حين أقف مع نفسي وقفة تأمل، أجدني أبكي على الله ولا أبكي من الله كما قد يصنع غيري، أبكي على الله الذي بمقدار ما يمتلك من اسباب السطوة والقوة، بقدر ما عطّل كل تلك القدرات رحمةً بنا، بحيث لم نعد نشعر بوجوده، هو الموجود في ومع كل شئ.
حين كنتُ صغيراً لم أعرف رباً غير ذلك الرب الشديد، المعذب، الذي يحرق بالنار، الرهيب، المخيف، الــ.. الــ.. الــ، إلخ.
لقد كنت متحيراً في داخلي، حينها، فببراءة الطفل لم أكن أحبب القسوة، ولا أحب الشدة، فلماذا يحرَق بالنار طفل ملاك يا تُرى؟
لم أكن أتجرأ، في ذلك الوقت، على أن أكره رباً كهذا، بما صوروه لي، فقد قالوا لي: بأن الله يعلم كل شيء، حتى ما تضمره في نفسك، وحتى ما تفكر فيه، فأنا مجبر على أن أحبه خوفاً من أن يحرقني، لو علم بأني أكرهه، فأحببته مجبراً، ولكني وفي قرارة نفسي لم أكن أحب شيئاً من تلك الصفات، التي ذكروا لي، مما لا يمت إلى الرحمة بصلة، وهكذا كنت أعيش ازدواجيةً عجيبة، وكم من طفل كان يعيشها كما كنت أنا؟
حين كبرت، ولا أريد أن أتكلم يمنطق الذي درس الأديان، إنما أتكلم بمنطق الإنسان الذي اكتشف رباً آخر من خلال الواقع الذي كان يراهُ أمامه.
حين كبرت تذكرت ما أخبروني به، وقارنته مع مشاهداتي، فهم قالوا لي: بأن الله شديد، ولكني رأيتُ بأمِّ عيني من يتحداه في شدته، فيقتل الإنسان على التهمة، ويردي به على الظنّة، فأين ما صوروه لي من ذلك الرب الشديد، فها أنا أجد من يتحداه في شدته، فأين هي تلك الشدة؟
وسمعت عن الله المعذب، ولقد رأيت من يعذب خلقه ليل نهار بشتى أنواع العذاب، فأين ذلك التعذيب الذي زرعوه في مخيلتي عن ربي؟
وأين تلك النار الذي قيل لي بأن الله يحرق بها، والحال أني رأيت من يحرق البيوت على ساكنيها، لا لشيء، إلا لاختلاف في فكرة، أو متبنى.
أين ذلك الرب الرهيب المخيف الــ.. الــ..؟ أين هو يا تُرى؟
أنا لم أر رباً شديداً أبدا، بل رأيت رباً من النسمةِ أرق، ومن البسمةِ أعذب، ومن اللينِ ألين.
حين كبرت اكتفت كذبة الله المعذب، فهي أبعد ما يكون عن الواقع، ولا وجود لتلك الفكرة إلا في مخيلة من صنعها، ليوهم الناس بهها لدوافع شتى.
لم أر ناراً من صنع الله، فالله نسائم عذبة يعيش الإنسان أشد حالات الاسترخاء والراحة حين يتنفسها، فلا علاقة لله الذي اكتشفت بنارٍ قيل لي لو أن ذرةً منها خرجت إلى الأرض لأحرقت الدنيا بما وبمن فيها.
لم أر رباً رهيباً أو مخيفاُ، بل وجدتُ رباً أشد حنانا ورأفة بالانسان من الأم على طفلها، عاطفة ورقة لا متناهيتين.
الله لم يصنع جحيماً ولا ناراً، بل الجحيم هو من صنع الإنسان ذاته، فكلٌّ يصنع جحيمه بحجم فعلته.
فالقاتل، الذي أزهق روحاً لم يكن إزهاقها من شؤونه كان قد صنع لنفسه ناراً أزليةً لا يمكن أن تنطفيء، فالله، إذن،لم يكن هو من صنع تلك النار، ولم يكن هو المعذب فيها، إنما هي من صنع القاتل نفسه.
الله صنع الحب والسلام، والتسامح، والعفو، وكل ما هو جميل، وكل واحدة من هذه المفاهيم جنة بحد ذاتها، يتقلب الإنسان في نعيمها، إذا ما باشر تلك المفاهيم ونشرها.
هذا هو الله الذي عرفته حين كبرت، ولم أعد أعتني بربكم المشوه الذي رسمتموه لي حين كنت صغيراً..
أنا أشرك بربكم، ولا إله عندي سوى الله العظيم الذي اكتشفته بنفسي وأنا أحبه وحده وأعبده كثيراً.
- آخر تحديث :
أعلنُ عن شركي بربكم

-




التعليقات