قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

انتفاض لبنان بصحوة شعبه في تظاهرات رائعة وراقية دبّ الهلع في زعماء الطائفيّة والإقطاعيّة والصفقات والفساد، فأثمر بعمقٍ وقوّة، وسيثمر أكثر إذا اعتمد المتظاهرون استراتيجيّة المثابرة المدروسة على أساس تمتين الإنجازات، Consolidation of gains، وتكتيك خُذ وطالب، Pocket ووضع الاستعدادات الضرورية للجولة التالية. هذه مسيرة، وليس مجرد احتجاج عابر سيتم امتصاصه، كما تعتقد القيادات السياسية القابعة في عجرفة اعتبار ما يحدث مجرد كابوساً سيقطع. ولكي تكون هذه مسيرة اقتلاع العفن من نظامٍ اعتاد الاعتلاء على الناس وحقوقهم، لن يكفي جمال رفض الانصياع وخلع الخوف برغم أهميتهما البالغة. انها مرحلة شدّالأحزمة والتنبّه الى مَن في ذهنه الانقلاب بأي ثمن وبأيّة وسيلة على مسيرة "لبنان ينتفض". وهي أيضاً مرحلة جرد الأولويات التي تصون البلد من الانهيار التام، بدءاً بالانهيار الاقتصادي. إنما الآن، مباركٌ ومبروك على اللبنانيين هذا التماسك في إصرارهم على المطالب ورفض الانزلاق في المطبّات الإرضائية والطائفيّة. مدهشةٌ هذه العفويّة في التنظيم وتجنّب الانقسامات في صفوف المتظاهرين في الشوارع اللبنانية ومن يدعمهم في العواصم العالميّة. حتى الآن، وبعد مضي ثمانية أيام على بدء المظاهرات، فشل كل مسؤول حكومي وحزبي امّا في إقناع الناس بالترقيع أو في تخويف الناس بهزّ أصبع التهديد. أخذ الناس على عاتقهم ترشيح مَن يثقون به الى المناصب، فأبلغوا الى الزعماء ان الكفاءات لن تبقى رهينة مزاجهم أو حساباتهم وتعييناتهم. أبلغوهم أن اللبنانيين استفاقوا بعد غيبوبة طويلة فرضها الاعتقاد بأن الطبقة السياسية الحاكمة ستكتفي وتشبع، لكن الجشع والغباء تحكّما بقرارات رجال الحكم والسلطة في لبنان، فوقعوا في عواقب الاستهتار بالناس.

المثابرة في الاحتجاج السلمي هي أقوى ورقة في أيادي الناس. رفض الانجرار الى المواجهات هو الدرع الذي سيحمي الثورة على الفساد، والطائفية، واقتسام الثروات، وإفقار لبنان عمداً لتحويله الى دولة فاشلة وساحة تصفية حسابات.

لذلك، من الضروري وضع استراتيجية افشال هذه الغايات من أجل تحقيق مطالب الثورة في لبنان. فهذه ليست ثورة الجيّاع، كما يحلو للبعض تصنيفها. انها ثورة استعادة الدولة من أيادي زمرة من الطبقة السياسية تخيّلت أن في وسعها تدجين الناس عبر التخويف الطائفي واستخدام الناس غنماً في قطيع.

واحدٌ تلو الآخر، تحدّث الزعماء بلغة الاستعلاء واعتقدوا أن انتفاضة اللبنانيين ستكون عابرة. رئيس الجمهورية ميشال عون عندما أخيراً نطق جاءت إطلالته المتأخرة لتثير الحزن والشفقة عليه والغضب ممّن سبّب بانزلاق منصب رئاسة الجمهورية الى هذا الحضيض.

رئاسة الحكومة أيضاً تدحرجت الى الأسفل بسبب أداء سعد الحريري الذي اعتقد بدوره أن في وسعه إرضاء الناس بإصلاحات الترقيع، وان شراء الوقت سيكون لصالحه مجاناً. فخسر.

