كنت استمع لإذاعة القرآن الكريم في إحدى الدول الخليجية، عندما سأل احد المستمعين رجل الدين الذي إستضافته الإذاعة في حلقة ذلك اليوم، قائلا: شيخنا الفاضل، لماذا تزعمون انه لا يدخل الجنة العلماء والمفكرون والمخترعون غير المسلمين، وهم كما تعلم ويعلم الجميع قد قدموا الى البشرية خدمة جليلة بفضل اكتشافاتهم واختراعاتهم وفكرهم؟ الا يعتبر هذا ظلما؟، والله سبحانه وتعالى منزها عن الظلم.

رد الشيخ -لا فض فوه - مجاوبا على السؤال قائلا: ما لهم في الآخرة من نصيب. نعم لا يدخلون الجنة، لأن كل هذه الاكتشافات والاختراعات والأفكار التي انجزوها لم تكن بهدف إرضاء الله في الدنيا، وطلب الجزاء والإحسان منه في الآخرة، بل لأهداف شخصية، بعضهم يريد جني المال، والبعض الآخر يسعى الى الجاه والشهرة، والله يرزقهم المال ويحقق لهم الجاه والشهرة في الدنيا تعويضا لهم عن الآخرة.&

أقول لهذا الشيخ وأمثاله ممن لا يعلمون شيئا عن حياة هؤلاء الأشخاص، ان هؤلاء العلماء والمفكرون والمخترعون القابعون في مكتباتهم ومختبراتهم ومصانعهم، يعملون لأكثر من 12 ساعة في اليوم، لا يعرفهم اغلب الناس في بلدانهم. أما المردود المالي الذي يحصلون عليه يعتبر رمزيا اذا ما قورن بما يحصل عليه الرياضيين والفنانيين والرؤساء التنفيذيين للشركات والمؤسسات المالية الكبرى وغيرهم. هؤلاء لا يعملون ويبذلون هذا الجهد الجبار من اجل الحصول على المال او الجاه والشهرة، بل من اجل تحقيق اهدافهم الانسانية النبيلة التي يؤمنون بها، وهي خدمة البشرية وتخفيف الآم الانسان وتنوير فكره، وقد تتعرض حياة بعضهم للخطر خصوصا الأطباء الذين يعملون في المختبرات الطبية. وحتى أثبت صحة كلامي هذا، اسأل: من منا يذكر اسماء الحائزين على جوائز نوبل لهذا العام أو الأعوام السابقة؟&

نترك العلماء والمفكرون والمخترعون، ونعرج على الأثرياء غير المسلمين الذين ليسوا بحاجة الى المال والجاه والشهرة التي يمتلكونها. ها هو مؤسس موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) "مارك زوكربيرغ" الذي يبلغ من العمر 31 عاما فقط، يعلن وزوجته "تشان" التبرع بنسبة 99% من حصتهما في أسهم فيسبوك التي تبلغ قيمتها السوقية حاليا نحو 45 مليار دولار لصالح مؤسسة خيرية تعمل على تحسين الإمكانيات البشرية وتعزيز المساواة، وذلك كهدية ولادة ابنتهما "ماكس" التي رزقا بها قبل ايام.

"زوكربيرغ" هذا، سار على خطى أربعين مليارديرا أمريكيا، قرروا في شهر اغسطس من العام 2010م التبرع بنصف ثرواتهم للعمل الخيري ومساعدة الفقراء. قرارهم جاء استجابة لحملة بإسم "تعهد العطاء" اطلقها وقتها "وارن بافيت" مع مؤسس شركة مايكروسوفت "بيل جيتس" وزوجته "ميليندا" لاقناع اغنى اثرياء الولايات المتحدة بالتبرع بـ 50% من ثرواتهم لقضايا متعددة تساعد على تحسين اوضاع العالم.&

قدرحجم الأموال التي ستذهب لأعمال الخير وقتها بحوالي 600 مليار دولار، تم استثمارها لغرض محاربة الأمراض في دول العالم الثالث، وتأمين فرص العمل، وتخفيف معاناة الأطفال، وتحسين اوضاع المدارس التي يتلقون فيها العلم لتخليصهم من شبح الأمية القاتل. وأن تلك الأموال استثمرت في عمل مؤسساتي منظم ومراقب تكفل له النمو والاستمرارية، بحيث يمتد اثره ليشمل اكبر شريحة من الناس في اماكن متفرقة من العالم، من دون تمييز على أسس دينية او عرقية او إثنية.

وفي هذه العجالة يتوجب علينا ان نذكر بعض الكلمات الجميلة التي عبر بها عن شعورهم وقتها بعض اولئك المتبرعين. فهذا "مايكل بلومبيرج" يقول: "اذا كنت تريد ان تفعل شيئا لأولادك وتظهر لهم كم تحبهم، الأمر الأفضل ان تقوم به هو دعم مؤسسة تجعل العالم افضل لهم ولأبنائهم". أما "جورج لوكاس" فيقول: "سأقدم معظم ثروتي لدعم التعليم، لأن التعليم مفتاح الحياة للبشرية". أما "بيير وبام أوفيدار" فقد قالا في رسالتهما: "إننا نملك اكثر مما تحتاج اليه عائلتانا، وليس هناك ما يستدعي الجلوس على كل هذه الأموال بدلا من توظيفها لأعمال خيرية اليوم". أما "وارن بافيت" فقد قال: "ان الثروات الطائلة التي يتدفق جانب ضخم منها من جيوب افراد المجتمع الى خزائن الأثرياء، يجب ان يتدفق جانب ضخم منها ايضا في الاتجاه المعاكس لصالح المجتمع". هذه ليست كلمات جميلة فقط، بل حكم وعبر نطق بها اشخاص ذو عقول مستنيرة وأنفس كريمة.&

اتساءل هنا، اذا لم يدخل الجنة هؤلاء، وهم بفضل الله وتوفيقه، وجهدهم الشخصي وصبرهم ونكرانهم لذواتهم، بعضهم انقذ البشرية من امراض واوبئة كانت تفتك بالبشر لعشرات بل ربما لمئات السنين، والبعض الآخر توصل الى اختراعات كثيرة سهلت الحياة وجعلتها اكثر متعة للانسان، وآخرين كشفوا كثيرا من عجائب هذا الكون ليبرهنوا للناس عظمة الخالق. اذا لم يدخل الجنة هؤلاء وامثالهم، اذا من يدخلها؟ الأثرياء المسلمين (عرب وغير عرب)، الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، ام من احترفوا قطع الرؤوس، وسحل الجثث وصلبها، وحرق الناس أحياء، وسبي النساء وبيعهم في سوق النخاسة، وتدمير آثار الحضارات الانسانية.&

المسلمون على اختلاف مذاهبهم لا يعتقدون انه سيدخل الجنة كل المسلمين، الفرقة الناجية فقط هي التي ستدخل الجنة، وكل فرقة تعتقد انها هي الفرقة الناجية. اذا كان هذا اعتقادهم في من يشاركهم في اصول دينهم ويختلف معهم في الفروع، فكيف يقبلون ان يدخل الجنة من يخالفهم دينهم بأكمله؟ هذا الاعتقاد مبني على الحديث الذين يروونه عن الرسول (ص): قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم؟ قال الجماعة".

هذا الحديث بلا شك موضوع ولا سند له، وافتراء على الرسول (ص). الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: "وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين". هل من المعقول ان جنة بهذا الحجم الهائل الذي لا يعلمه الله قد خلقت لفرقة واحدة؟ لقد صدق الشاعر العربي حين قال: "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".

&