تخفف من حالة اليأس التي إنتابتها.. وحتى نشر الخبر وصلت التبرعات إلى ما يزيد عن 0 65 ألف دولار.

ما دعاني للكتابة عن هذا الموضوع.. ليس مقتل طالب الهندسة في السويس أحمد حسن عيد.. ولكن ما لا يقل عن الجريمة البشعة وتعاطفي الكبير مع عائلته.. هو الجريمة المجتمعية التي تمثلت في إستنجاد خطيبته بالمارة.. ورفض سائقوا الأجرة نقله إلى المستشفى خوفا من المسؤولية والذي إدى إلى وفاته جراء النزيف الحاد!

وبالرغم من أن الجريمة روّعت مصر باكملها.. وأنه خرجت كل مدينة السويس لتشييع جنازته.. إلا أن إنعدام الضمير المجتمعي المتمثل في رفض سائقي الأجرة نقله للمستشفى هو الخطورة التي تواجه المجتمعات العربية باكملها.. خاصة وفي ظل إنعدام قانون يحمي حق المجني عليه في الحرية وتبريرات فقهية تسمح للبعض بالتدخل في هذه الحريات بإعتبار انهم أوصياء على المجتمع..ويتصورون أن حماية المجتمع وقمعه وكبته حق فوّضه الإله لهم وحدهم..حين أمرهم بالنهي عن المنكر..

المجتمع كله بإنتمائه إلى مثل هذه الأحزاب أو السكوت على مثل هذه الجريمة لا يقل تواطئا مع المجرمين الذين إرتكبوها.. ومحاولة تنصل كل الأحزاب الإسلامية من الجريمة.. وأن ليس لديها أي من جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعارض مع إعترافات أحد المتهمين الذي إعترف أنه على علاقة وثيقة بعدد من الشيوخ المعروفين في محافظة السويس وأن أحدا منهم لم يعترض طوال الأعوام الماضية على قيامه بتوقيف المواطنين في الشوارع أو التطوع بالنصح والإرشاد لهم على إعتبار ان القيام بذلك يعتبر من صحيح الدين.. حسب ما تعلم من هؤلاء الشيوخ! إضافة إلى أن توضيح مفتي الجماعة نفسه بان تغيير المنكر باليد له ضوابط إسلامية وشرعية تحكمة.. يدخل الجميع في متاهة تاويلات دينية جديدة.. من له هذه الصلاحية وكيف تقيس العنف المسبب باليد.. تماما كمحاولة تفسير موضوع ضرب المرأة الذي يحاول الجميع إبراز ضوابطه وكيفية الضرب وطول العصاة و... و...

إن نفي وجود هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل كل التيارات الإسلامية لا يقلل من مسؤولية كل الأحزاب في الجريمة.. لأن الجريمة الحقيقية إرتكبتها هذه الأحزاب خلال كل السنوات الماضية حين روّجت لأكثر مبادىء الإسلام تعصبا. وشوّهت صورة الإسلام داخليا ودوليا..

إن تشريع أي قانون ليحمي حق الإنسان في الحياة و في حماية الضمير الشخصي له وفي معاقبة من ينصبوا أنفسهم كولاة علية لقمع حرياته الشخصية.. وحرياته الدينية وكل الحريات.. يجب أن يكون طلب شعبي من الجميع لمعاقبة الجناة.. بدون الدخول في أية متاهات وتأويلات دينية تؤدي في النهاية إلى تبرير عملية القتل.. وإنتهاك حقوق الإنسان في الحرية الشخصية..

إن الجرائم التي تخرج صورها كل يوم من المجتمعات العربية كلها تشير إلى إنزلاقها في منحدر خطر على شعوبها.. وعلى مستقبلها كله.. إنعدام القوانين لحماية الإنسان.. وإخضاع الموجود منها لتاويلات وتفسيرات دينية وفقهية تؤدي في النهاية إلى الركود العقلي المجتمعي خوفا من الدين ومن الذين نصّبوا أنفسهم حراس له.. وبالتالي إلى تشريع القتل.. وإنعدام الشعور الإنساني بالتعاطف مع الضحية وحتى مع القاتل نفسه..

أين القيم الأخلاقية المجتمعية حين تبرر جريمة الإغتصاب.. وتبرىء الجاني من جريمته إن تزوج مغتصبته.. أين هذه القيم وأين التعاطف الإنساني حين تزوج الطفلة القاصرة لرجل يكبرها بعشرات السنين.. والذي وفي كثير من الحالات يؤدي إلى وفاتها من جراء وحشيته حين يمارس معها الجنس.. كما في خبر عن اليمن ورد خلال الأيام القليلة الماضة : قاصر تتوفى ليلة زفافها بسبب تمزّق أعضائها التناسلية!

في القرن الحادي والعشرين تطالعنا الصحف يوميا بجدل البرلمانيين العرب حول مواد القانون ورفض لأي تعديل أو إلغاء لمثل هذه المواد..
أكبر مثال على اننا فقدنا قدرتنا على إستعمال العقل وإحترام انفسنا هي المشاهد التلفزيونية التي نقلتها قناة البي بي سي الإنجليزية يوم السبت الماضي بالتحديد.. بمشاهد عراك إثنين من النواب الأردنيين الذي وصل إلى عراك بالأحذية وبالمسدسات في برنامج حواري تلفزيوني.

نعم بمثل هذه المشاهد.. وبمثل هذه الأحداث التي نقرؤها يوميا.. لا نستطيع إلا أن نؤكد بأن الصحوة يجب أن تأتي من جميع طبقات المجتمعات العربية.. وأن لا تكون قاصرة على مثقفين أو علماء.. وأن مسؤولية الجميع هناك تقتضي حث الحكومات على إجبار رجال الدين على تغيير مسار خطابهم الديني بما يتوافق مع المبادىء الدولية لحقوق الإنسان.. وإيقاظ الضمير الإنساني المحتضر في الشعوب العربية قبل أن يموت فعليا...

مديرة منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية