&

"إن الحياة وقفة عز فقط"
أنطون سعادة&
&
يُقال بأن السياسي أو المناضل الذي لا وقفات شموخٍ وعزٍ لديه، مثله مثل أي شخصٍ عابر ما من شاخصةٍ مشرفة تدل عليه، هذا إذا كان السياسي رجلاً فكيف الحال مع المرأة التي قلما تقدر على رسم صورتها الشامخة على جدران العقول البطريركية، مع ما من صعوبة الحفر الانثوي في مخيلة الذكور، إلا أن الحياة لا تخلو من الاستثناءات النسائية في كل زمانٍ ومكان، ومن خلال الاطلاع على المسيرة الحياتية لبعضهن نرى بأن مواقف العز لدى المناضلة ليلى زانا كثيرة، ولم يكن قَسمها باللغة الكردية بخلاف الدستور التركي آخر مواقفها المشرفة، إذ أنها من قبلُ كان قد حُكم عليها بالحبس مدة خمسة عشر عاماً، أمضت منها عشر سنوات في السجن، وذلك بسبب تحدثها باللغة الكردية أيضاً في البرلمان التركي عام 1991، وها هي بعد 15 سنة تعود المناضلة نفسها مجدداً الى البرلمان التركي وتؤدي القسم باللغة التي أودعت بسببها السجن عشر سنوات.&
&
وقد حرصت الناشطة الكردية ليلى زانا، على التحدث بلغتها الأم التي تمنعها السلطات التركية وذلك في يوم الثلاثاء الماضي خلال أداء اليمين القانونية لشغل مقعدها في برلمان دولة تركيا عن حزب الشعوب الديمقراطي، مع العلم أن الخطوة نفسها كانت قد تسببت بسجنها قبل أكثر من 3 عقود، حيث أطُلق سراحها من السجن المغلق بمدينة أنقرة في 8 يونيو عام 2004.
&
والجدير بالتقدير في مواقفها السابقة واللاحقة أنها لم تتزحزح عما كانت تؤمن به منذ ثلاثة عقود، بالرغم من أنها كانت قد دفعت ثمن موقفها التي ساقت المناضلة الى الأسر وانقضاء عشر سنوات من عمرها في السجن، إذ أنها في مراسم أداء اليمين الدستورية بدأت المرشحة لجائزة نوبل للسلام ليلى زانا، قسمها بقول "مع أمل سلام مشرف ودائم" وذلك باللغة الكردية التي اعتقلت بسببها في السابق.
&
أما الجديد في خطابها يوم هذه المرة هو أنها ختمت القَسم بالقول "لشعب تركيا" عِوضا عن "الشعب التركي"، وأكد ممثل من مكتبها أنها كانت تهدف من وراء هذه الخطوة إلى زيادة الوعي بالصراع القديم الجديد بين أنقرة والكرد، والاصرار على أن تركيا تتألف من شعوب وليس من شعب واحد كما يحلو للكماليين تصوره.
&
وبكونها تجرعت مرارة الاعتقال فقد تعلمت زانا الإصرار والتحدي وعدم المساومة على الثوابت، وها هي تعود مجدداً الى البرلمان وتعيد الكرة من جديد، وبكل جرأة تقسم اليمين بلغتها الممنوعة، وتنادي بتحقيق السلام وإيقاف الحرب، لتكون بذلك واحدة من أيقونات النضال في تركيا، وحين رفض رئيس البرلمان التركي دينيز بايكال قسمها وطلب منها لأكثر من مرة العودة إلى المنصة لأداء الصياغة الرسمية للقسم باللغة التركية، ردت بأنها تؤدي هذا القسم من أجل حياة كريمة والسلام والحرية، ومن ثم غادرت القاعة محدثةً خلفها ضجة مدوية تحت قبة البرلمان، ومن غير أن يجرؤ أي رجلٍ من زملائها أي من نواب حزب الشعوب الديمقراطية اقتفاء أثرها في الجرأة والحزم والموقف الشجاع.
&
وختاماً نود تذكير القارئ بمفارقة غريبة بعض الشيء بين هذه المرأة المناضلة التي لم تتزحزح عما تؤمن به وتعمل لأجله رغم سنوات سجنها العشر، وبين عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني الذي لا يزال ماكثاً في سجن إمرالي، والذي قدّم من قبلُ التنازلات مراراً لإنقاذ ذاته من القصاص التركي، معلناً من سجنه ولأكثر من مرة بوقف الحرب والعمليات العسكرية من طرفٍ واحد، علماً أن الجانب التركي لم يقدم من جانبه أية تنازلاتٍ تذكر، كما أنه سبق ولأوجلان إصدار أوامره الى قيادة قنديل بالانسحاب من كردستان تركيا، بل وهو الذي بعد ساعاتٍ قليلة من اعتقاله راح يتوسل للسجان، ومن باب التودد يقول بأن والدته تركية، ويُعلن على الملأ اعتذاره من أمهات جنود الأتراك الذين قضوا في قتالهم مع عناصر حزبه، طبعاً من غير أن يقر الجيش التركي بأية جريمة من جرائمه في كردستان، أو يعتذر أي مسؤول تركي عن تلك الانتهاكات والجرائم!
&