خلال سنيِّ عمري الذي توسّطْتُ العقدَ الخامسَ منه، قرأتُ عن النظم والقواعد والأديان والنظريات، ومنظومات القيم، التي تحاول ضبط سلوك هذا المخلوق، كثيراً، علَّني أهتدي إلى نصٍ قد استند إليه الإنسانُ في مقدار القسوة المرعب، الذي يحمله قلبه، وخاصة تجاه أخيه الإنسان، فلم أفلح في ذلك.

وقرأتُ عن تلك المخلوقات التي لم يهبها الله العقل، إنما يفترضُ فيها أن تكون أسيرةً لغريزتها وشهوتها فقط، فلاقانون، ولا قاعدة، ولا دين، ولا مذهب، ولا ولا، يمكنه أن ينظم سلوكها، فهي في محل العذر لو أن قسوتها بلغت ما بلغت، ومع ذاك لم أجد في سيرتها ما يمكن أن يمثل قطرةً في بحر سلوك ابن آدم الفظيع.

وأنا أتجولُ في شبكة الانترنت، أدهشني منظر أسد، وهو أقوى السباع على الأرض، أدهشني منظره وهو يركض نحو إنسانٍ كان قد أسدى له معروفاً يوماً، ولم يره لسنين، وبعد كل تلك السنين يركض ليحتضن ذلك الإنسان، حين تقع عيناه عليه، ومنظر نمرٍ قد دفعته غريزته إلى أكل قردةٍ، فتبين له، فيما بعد، بأن لها صغيراً، فكان يتعهد ذلك الصغير بالرعاية والعطف والحنان.
نُقِل عن تلك العجوز التي ربت ذئباً فأكل شاتَها حين كبُر أنها قالت:

أكلتَ شويهتي وفجعت نفسي وكنتَ لشــــــــــــاتِنا ولدٌ ربيبُ
غُذيتَ بدرِّهـا ورضعتَ منهـــــــــــا فمن أنباكَ بأنَّ أبكَ ذيبُ
إذا كان الطباعُ طباعَ ســــــــــــــــــــَوْءٍ فلا أدبٌ يفيــــــدُ ولا أديبُ

فيما مضى كنتُ أصدقُ كلامَها على إطلاقه، ولكني وبعد أن رأيتُ تلك المشاهد، وبعد أن رأيتُ وداعةَ الحيواناتِ في هذه البقعةِ من الأرض، التي أعيشُ فيها، بِتُّ أشكُ في كلامها، أو على الأقل لم أقبله على إطلاقه.
ورأيتُ مشاهداً جعلتني أخجل من انتمائي لفصيلةِ البشر، فلم أر بين وحوش الأرضِ ما يأكلُ بعضُهُ بعضاً، ورأيتُ إنساناً يفتح صدر إنسانٍ قتيلٍ، وينتزعُ قلبَهُ ليأكله، صعقت لهذا المشهد، هَبْ أنه عدوٌّ لك، وهو الآن قتيل، أية مكاسبٍ حققتها حين صنعت ذلك به، حيث لا قابلية له على الرد، ولا على الدفاع عن نفسه؟

التاريخُ يعيدُ نفسه، وقد قال أحدهم قديماً:
يَعابُ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ ويأكُــــــلُ بعضُنا بعضــــــاً عَيانـــــــا
إيهٍ يا ابنَ آدم.. من أين لك كل هذه القسوة؟

تعلّمُ السباعُ صغارَها ما يمكنها معه ديمومة حياتها من الصيد لا أكثر من ذلك، ونعلمُ أطفالَنا كيف يقطعون الرؤوس، رأيت من أعطى سيفاً لطفل في السابعة أو الثامنة من العمر، ويطلبُ إليه قطع رأس رجل حيٍّ، موثق اليدين قد طُرِح أمامَه.

من أية شريعة استقيتم ذبح الطفولة، من أي دينٍ أخذتم كل هذه القسوة، من أي قانون، نظام، سنة؟
الوحش يقتل حيواناً واحداً فقط ليديم حياته، وحين يشبع لم يفكر في قتلِ آخر حتى يهددُ الجوعُ حياته، وهذه هي السنةُ التي توارثها بتركيبته الغريزية، ويقودُ إنسانٌ حرباً تطحن الملايين من البشر، لا لهدف، لمجرد إرضاء الغرور.

سبحانك ربي، منحتَ هذا الكائنَ شرفَ خلافتك في عمارة الأرض، فلم يزد فيها إلا خراباً، ولم يعث إلا فساداً.
الآن فهمت مغزى كلام الملائكة حين قالوا لله مندهشين: أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفكُ الدماء.