لاادري ما الذي حفّزني وجعلني اعزم على التسكّع وآخذ فسحة للتجوال في قلب بغداد وفي بعض مفاصل شارع الرشيد رغم علمي بان معظم معالم مدينتي التي احبّها حبّا لايوصف قد اندرست وصارت اشبه بالحطام كبقية اشيائنا الجميلة اذ لازمت بيتي ولم أبرحْه منذ شهور لأني أعرف تماما انه لم يعد هذا الشارع الذي يعتبر شريان بغداد وقلبها النابض يؤنس السابلة والعابرين ويبعث البهجة في النفوس ، وقلت في نفسي محاولا إقناعها ؛ ربما اجد مايشفي غليلي وقد أمرّ في ساحة الميدان وارى أحد اصدقائي الذين كانوا يملأون مقهى البلدية وام كلثوم وأعرج على مقهى الزهاوي او حسن العجمي أو البرلمان واقرأ كل صحف اليوم بثمن زهيد ثم أردّها الى البائع ليُعيرها الى غيري ليتصفحها هو الاخر كما كانت العادة متّبعة ويمارسها باعة الصحف الذين يفترشون رصيف مقاهي الادباء والمثقفين دون ان نكلف انفسنا عناء شراء كل الصحف اليومية الصادرة بسبب افلاسنا وخواء جيوبنا
ربما كان صوت زوجتي الهادر صباح امسِ هو الباعث على تجوالي حينما صرخت بوجهي حاثّةً إياي على الخروج وأخذ فسحة من المشي وهي تقول :
--اخرجْ قليلا وقد ترى بعضاً من اصدقائك القدامى وتتبادل الحديث معهم .. وبدوري سأقوم بترتيب غرفتك المبعثرة من نثار الكتب والقرطاسية المرمية هنا وهناك وأنقل الحاسوب المنزوي في ظلمة الزاوية وأضعه قريبا من الشباك ليزيد من إضاءة عينيك المتعبتين من كثرة القراءة والتفرّس على الشاشة
وإذعاناً لها ؛ قمت بأدامة سيارتي التي تركتها نهبا للغبار والمطر شهورا طويلة ، فحصتها سريعا ثم بدأت بتدوير محرّكها متّجها الى ساحة الشهداء حيث ركنْتها في مرآبٍ مطلٍّ على سفح نهر دجلة
ترجّلتُ من عربتي ، صدَمتني فجأة رائحة الاسماك المنبعثة من عربات الباعة الجوّالين المكتظين بمدخل جسر الشهداء وأسرعتُ بخطاي عابرا الجسر لأفتح صدري للهواء المارّ عبر دجلة هروبا من روائح الزفر غير اني تعثّرت بالكتل الكونكريتية الموضوعة بمدخل الجسر وكدت أقعُ لولا مساعدة السابلة لي
أعدتُ توازني وقلت في سرّي وأنا امشي بتوئدة على الجسر ؛ سأقضي نهاري كلّه في ملاعبي الاولى وسط بغداد وأتناول طعام الغداء بوجبة خفيفة عبارة عن سندويشة الجبنة الشهية من دكان الحاج زبالة مع ان مذاقها لاتتوافق مع اسمهِ وأتناول عصير الزبيب الطيب اللذيذ لأبلّ ريقي وأسدّ رمقي ثمّ أعرج على شارع المتنبي وارى اصدقائي باعة الكتب يفرشون الرصيف ببسطياتهم اذ كثيرا ماتعاملت معهم شاريا وبائعا او مقايضا او مستعيرا كتابا لأمَد محدود لقاء مبلغ بسيط عندما يكون الكتاب غاليا ونفيسا وممنوعا من التداول بسبب الرقابة الصارمة وانا الذي كنت خاوي الجيب الاّ من القليل الذي يقيم أوَدي ، بعد ذلك سأمرّ على باعة القرطاسية واشتري بندا من الورق الاسمر الرخيص حينما اهمّ في الكتابة فليس لديّ مال كافٍ لشراء ورق صقيل يثير شهية قلمي ؛ وقد التقي بأحد معارفي من السلف الصالح -- كما نسميهم تندّرا -- ونقضي اوقاتا في مقهى الشابندر حاضنة الادباء والمفكّرين لمناقشة مسألة ما وقد نتخاصم ونختلف ونتشاجر ويذهب كل منا الى بيته حانقا لكننا نعود ونلتقي مجددا في لقاء عابر دون موعد مسبق ونمدّ ايدينا نتصافح ونعانق بعضنا بعضا رغم اختلافنا الشديد في وجهات النظر وكأن ذلك الشجار الفكري تبخّر في غمضة عين ؛ وعدنا الى سابق عهدنا صديقين حميمين رغم اختلافنا الشديد في الرأي
بعد أن أنهيتُ عبور الجسر مشيا على الأقدام ؛ كان لابدّ لي ان اتسكّع في سوق السراي وأتطلّع الى سقوفه الجميلة المخروطية المثقوبة من الاعلى لأجل السماح لاشعة الشمس من التسلّل الى داخل السوق واتحدث مع اصحاب الدكاكين الذين كنت اعرفهم واحدا واحدا من اصدقائي الورّاقين القابعين في quot; درب زاخا quot; كما كان يسمّى في العصر العباسيّ والملفت في هذا السوق ان قسما من دكاكينه الباقية مازالت بنفس تصميم ورّاقي العصر العباسي حيث اكداس الكتب ورفوفها العالية التي تكاد تسقط على رؤوس اصحابها بسبب ضيق مساحتها وقصَر سقوفها وكأنها تصدم رأسك حين تقف بكامل قامتك ؛ وأتذكر شاعرنا الكبير بدر شاكر السيّاب وهو يمرّ به ليلا منشدا قصيدته المؤثرة أول وصوله الى بغداد من جيكور البصرة في العام /1943 ليلتحق بدار المعلمين العالية طالبا في قسم اللغة الانجليزية :
