قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تجاوزت وزارة الشؤون البلدية والقروية حد المبالغة في الرسم الواجب تحصيله نظير فاتورة المشتريات من المطاعم والمقاهي التي تقدم منتجات التبغ (الشيشة). إذ أن الوزارة لم تحصر مضاعفة قيمة المشتريات على مبيعات التبغ، بل شملت جميع المنتجات الأخرى التي تقدمها المطاعم والمقاهي بما فيها المشروبات والمأكولات، وقد يُضاف إلى هذا المبلغ رسوم الخدمة التي تفرضها بعض المطاعم والمقاهي خاصةً في الفنادق.

ولعل هدف الوزارة من خلف هذا الرسم الباهظ، هو الحد من تداول واستخدام منتجات التبغ، وهو هدف صحي نبيل، لكني لستُ متأكداً ما إذا كانت الوزارة قد استحضرت أثناء عملية بحث هذا الرسم الآثار الاقتصادية المباشرة والغير مباشرة. فهو يدور في حمى الجوانب الاقتصادية أكثر من صلته بالتوعية الصحية وحدها. وتبعاً لهذا الرسم الباهظ فإن الحد من انتشار واستعمال منتجات التبغ يُعد أثراً مباشراً وهدفاً بحد ذاته، لكن وعلى المدى البعيد، فإن إجمالي الخسائر المنطوية على ما يدفعه التاجر والمستهلك (للرسوم فقط) ومن ثم على أوجه الاقتصاد المتنوعة، تشكل أثراً بعيداً قد نغفل عن احتسابه نظراً لمحورية الأثر المباشر الذي تركز عليه الوزارة وتطمح إليه.

فإذا كان إجمالي مشتريات المستهلك الواحد (100ريال)، وعلى افتراض تقسيمها على النحو التالي: (40 ريال مقابل منتج التبغ، و 10ريال مقابل كوب قهوة)، فإنه سيدفع للمطعم أو المقهى (105 ريال) يذهب منها 50 ريال رسوم للوزارة، فيما يحصل مبلغ 5 ريال كضريبة للقيمة المضافة. وتبعاً لهذا السيناريو البسيط، فإن المستهلك (الواحد) يخسر 50 ريالاً كان من المفترض أن ينفقها في إطار احتياجاته على سلعة أو خدمة أخرى. بمعنى أن هناك منتجاً آخر أو خدمة قد خسر مبلغ 50 ريال نظراً لإنفاق هذا المستهلك لهذه الرسوم. ونقيس على ذلك إجمالي الرسوم التي سيدفعها جميع المستهلكين. فلو افترضنا أن إجمالي القوة الشرائية للمطاعم والمقاهي التي تقدم منتجات التبغ في فترة محددة هو (خمسين مليون) ريال، فإن نصفها تخسره التجارة والخدمات الأخرى نتيجة ذهابها لصالح الوزارة. ما يعني توزيع هذه الخسارة على مصادر اقتصادية متنوعة ومختلفة قد تكون ذات أهمية عالية للفرد والمجتمع.

إذن لابد للقوة الشرائية أن تنخفض في مكانٍ ما وعلى حساب سلع وخدمات متنوعة إذا كانت هناك رسوم (أي رسوم) تُدفَع لمنتجات وخدمات بعينها. فالفرد الذي ينفِق 1000 ريال شهرياً على الرسوم، وبالتالي المستهلكين الآخرين مثله، فإن قدرته الشرائية تنخفض بمقدار 1000 ريال على مختلف السلع والخدمات، كما تنخفض قدرات الآخرين الشرائية أيضاً بالمقياس نفسه. وفي هذا ضرر بالغ على الأفراد وعلى من يرتبطون بهم معيشياً ومالياً، بل ويلحق الضرر الاقتصاد نظير خسارة التجارة المتنوعة للمبالغ التي ينفقها المستهلكون على الرسوم ضمن فواتير المطاعم والمقاهي المقدمة لمنتجات التبغ.

وعلى الجانب الآخر والمهم، يأتِ أصحاب المطاعم والمقاهي، فمع رغبة هؤلاء في التشغيل على المدى القصير والطويل، فإن الرسوم العالية والتي ترتبط بعلاقة مباشرة وطردية بقرارات المستهلك، فإن هذا الأخير سوف يرشد استهلاكه نظير الرسوم العالية، مما يسترعي تقليل نفقاته على المطاعم والمقاهي، وبالتالي ضعف العوائد والمبيعات للمقاهي والمطاعم التي تقدم منتجات التبغ، مما يستوجب في المقابل قرارات من التجار لتأمين أوضاعهم المالية. وهنا قد تقود بعض القرارات إلى تسريح العمال أو خفض أجورهم، بل قد تؤدي بعض القرارات إلى إشهار الإفلاس كنتيجة لارتفاع الالتزام المالي مقابل تدني العوائد. وضرر ذلك كما هو معلوم يمس الأجور والوظائف من جانب، ومن جانب آخر يمس معدلات البطالة.

ولذلك فإن قرار فرض الرسوم بنسبة 100% على إجمالي فاتورة المشتريات لسبب وجود منتجات التبغ، بحاجة إلى إعادة النظر فيه. فتبعات هذا القرار قد تأخذ منحى يتجاوز موضوعية التوعية بآثار التدخين. فهناك آثاراً اقتصادية بعيدة المدى تؤثر على مستويات متنوعة ومتعددة لا يقف مساسها لحدود قدرات الأفراد والتجار المالية، بل إن آثارها تمتد إلى المساس بالقدرة الإنتاجية والقوة الشرائية لتجارة المنتجات والخدمات الأخرى.

إننا على أمل أن تعيد وزارة الشؤون البلدية والقروية نظرها في هذه الرسوم، حتى وإن كان هدفها صحياً. خاصةً وأن هذه الرسوم تُعد تهديداً لتشغيل قطاع واسع جداً وهو قطاع المطاعم والمقاهي. وهو القطاع الذي يشارك بنسبة لا يُستهان بها في الناتج المحلي. علاوةً على الانعكاس المحتوم الذي مفاده أن دفع الرسوم سوف يقلل ويخفض من القدرات الشرائية للأفراد إزاء منتجات وخدمات أخرى، الأمر الذي سوف يشكل تهديداً على قطاعات مختلفة ومتنوعة تتشارك جميعها خسارة النفقات التي تذهب كرسوم للوزارة.

*كاتب سعودي