مجلس النواب ورئاسته المتمثّلة بنبيه بري ظن أنه فوق المحاسبة، فقال له الشعب أنه في عمق الفساد وتحت طائلة الحساب.

أمين عام حزب الله حسن نصرالله لم يكتف بإبلاغ الناس أنه هو من يمتلك مفاتيح استقالة أو بقاء حكومة بل انه هزّ أصبعه المشهور في وجه اللبنانيين تهديداً لهم بدفع ثمن المظاهرات. فجاء الرد عليه من الجنوب في صور وساحة الشهداء في بيروت. جاء الرد باحتفاء المناطق اللبنانية في الشمال بجرأة المدن في جنوب لبنان على كسر الخوف ورفض الانصياع.

زعيم الطائفة الدرزية وليد جنبلاط ظنّ أن في وسعه ممارسة الدهاء السياسي ليتميّز، فأتى الرد عليه بأن الزمن مضى على لعبة المعادلات التقليديّة، وأن خوفه من تهديدات حسن نصرالله خوفٌ مرفوض وهو تبريرٌ من فعل كان.

أما جبران باسيل، وزير الخارجية الذي تحدّث متعجرفاً من قصر بعبدا، وكأنه الرئيس بالوكالة، ليعلن ولاءه المستمر لحزب الله، فإن الشارع أسقطه وتعهّد بمحاكمته، وهناك من يحضّر له الملفات لمحاكمة قاسية.

لكن هؤلاء الرجال لن يرحلوا بسهولة، وهم يعتقدون أن بقاءهم هو صمّام الأمان في وجه الانهيار التام. بعض هؤلاء الرجال سيحاول إقناع مؤسسة الجيش بقمع المظاهرات، إذا لم يكن في المستطاع احتوائها وامتصاصها. بعض هؤلاء الرجال سيأخذ على عاتقه إطلاق شغب أتباعه لاختراق المظاهرات بهدف شق صفوفها وتخريبها، وإلا، فإنه ينوي تحويل المظاهرات السلمية الى مواجهات دمويّة ويتعمّد هدر الدماء لاحتواء أضرار المظاهرات السلميّة.

حتى الآن، ان العالم يراقب ما يحدث عن بُعد والدول تحاول ألاّ تتدخل كي لا تسترق من وطنية المظاهرات. واشنطن حريصة على رفض الدعوات لها من قِبَل بعض القيادات في السلطة أن توحي لها بقرار الاستقالة أو عدمها. رد واشنطن هو انها لن تلعب دور إدارة خيوط الدمية Puppet Master وانها لن تأخذ القرار بالنيابة، ولن تساعد رجال السلطة في اتخاذ القرار. وهذا جيد.

موقف واشنطن المُعلن الوحيد هو أن قمع هذه المظاهرات السلمية مرفوض وأن على الجيش ألاّ يسقط في فخ هذه المهمة. مواقفها غير المُعلنة هي انها لن تساند أولئك الذين يتخذون قرار الحلول الجزئيّة الترقيعية التي يرفضها الناس، وان الافتراض ان عودة المياه الى مجاريها إنما هو انتحار ليست مسؤولة عنه. واشنطن لن تنقذ البنوك، ولن تعرض الحصانة، ولن تقف في وجه ثورة على الفساد.

واشنطن لن تتدخل لإنقاذ حكومة الحريري أو عهد عون وباسيل، وهي واضحة في مواقفها الداعمة للجيش وضرورة حياده وفي رسالتها اليه بأن توريطه في قمع المتظاهرين مرفوض وسيكون مكلفاً له. عدا ذلك، ان قرار واشنطن الأساسي هو: هذه الثورة هي ملك اللبنانيين وحدهم ويجب صيانة انجازاتها من تهم التدخل في هذه المسيرة التاريخية.

هذه الثورة على الفساد، إذا نجت من اختراقها طائفياً ودمويّاً، فإنها ستطيح بكامل الطبقة النخبوية السياسية وبمشاريع "حزب الله" للتحكّم بمستقبل لبنان وإنقاذ نفسه من ورطة العقوبات الأميركية التي تكبّله وتجفّف مصادر تمويله في طهران.

