&
لدينا في أستراليا ركائز هي الأكثر قدماً للمساواة والتعددية الثقافية التي بإمكانها أن توجّهنا عبر العقود المقبلة، فما من شك إننا نمرّ عبر منعطف لم يسبق له مثيل من التحوّلات و التهديدات الجسيمة والتي من شأنها، &أن تقرّر مصير الجنس البشري.
&نظام المعرفة الإجتماعي المحلّي الذي اجتاز اختبار الزمن، والذي يعتمد التعدّدية الثقافية و إرساء التوازن الإجتماعي للسكان الأصليين (الأبوريجنال) و مئات لهجاتهم ولغاتهم ومختلف ممارساتهم الثقافية في أرجاء القارة على مدى &60,000 عام أو ربما &80,000 عام، يظهر لنا أن التعدّد الثقافي كان و ما يزال مؤشّراً أساسيّاً على قوّة و مرونة و عافية الحال الإجتماعي لشعوب هذه القارّة.
&ولكي نحقّق النجاح في عملية مواجهة التحديات غير المسبوقة لعائلتنا البشرية يجب أن نعيش قيم الإحترام و الإقرار بالصوابيات &المتنوّعة ومبدأ المسؤولية المتبادلة لدى &نظام المعرفة الإجتماعي المحلي. هذه المعرفة توفّر لنا ممرّاً منيراً نحو عظمتنا المستقبليّة كأمّة بحيث أنني أؤمن أن تعدّدية ثقافية صادقة ومزدهرة ترتكز على فهم إجتماعي محلي ستتجلى كأحدى أهم و أفضل ميزاتنا.
لا ينبغي الخوف من التنوّع. لقد شاهدت جماليته كطفل عندما عشت لفترة من الوقت في جزيرة بينانغ محاطاً بالمالاي والصينيين و الهنود و الإندونيسيين ومجموعِ الإعتقادات و الممارسات الثقافية المنظّمة، حيث تفتّحت عيناي واسعة على جمالية وإبداعية الإختلاف. &
&هناك طبقات متعدّدة للإبداع ولحلِّ المشاكل وعلينا كبشر الإحتفال بهذه الإختلافات والإعتراف بها كجزء أساسي من التعلّم الجماعي الذي يدفع بحضارتنا نحو التقدّم مقرّين أن هذه الإختلافات هي أحد مكونات عافية و استمرارية العائلة البشرية.
ومن خلال تجوالي حول العالم كصحفي لمدة خمسين سنة، لاحظت أن التنوّع الخلاّق هو أساسي لعافية الحياة على الأرض. هناك العديد من الأسباب التي تدعو للإعتقاد بأن قبول التنوّع والتعاون ضمن عائلتنا البشرية الموسّعة هو جزء أساسي من عملية مواجهة تلك التحدّيات الحاسمة التي هي على مستوى من الخطورة لدرجة يمكنها أن تهدّد بقاء البشرية في القرن الحالي.
&يتوجّب علينا تجاوز عدد من القضايا المفصلية. فالإنفجار في التعداد السكاني من بليون نسمة إلى سبعة بلايين نسمة خلال 200 سنة فقط كان شاهداً على أن جنسنا البشري يستغلّ نصف اليابسة ونصف المياه العذبة. وحوالي بليون و 200 ألف نسمة يعيشون في مناطق تعاني من شحّ المياه والصراع من أجل المياه قد بدأ بالفعل. إنّ خسارة كمّيّة كبرى من التربة، بمعدل ستة كيلوغرامات من التربة مقابل كلّ كيلوغرام واحد من الغذاء الذي نأكله، وتلويث المحيطات، وإبادة نصف الحاجز المرجاني العظيم (Great Barrier Reef) و الإفراط في صيد الأسماك من ثلاثة أرباع المحيطات، هي مؤشرات على أنه بالرغم من عقلانيتنا في الحصول على مواردنا، فإننا بصدد خطر أزمة غذائية شديدة في المستقبل القريب. فكّروا بما سيلوح في الأفق عندما يبلغ مجموع سكان العالم 8 بليون نسمة في سنة 2025 وحوالي 9 بلايين نسمة في سنة 2050.
وبموجب حسابات أجراها العالم الطبيعي نورمان مايرز (Norman Myers) فقد تبين أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية استهلكنا من المواد الخام أكثر من كلّ أجدادنا مجتمعين. و عملية تدميرنا لبيئات الحيوان و النبات و أجناس أخرى &بمعدل ألف مرّة أكبر من وتيرتها في الماضي، نحن البشر &الأكثر افتراساً وفتكاً نقوم بما يسميه ريشارد ليكي (Richard Leakey) بالقضاء الشامل السادس على الأجناس، فمن بين 10,000 نوع من الطيور & &حوالي 7000 مهدّدة بالإنقراض ومن بين 250,000 نوع من النباتات فإنّ 50,000 نوع منها سيختفي خلال العقود القليلة القادمة، و نسبة الثلث من كلّ الأجناس المعروفة يمكن أن تنقرض قبل نهاية القرن الحالي. إنّ التنوّع الحيوي هو الذي يوفّر لنا ما نأكل وما نشرب و نتنفّس و هكذا فإنّنا بالواقع نقضي على منظومة بقائنا على قيد الحياة.
