فى التاريخ الحديث مجزرتان داميتان بعد الحرب العالمية الثانية.. الأولى فى البوسنة والهرسك وأرتكبها الصرب وخاصة فى سربنيتشا.. والثانية فى سوريا الجميلة التى راح ضحيتها حتى الآن ما يقرب من 350 ألف قتيل وأكثر من مليون جريح ومعوق ناهيك عن 5 ملايين لاجىء و7 ملايين نازح منهم مليونان فى مصر.. لكن الفرق بين مأساة يوغسلافيا السابقة وتراجيديا سوريا الحالية أن الأولى أمكن حلها سياسيا بتقسيمها الى ثلاث دول حظيت بإعتراف عالمى من المجتمع الدولى وهى صربيا والبوسنة والجبل الأسود.. دمشق لن تحظى بهذه الرفاهية.. فلا النظام القائم لبشار وحكومته يستطيع التحدث عن إنتصار حتى ولو زائف.. ولا المعارضة يمكن أن تزعم إنتصارها رغم سيطرتها على عدد لا يستهان به من المدن والأراضى السورية، لكنه لم يسقط بعد.. ويبدو أنه لن يسقط..

لن يقبل بشار بأى حل سياسى ولو تحولت سورية الى رماد وسكانها الى هياكل لأنه يعرف أن الفرصة التى سنحت لوالده الإستيلاء على السلطة لن تتكرر أبدا مهما كانت الظروف لذلك لن يترك منصبه طالما هناك من يمده بالسلاح والمال – إيران وروسيا – ولن يتركوه وحيدا ابدا فإيران تخصص لبشار المال وبوتين يقبض ويرسل السلاح وعناصر حزب الله والعراق موجودة فلماذا يذهب الى الحل السياسى ولو استمرت الحرب مائة عام وقادها بعده حافظ الجديد وهذا هو الواقع واكتبوا مرة أخرى على هذا الأساس وإلا لن تصلوا لحل..

المشكلة فى سوريا الى جانب هول المأساة الإنسانية والإقتصادية والحاجة الى 350 مليار دولار لإعادة سوريا الى ما كانت عليه، أن قوى المعارضة التى إنطلقت فى فبراير 2011 تطالب بالديموقراطية والتعددية والإبقاء على سوريا موحدة، دخلت الآن فى مواجهة مع قوى تكفيرية معادية للديموقراطية ومناصرة لتقسيم سوريا.. هذه القوى التكفيرية ( داعش والنصرة وغيرها ) لا تحترم وطنا أو سيادة أو قانون.. لا تعترف بمن يخالفها.. والمصيبة أن السوريين الذين نجحوا فى التخلص من نظام بشار فى بعض المناطق، وجدوا نفسهم وجها لوجه مع التكفيريين.. أصبحوا كالمستجير من الرمضاء بالنار..

المشكلة الآن أن خيار السلام أصعب من خيار الحرب.. فالحرب لم تؤد الى إنتصار ولا حتى هزيمة.. سوريا أصبحت طبق ( تبولة ) لا يمكن أن تنزع منه جزء فيفسد الطعم والمذاق.. النظام الإقليمى والعالمى الذى كان يؤيد المعارضة فى البداية، ادار ظهره لها الآن وغير لغة خطابه واصبح يتحدث عن حفظ مؤسسات الدولة السورية والعسكرية والإدارية وأن يحترم سلامة مكوناتها وحقوقها.. حتى الدول العربية التى دعمت المعارضة السورية أصبح صوتها الآن خافتا فهى لا يمكنها إنكار أن داعش والنصره وامثالهما أخطر عليهم من الأسد المتحالف مع إيران..

( الأسد إنتهى )

المشكلة أن سوريا المستقبل لا تملك حق تقرير المصير لنفسها.. اللاعبون الإقليميون والدوليون نزعوا القرار من يد نظام بشار ومعارضيه.. لن ينتصر طرف على اخر.. المظلة المقترحة لا إنتصار.. ولا هزيمة.. من ثم فالحل بالتسوية والتوافق والتفاوض.. سوريا التى كانت لاعبا إقليميا فى ملفات الشرق الأوسط.. وحظيت بصداقة العدوين اللدودين تركيا وإيران.. تحولت الآن لملعب للمقاتلين الأجانب.. روسيا وإيران لا يستطيعان الزعم بأن بشار إنتصر لأنه لم يسقط.. كل ما يمكنهم تحقيقة له هو مقعد على طاولة التفاوض والخروج الآمن وعدم تقديمة لمحاكمة دولية.. لا أحد يستطيع إنكار أن بشار يحارب أكثرية سنية واقلية كردية وأن العلويين الذين ينتمى إليهم يمثلون نسبة ضئيلة.. لن تتمكن سوريا من الحصول على حل سلمى بعد المذابح مثلما فعلت البوسنة.. لن يرضى اللاجئون والنازحون والذين توفى أقاربهم فى زوارق الموت فرارا من حصد الأرواح أن يحصلوا على نصف حل!!&

( رأى آخر )

غير أن هناك رأيا آخر يقول أن خيار الإبقاء على الأسد أفضل من مستقبل مجهول تتحكم به داعش والنصرة.. إن العالم يعيش اليوم ويلات التدمير الداعشى والنصرة وإن جميع أبناء سوريا من المعارضة والموالون مدعوون اليوم الى الإلتفاف حول قيادتهم الشرعية فى سوريا.. حكومة جاءت بالإنتخابات أعنى بشار الأسد ولا داعى لسفك الدماء.. انظروا لحال ليبيا ومصر والعراق وتونس واليمن.. الجميع يسعى للديموقراطية والسلام وهذا الأمر لا يأتى من الدماء والتدمير الداعشى بل عن طريق صناديق الإنتخابات التى لا تؤمن بها داعش والنصرة والحر وكتائب العشرين.. فالشعار الذى رفعه الشعب السورى فى المظاهرات السلمية إسقاط النظام فى بداية الثورة ما زال سارى المفعول برغم كل محاولات النظام وداعميه فى خلط الاوراق وإدخال الطائفية والإرهاب للمشهد.. ما قالته الجهات الداعمة للمعارضة وأمريكا محسوبة من تلك الجهات ولسنا راضين عن معظمها: بدلا من إسقاط النظام عسكريا الذى يمكن ان يؤدى لإسقاط الدولة ومؤسساتها يمكن إسقاطة من خلال إنتقال سياسى كما فى جنيف 1 مع الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، بمعنى اخر بدلا من إسقاطه فورا عسكريا بالضربة القاضية يمكن إسقاطه من خلال فترة إنتقال سياسى بالنقط إذا ما استخدمنا لغة الملاكمة.. وهذا يعتبر نصر للثورة بكل المعايير لأنه سيؤدى للحرية والكرامة التى نادى بها الشعب..

وفى النهاية نقول.. لك الله يا سوريا.

&

رئيس تحريرالجمهورية القاهرية سابقا

&