قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يبدو أن ما يحدث من مد وجزر على امتداد الخارطة السورية له تأثير مباشر ليس على القابع في قاسيون وأزلامه فقط، إنما كذلك يؤثر حتى على الجاثمين في صوامع قم، وباعتبار أن حليف طهران في دمشق غدا في الفترة الأخيرة كالزئبق يتمايل يميناً ويسارا بفضل تقدم قوات المعارضة، وسيطرتها على مدنٍ بأكملها مثل ادلب وأريحا وجسر الشغور، لذا راحت مواقف السياسيين والمسؤولين الايرانيين أيضاً بموازاة تصريحات مسؤولي النظام السوري تتأرجح مع رياح المستجدات على الأرض السورية.

عموماً فإذا ما وضعنا جانباً ما تم نقله على لسان صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن أن إيران تستعد لإعلان الوصاية الكاملة على سوريا، وفرض الحماية على دمشق ورئيس النظام السوري فيها، فقد سبق ونفى أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني محسن رضائي في السابع من الشهر الحالي، إرسال قوات إيرانية إلى سوريا، بل وراح يؤكد أن مساعدات إيران إلى دول المنطقة هي بمثابة مساعدات إنسانية واستشارية، وذلك في تصريح للصحفيين عقب انتهاء اجتماع مجمع تشخيص مصلحة النظام، كَرَدٍ على سؤالٍ وُجه إليه حول مجمل ما تتناقله وسائل الإعلام عن أن إيران تريد إرسال قوات إلى سوريا وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، ليجيب السيد رضائي بأن مثل هذا الموضوع لم يتم مناقشته من قبل المسؤولين الإيرانيين مطلقاً، مضيفاً بأن سياسة إيران تجاه سوريا كانت واضحة منذ البداية فمساعداتنا إلى دول المنطقة هي مساعدات إنسانية واستشارية حسب قوله، فتمعنوا بتصريح المسؤول الإيراني بقوله إنسانية واستشارية، إذ يبدو أن الميليشيات الإيرانية التي تقاتل الشعب السوري بجانب النظام الأسدي، وكأنهم كانوا عبارة عن عمال إغاثة أو مؤسسات إنسانية أو أن نشاطهم كان يندرج ضمن الأعمال والحملات التبشيرية لبعض المؤمنين، بل والسيد رضائي يصر على قوله بأنه لم يتم بحث إرسال إيران لأية مساعدات مباشرة أو قوات مباشرة إلى أحد الدول بما فيها سوريا من قبل الأجهزة المسؤولة، فهذا ما صرح به محسن رضائي المسؤول عن مجمع تشخيص مصلحة نظام الملالي.

وبينما لم تمر على تصريح رضائي أيام معدودة حتى جاء حديث مسؤول إيراني آخر مناقضاً تماماً لأقوال الأول، ألا وهو مساعد وزير الخارجية الايراني حسين أمير عبداللهيان القائل يوم أمس بأنه لم يطرأ أي تغيير على سياسة ايران تجاه سوريا، وبأن دعم طهران لدمشق يرتكز على رؤية استراتيجية وليست مناورة تكتيكية، وآن سياسة ايران ازاء سوريا لم تتغير، وذلك في حديث لوكالة أنباء فارس منذ يومين، والذي رأى من خلاله بأن رأس النظام السوري يؤدي دوراً هاماً في الوحدة الوطنية في سوريا حسب قول عبداللهيان.

والغريب في تصريح عبداللهيان قوله بأن إعادة استخدام الاساليب العسكرية والامنية الخاطئة في سوريا خطأ استراتيجي وهو انتهاك لحقوق الشعب السوري، فـ: عبداللهيان صار يتحدث عن الانتهاكات بعدما ارتكبت المليشيات التابعة لدولته في سوريا أفظع الجرائم بحق الشعب السوري، والمفارقة أنه وبعد تتالي الضربات الموجعة التي تلقتها قوات النظام الاسدي في الفترة الأخيرة، راح السيد عبداللهيان يتحدث عن المعارضة التي تؤمن بالحوار السياسي، والتي سماها بالمستقلة، ولا يبين السيد عبداللهيان نوع والشروط المطلوبة من المعارضين ليكونوا مستقلين، ثم هو لا يحدِّد كنه المعارضين المستقلين، فهل هم مستقلين عن النظام أم عن المعارضة نفسها؟ ويبدو أن المستقلين الذين يعوّل عليهم عبداللهيان هم الذين لا يهمهم شيء سوى الوصول الى سدة الحكم في سوريا اللاحقة، واستلام المناصب ولو ساروا على أشلاء وآلام وأوجاع ملايين السوريين، تلك هي ربما المعارضة المستقلة التي يبحث عنها عبداللهيان والتي ستحظى حينها بالاهتمام من قبل طهران ودمشق وحلفائهما معاً.

وطبعاً بخلاف أمين مَجمع نظام الملالي محسن رضائي، فلا يزال السيد عبداللهيان يتعامل مع السوريين وبيده العصا والجزرة، لذا فإن كانت المعارضة المستقلة ستطابق توجهات طهران ورغباتها فلربما ستحظى حينها تلك المعارضة بالاهتمام من قِبل طهران ودمشق، وقد يتم وقتها بحث الحلول السياسية والحوار الوطني الشامل، أما إذا كانت المعارضة مع مطالب الشعب السوري ومصرة على رحيل الأسد مع الحرص على اقتلاع جذور نظامه الآثم من أساسه، فحينها ستستخدم ايران هرواناتها الموجودة أصلاً في سوريا أي ميلشياتها المتعددة والمنتشرة في أكثر من بقعةٍ جغرافية على امتدار أراضيها، والتأكيد مجدداً بأنه لم يطرأ أي تغيير بالسياسة الايرانية الصائبة حسب قول عبداللهيان تجاه سوريا من خلال دعمها اللامحدود لرئيسها حتى النهاية.

لذا ونحن أمام هذه الزئبقية فمن المحتمل جداً أن تغيير إيران بمواقفها الى أبعد مما صرّحت به من خلال مسؤوليها، وذلك كلما اقتربت قوات المعارضة بمختلف اتجاهاتها من المدن الاستراتيجية، أو توجهوا بكامل قواتهم نحو تخوم الساحل السوري، حينها ربما يتخلى عبداللهيان كلياً عن عصاه التي لم تنفع رغم كل الدعم المادي والمعنوي لمن يقومون بمهمة العصا من الميليشيات والمرتزقة التابعة والعاملة هناك نيابة عن حكومته، وربما تنتهي حينها والى الأبد لعبة التأرجح بين المواقف المتضادة لمسؤوليها السياسيين والعسكريين على حدٍ سواء.