إنّ إدماننا على استخدام طاقة الوقود الأحفوري (fossil fuel energy) هي مشكلة على درجة غير عادية من التعقيد. و مؤتمر باريس بشأن ارتفاع درجة الحرارة على مستوى العالم كشف حجم الصعوبة التي نواجهها ونحن نتعامل مع هذا التهديد الجديد للحياة كما نعرفها. هل بإمكاننا خط نهج أكثر توحّداً وخصوصاً من قبل الدول المتطوّرة والغنية و تفهم ظروف أفقر دول العالم النامية؟. إنّ ضخ أكثر من ثمانية بلايين طن من الكاربون في الفضاء كل سنة أدى إلى حبس كمية حرارة في الجو تعادل حرارة 400,000 قنبلة ذرية يوميّاً. بعضُ المضاعفات الطويلة الأمد هي على مستوى من الشدّة لدرجة تجعل عملية وضع مجسّم لها عن طريق الكومبيوتر أمراً مجهداً. و أيضاً لا ننسى ما يحصل أمام أعيننا من نزوح وهجرة عبر الحدود بمعدلات هائلة لم يشهدها تاريخ البشرية.
هذه التهديدات &لجنسنا البشري تحديداً، يمكن التعامل معها والتغلّب عليها عبر التعلّم و التفهّم والتعاون واتّخاذ الإجراءات جماعيّاً. ففي أستراليا يجب علينا أن نرى أننا جزء من الصورة الكبيرة، وأن نكون جزءاً من الحلّ، و أن نقوم بدورنا ضمن العائلة البشرية. هل نقبل التنوّع والتآخي والتماسك من أجل حلّ ومواجهة التحديات أم نتقهقر إلى كيان محدود خائف لا يأبه بغير مصلحته الذاتية، وبالتالي يؤدي لانهيار الجنس البشري؟.&
إذا نظرنا إلى الصورة الكبيرة، فسيكون بإمكاننا أيضأً رؤية أولويات هامة محلية. إين "جمهوريتنا" الأستراليّة التي تعكس تنوّعنا وتعدّد الثقافات فيها كخليط من الناس أتوا من كلّ بقاع العالم؟. أين معاهدات الإقرار بحقوق الأبوريجنال أوّل شعوب أستراليا الذين هم آخر من يسمعهم أحد؟ أين البرامج الإجتماعيّة الكبيرة لإنهاء الفقر في البلاد، وإشراك الجميع بحقوق السكن والطبابة والتعليم لإعادة العافية الإجتماعية لأقدم الثقافات المتواصلة في الأرض الأستراليّة، للأبوريجنال، لشعبنا الأول (our First People)؟&
ستكون مفاجأة للكثيرين حول العالم أن يكتشفوا أن أستراليا هي الدولة الوحيدة التي تتّبع سياسة الإحتجاز الإلزامي لطالبي اللجوء وتحتجز الذين خضعوا للتعذيب في بلدان أخرى وتستعمل الغاز المسيل للدموع ضدّ الأطفال ألابوريجنال في معتقلات الأحداث، ستكون صدمة للعالم أن يعرف أن ستين بالمئة من الشبيبة في السجون هم أولاد الأبوريجينال، وسبعة و تسعين بالمئة منهم يقطنون في المقاطعة الشمالية حيث يمكن أن تمضي أسابيع في السجن لسرقة قلم رصاص وبضع أوراق.
&عندما يعلن الصحافيون الحقيقة مبينين كيف أصبحنا في أستراليا عديمي التأثّر بمصير بعض أولادنا خصوصاً أولئك الذين توجد في صفوفهم واحدة من أعلى معدّلات الإنتحار في العالم، هل سيكون لدينا عندئذٍ فرصة لإجراء تغييرات نحن بأمس الحاجة إليها. لو لم يقم البعض بجهد شاق من أجل كسر جدار السرّية لدى الحكومة فإن أكثر الأستراليين لم يكونوا &ليعلموا أنه ما يزال هناك أطفال لاجئين بأشكال مختلفة في مراكز إحتجاز أسترالية. &هل كان بإمكاننا أن نعلم عن حالات إغتصاب لطالبات لجوء لولا التحقيقات من قبل الصحفيين لرفع غطاء السرّية الغير &مشرِّفة بشأن دور أستراليا في هذه القسوة؟ يجب علينا كإعلاميين، أن نتحدّى النفاق و الخداع القانوني وخصوصاً عندما تتظاهر الحكومة بأنه لا مسؤولية عليها فيما يتعلق بالإحتجاز الطويل والمرهق لطالبي اللجوء عبر عملية احتجاز في مراكز تدار من قبل مؤسّسات تجارية ساهم الأستراليّون جميعاً بإيجادها.
فلا يمكنك أن تدفع من أموال دافعي الضرائب لإقامة تلك المراكز المحاطة بالأسلاك الشائكة والتهرّب و الإدّعاء أن لا دم &على يديك عندما تحصل إراقة للدماء. الأسلاك الشائكة ومراقبة السواحل من خلال عقلية أستراليا – الحصن (Fortress Australia mentality) تؤدّي إلى عزل أستراليا عن الصورة الكبيرة. الحقيقة هي أنه، على رغم تاريخ أستراليا المشرف في مساعدة العالم بإقامة أفضل مؤسّسات حقوق الإنسان، والمساعدة بصياغة نصوص الكثير من المعاهدات الدولية، فقد قمنا بخرقها جميعاً في الداخل.
&لا أرى دوراً أهم &لصحفيي اليوم من أن يتحدّوا ويبحثوا ويكشفوا &بصبر &و إصرار، وأن يؤمنوا أن إيصال الحقيقة مهمّة مقدّسة، وإذّاك يمكن تسليط الضوء على أمور كثيرة تم أخفاؤها عنا.
إنّ التزام الصمت يعني التواطؤ مع الظلم، و لهذا فإننا نحتفل بقلب كبير بالكثير &من الصحفيين الذين يحملون لنا أصوات الحقيقة.
Jeff McMullen إعلامي أسترالي
ترجمة المهندس زهوت حبّ الله.
&















التعليقات