لقد ظهر بما لا يدع مجالا للشك، أن الفضاء السياسي العربي كان مجالاً متخلفاً وبسيطاً، لم يعرف ميزة التعدد وغناه، انطوى على قوتين لا أكثر هما الإسلاميين والعسكر، وكان الحكم يقوم على أساس دائري رتيب، ولعل الإشكالية التي تواجه الواقع السياسي العربي اليوم تتمثل بحالة استعصاء عملية ولادة فضاء سياسي أوسع وإمكانية تظهيره، بل ربما تكمن العوائق الأساسية برفض القوى التقليدية ظهور هذا المكون الجديد؟

من بديهيات الفكر السياسي أن كل لحظة سياسية تنطوي على ثلاثة قوى تتصارع فيما بينها وتحتل المشهد السياسي بتفاوت في درجات التأثير والفعالية: القوى المحافظة، وهي القوى التي تسيطر على السلطة راهناً، أياً تكن أيديولوجيتها وطبيعة الأفكار التي تحملها. القوى الرجعية، وهي القوى التي حكمت في الماضي وتسعى لاستعادة السلطة. والقوى الثورية التي ليست في السلطة ولم تحكم في السابق. ومن صراع هذه القوى يولد المجال السياسي ويتبلور بشكله ومعناه الحداثي.
غير أن المجال السياسي، ليس حزبا أو مجموعة أحزاب تعلن عن نفسها، كما هو حاصل في الكثير من البلدان العربية، بل هو بنية تنظيمية وهيكلية سياسية كاملة، تفاصيل كثيرة ومجتمع مدني فاعل ومؤسس لتصبح بعد ذلك منظومة قيم سياسية عملية تفرز قوانينها وأحكامها، تكون أهم وظائفها تخفيف حدة التوتر في الصراع المجتمعي بتحويله إلى صراع غير عنيف، وهو ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية عملية ضبط وإدارة الصراعات الاجتماعية.
إن افتقاد المجال السياسي العربي لمثل هذه العملية، يدفعنا إلى توقع حصول حالة فوضى مديدة أو حالة عطالة كاملة، وينذر بإمكانية إعادة القوى الحاكمة القديمة بصيغ وأدوار جديدة، أو يضعنا أمام حالة إعادة إنتاج الحالة السياسية التي انطوت على استبداد وقمع وتخلف، ويمكن ترجمة هذه الحالة حركياً بأن يصار إلى صياغة توليفة من القوى الليبرالية كواجهة تشريعية تنفيذية، فيما يصبح الحكم بيد مجلس عسكري تحت عناوين مختلفة، على غرار ما شهدته تركيا لسنوات طويلة. وقد يحدث أن يصار إلى توزيع الأدوار بين القوى الإسلامية والعسكرية بحيث تتسلم الأولى مهام التشريع والتنفيذ، فيما تتولى القوى الثانية القضايا ذات الطابع السيادي والأمني، ولنا أن نتصور حجم الإرتكاس الذي قد تشهده العملية السياسية، فضلاً عن التشوه والإنحراف الذي قد يتحقق جراء ذلك.
وإذ تبدو بيئة الربيع العربي عنصرا غير مساعد على إنجاز التغيير فإنها بلا شك تفقده أهم الروافع الضرورية، حيث يفتقد لحمولة فكرية واضحة في ظل افتقاده لركائز مؤسسية، إذ بدا أن البنيان المؤسسي الذي شكلته الأنظمة السابقة بنيانا يصلح للاستخدام مرة واحدة من قبل قوى محددة. وبهذا يتزاوج الفقر الفكري مع الفقر المؤسسي لإنتاج حالة من الفوضى التي لن يستفيد منها في النهاية سوى بعض القوى التقليدية التي تملك أطراً وهياكل تنظيمية صالحة للعمل والتنظيم.
خلاصة القول أن مسار التاريخ العربي وصل إلى المنعطف، لكن الانعطافة لم تحدث بالشكل الذي تم تصوره، السبب الواضح وراء ذلك أن العالم العربي يفتقر للبنية التحتية اللازمة لتوطين هذه التغييرات، لا زال المجال السياسي مجرد أرض فارغة لم يتم بناء مرتكزاتها بعد.