حين عقد الأديب الكبير "جورج جرداق " العزم على وضع كتاب عن الإمام علي، كتب الى اثنين من نوابغ العرب هما "جبران خليل جبران" و "ميخائيل نعيمة" يسألهما في الإمام.

قال جبران: "في عقيدتي ان إبن ابي طالب كان اول عربي لازم الروح الكلية وجاورها وسامرها، وهو اول عربي تناولت شفتاه صدى اغانيها على مسمع قوم لم يسمعوا بها من ذي قبل، فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم، فمن اعجب بها كان إعجابه موثوقا بالفطرة، ومن خاصمه كان من ابناء الجاهلية. مات الإمام علي شهيد عظمته، مات والصلاة بين شفتيه، مرت وفي قلبه الشوق الى ربه، ولم يعرف العرب حقيقة مقامه ومقداره حتى قام من جيرانهم الفرس أناس يدركون الفارق بين الجواهر والحصى.

مات قبل ان يبلغ العالم رسالته كاملة وافية، غير اني اتمثله مبتسما قبل ان يغمض عينيه عن هذه الارض. مات شأن جميع الأنبياء الباصرين الذين يأتون الى بلد ليس ببلدهم، والى قوم ليس بقومهم في زمن ليس بزمنهم، ولكن لربك شأنا في ذلك وهو اعلم".

أما ميخائيل نعيمة، فقال: "تسألني عن الإمام علي، كرم الله وجهه، ورأيي انه (من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم) سيد العرب على الاطلاق بلاغة وحكمة وتفهما للدين وتحمسا للحق وتساميا عن الدنايا. فأنا ما عرفت في كل من قرأت لهم من العرب رجلا دانت له اللغة مثلما دانت لإبن ابي طالب، سواء في عظاته الدينية وخطبه الحماسية ورسائله التوجيهية، او في تلك الشذور المقتضبة التي كان يطلقها من حين الى حين مشحونة بالحكم الزمنية والروحية، متوهجة ببوارق الإيمان الحي ومدركة من الجمال في البيان حد الإعجاز، فكأنما اللآلىء بلغت بها الطبيعة حد الكمال، وكأنه البحر يقذف بتلك اللآلىء دونما عنت او عناء.

ليس بين العرب من صفت بصيرته صفاء بصيرة الإمام علي، ولا من أوتي المقدرة في إقتناص الصور التي انعكست على بصيرته وعرضها في إطار من الروعة هو السحر الحلال. حتى سجعه، وهو كثير، يسطو عليك بألوانه وبموسيقاه ولا سطو القوافي التي تبدو كما لو انها هبطت على الشاعر من السماء، فهي ما اتخذت مكانها في اواخر الأبيات إلا لتقوم بمهمة يستحيل على غيرها القيام بها. إنها هناك لتقول اشياء لا تستطيع كلمات غيرها ان تقولها، كالغلق في القنطرة. إن عليا لمن عمالقة الفكر والروح والبيان في كل زمان ومكان".

أما الفيلسوف الانجليزي "توماس كارليل" الذي ما يكاد يأتي على ذكر الإمام علي في اسلامياته حتى تهزه الشخصية العلوية من اعماقه، ويندى قلمه من تلقاء ذاته ليتغنى ببطولات الإمام علي حتى ليشعر القارىء بأن صاحب هذا القلم هو من شيعة الإمام ومن انصاره. يقول "كارليل" في جملة ما يقول في كتابه "محمد المثل الأعلى": "أما علي فلا يسعنا إلا ان نحبه ونعشقه، فإنه فتى شريف القدر، عالي النفس يفيض وجدانه رحمة وبرا، ويتلظى فؤاده نجدة وحماسة. وكان أشجع من ليث ولكنها شجاعة ممزوجة برقة ولطف ورأفة وحنان، جدير بها فرسان الصليب في القرون الوسطى. وقد قتل بالكوفة غيلة، وانما جنى على نفسه بشدة

عدله حتى أنه حسب كل انسان عادلا مثله. وقال قبل موته لإبنه "الحسن" في شأن قاتله: إن أعش فالأمر لي وإن أمت فالأمر لكم، فإن آثرتم ان تقتصوا فضربة بضربة، وأن تعفوا فهو اقرب للتقوى".

ومن روائع "المتنبي" في الإمام علي، وقد عوتب في تركه مدحه، هذان البيتان اللذان يشهدان بما يضمر له من عاطفة الإعجاب، وبما في نفسه من إيمان بعبقريته:

وتركت مدحي للوصي تعمدا - إذ كان فضلا مستطيلا شاملا

وإذا إستطال الشيء قام بنفسه - وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

أما الشاعر "بولس سلامة" فيقول في الإمام علي بيتين من الشعر مقتديا بقول الرسول (ص) فيه: "انت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي"، وقوله: "انا مدينة العلم وعلي بابها".

وعلي مني كهارون من موسى – ولكن من النبوة عاطل

إنه الباب في مدينة علمي – وهو أتقى من شرف الأرض ناعل

وهكذا تشد العصور بعضها الى بعض لتجمع على حب الإمام علي وإجلاله.

المصدر: الإمام علي صوت العدالة الانسانية. "جورج جرداق".