لقد طعجت dented مسيرة الاحتجاجات تلك الهالة التي أحاط بها حسن نصرالله نفسه بصفته فوق المحاسبة حسب تقديره، فارتبك. ارتبك في البدء، ثم استهتر، ثم استدرك، ثم غضب، ثم هدّد، ثم أصابه الهلع من ثورة عارمة تقضي على مشاريعه ومشاريع مرجعيته في طهران.

الخيار أمامه هو أمّا التنازل أمام مطالب المتظاهرين والكف عن منع استقالة الحكومة لاستبدالها بحكومة تكنوقراط يفقد السيطرة عليها، أو سفك الدماء عمداً بين صفوف المتظاهرين حتى وان كان بينهم أبناء الطائفة الشيعية.

قد يقرر "حزب الله" أن يُسقط الهيكل على رؤوس الجميع بعد إصابته بهزة إضعافه بنيوياً، فهو لن يتخلى بسهولة عن تحكّمه بلبنان والهيمنة على العهد والحكومة التي أدّت اليها تلك "التسوية" بين سعد الحريري وحسن نصرالله وميشال عون ممثلاً بجبران باسيل والتي أوصلت لبنان الى الحضيض.

قد يقرّر حسن نصرالله انّ تحويل لبنان الى دولة فاشلة انهارت اقتصادياً واجتماعياً هو لمصلحته، فيفتعل الإفشال.

لذلك، من الضروري لثورة "لبنان ينتفض" أن تتبنى استراتيجية مضادة قوامها منع انهيار الدولة مع الإصرار على اصلاحات حكوميّة واجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة فوريّة وتدريجيّة جدّيّة ومُلزِمة. من المفيد لها تبنّي تكتيك "خذ وطالب" من أجل صيانة إنجازات الحراك الآنية وتتويجها نمطيّاً بمحاسبات ومحاكمات.

الأهم الآن هو الثبات على مسيرة الاحتجاجات وحمايتها من مشاريع تحويل العرس الوطني الى حرب شوارع والوقوع في فخ الاستفزاز بما يؤدي الى تمزيق هذه الثورة وتحويل المظاهرات الواعية والراقية الى غوغائية شعبوية خطيرة. فحقن الناس في ظل الانهيار قد يؤدي الى الفلتان والهجوم على البيوت والمؤسسات. وهذا ما لا يجب أن يحصل.

لذلك من المفيد استيعاب الحدود في المعارك التكتيكيّة من أجل تحقيق الأرباح استراتيجياً في هذه الحرب على الفساد وجشع الطبقة السياسية الحاكمة. فإذا اقتضت المصلحة الموافقة على حكومة تكنوقراط يشكّلها الحريري تتضمن شخصيات مقبولة لدى الشعب، ان هذا ليس تنازلاً استراتيجياً وإنما هو موافقة تكتيكية ضمن استراتيجية منع الانهيار الكامل والعمل على تقوية الدولة على حساب مشاريع تدميرها، وبالتالي ربح معركة من المعارك العديدة الآتية، وفي مقدمتها المعركة على الفساد والفاسدين وأصحاب الأموال المنهوبة.

التدريجية ضرورية. وأولى المحطّات، بعدما حققت هذه الثورة انجازات تاريخية بانقلابها على حكومة "التسوية" هي التركيز على تهدئة وضع الاقتصاد كي يتمكّن من أن يتحمّل صدمات سياسية. هذا لا يعني الكف عن الإصرار على مطالب أساسية أخرى مثل اجراء انتخابات نيابية على أساس قانون جديد وتحضير ملفات الفاسدين من أجل محاكمتهم واستعادة الأموال التي نهبوها. البراغماتية أساسية. في هذه المرحلة من مسيرة التغيير في لبنان وهذه البراغماتية تتطلب حماية الثورة من سلاح "حزب الله" عليها لتمزيقها ومنع تحقيق غايات انهيار مؤسسة الدولة.