الليل والسوق القديم
خفتتْ بهِ الاصوات الاّ غمغمات العابرين
وخطى الغريب وما تبثّ الريح من نغمٍ حزين
في ذلك الليل البهيم
وانا الغريب اظلّ اسمعه ..واحلم بالرحيل
في ذلك السوق القديم
ولاني احبّ دجلة الخير ونوارسها وجسورها ومراكبها التي تتمايل مع موجات النهر واعشق سفحيها الكرخيّ والرصافيّ فلابد لي ان اقف وأتطلع من جهة شارع المتنبي الذي يجمع مَرسى الزوارق الصغيرة والكبيرة على مشاهد هذه الطيور البيض وهي تلعب على سطح الماء وتعاود الطيران الى الأعلى وتلقف ماتجود به نعَم الله في مناظر خلاّبة وبأسراب قريبة تؤنس الانظار حتى نكاد تلمسها باليد
ولاأنسى ان انسلّ الى شارع النهر القريب والمحاذي لشارع الرشيد حيث النسوة البغداديات والزائرات ينتشرن كالزهور ويتطلعن الى المعروضات الجميلة في واجهات المخازن والمصوغات الذهبية التي تؤسر القلب والتحف الاثرية وكأنهن في مهرجان حافل بالجمال والنزهة البريئة وسط شارع حيوي يزهو بزائريه ويحفل ببضائعه المنتقاة بعناية ، وقد أختارُ هدية ًمناسبة لزوجتي رفيقتي في رحلة العمر كما كنت معتادا اول ارتباطنا معا في رباط مقدس وعهد زواج كنا عقدناه في ذات المحكمة الرابضة في مكانها وسط شارع النهر هذا
وعلى بعد امتار قليلة سأرتقي السلّم صاعدا الى quot; اورزدي باك quot; هذه البناية التجارية الجميلة الطلعة المصممة على الطراز الفرنسي وأدور في اقسامها التي تخلب الالباب بسحر تنظيمها وجودة معروضاتها وجمال ورقيّ بضائعها واستريح قليلا في الكافتيرا في الطابق العلوي واحتسي القهوة وانا انتشي برؤية المتبضعين وضحكاتهم وهم ينتقون احلى الملابس وارقى العطور الباريسية وافخر الادوات المنزلية منها
وبعد ان يأخذني التعب وتنهك قدماي من المشي حين يأتي المساء أيمم وجهي صوب مقهى أم كلثوم لأعود مجددا الى الميدان فقد اشتقتُ الى صديقي العتيد عاشق الطرَب الأصيل quot; عبد المعين الموصلي quot; مالك المقهى لنستمع معا الى سهرة القدود الحلبية كل يوم جمعة ونتمايل غنجا وسحرا مع صوت المطرب الحلَبيّ المتفرد صباح فخري الذي يذهب بنا بعيدا الى مدارج الطرب العليا ويقعدنا في محفل السلطنة الوثير حتى اذا قربت الساعة منتصف الليل اهرول الى موقف آخر حافلة حمراء ذات الطابقين لتقلّني الى بيتنا في احد الضواحي البعيدة عن مركز بغداد وأنسى انني قد أوقفتُ سيارتي عند مرآب سفح دجلة من جهة الكرخ
أتراني احلم ياقارئي العزيز !!، وما الضير في ذلك لو حلمتُ اذا كان الواقع المعاش مريرا ؟؟ والحياة البهيجة الممتعة التي عشناها قبلاً قد وضعت اوزارها وانصرفت عنا الى غير رجعة ومانراه الان من خراب وتدمير لمعالمنا الزاهية يحتّم علينا ان نسترجع ذلك الالق الوضّاء في ذاكرتنا بين آنٍ وآخر. فالحلم صديق يلازمك مثل ظلّك بينما يغادر الاحبّة الاخرون وتختفي الاماكن الجميلة العالقة في الذاكرة ، كما انّ الحلم هو آخر من يرحل من الاصدقاء فدعوني اصحبه قليلا في جولتي قبل ان يغادرني ويلّوح بيديه مودّعاً
ربما ألتقيكم في فسحة اخرى ونجول في معالم اخرى لبغداد الضائعة في ركام الانقاض والنفايات العائمة في الشوارع والاهمال المتعمّد لأضرحتها الثقافية وأماكنها الاثرية الخالدة في ذاكرتنا الفردية والجمعية لنستعيدها مرّة ثانية في الذاكرة لو طاوعني قلمي وقبِلَ ان يصحبني معه ويرضى مرافقتي ونزور اماكن جميلة اخرى ونخطو بأقدامنا ولو بين الحطام المتناثر في كل زاوية من شوارع بغداد
[email protected]
- آخر تحديث :
فسحةٌ سريعةٌ جداً في قلبِ بغداد

-
















التعليقات