قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

النظام السياسي اللبناني القائم حاليا هو نتاج تسويات إقليمية ودولية، كان هدفها الرئيس إنهاء الحرب الأهلية التي امتدت 15 عاما (1975-1990) أي ان هذا النظام لم يكن نتيجة لاتفاقاللبنانيين عليه، بل كان مفروضا عليهم من الخارج عبر وصاية النظام السوري، وبموافقة أميركية - سعودية اطلق عليها "اتفاق الطائف". ولكن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق "رفيق الحريري" في 14 فبراير 2005 مثل ضربة كبيرة لهذا النظام،أدى إلى نهاية نظام الوصاية السورية المباشرة، واستبدالها بنظام سياسي بين تحالف ما يعرف بـ "8 آذار" المدعوم من سوريا وايران وتحالف "14 آذار" المدعوم من الولايات المتحدة والسعودية، قبل أن يحسم حزب الله هذه المواجهة السياسية عسكريا باجتياحه بيروت في 7 مايو 2008.

يواجه لبنان حاليا انتفاضة غير مسبوقة في تاريخه الحديث، هدفها الأساسي إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة الحالية، وتقودها على غير العادة الطبقات المتوسطة والفقيرة، ويحاول المجتمع المدني في المدن الكبرى التأقلم معها ومجاراة مطالبها. كما توحي مناطق انتشارها وتوزعها في طرابلس وعكار وصور وزحلة وعاليه بانتهاء المركزية التاريخية التي طالما مارستهاالعاصمة بيروت في تحديد إيقاع الحياة السياسية اللبنانية. الأهم من ذلك كله أن وعيا سياسيا جديدا يتشكل في لبنان، ويؤسس لهوية وطنية جديدة، وتطلعا إلى نظام حكم جديد يطوي صفحة الحرب الأهلية واتفاق الطائف الذي أنتج نظاما سياسيا قائما على المحاصصة الدينية/الطائفية الذي لم يعد مناسبا بعد انتفاضات الربيع العربي.

في دراسة لمنظمة "أوكسفام" صدرت مطلع العام الجاري تبين أن سبعة أثرياء لبنانيين يملكون ثروة شخصية إجمالية تبلغ 13.3 مليار دولار، أي عشرة أضعاف ما يملكه نصف الشعب اللبناني. كما يملك 1% من اللبنانيين ثروة تزيد عما يملكه 58% من اللبنانيين. ويتجاوز الدين العام في لبنان حاليا حاجز الـ 85 مليار دولار، أي ما يعادل 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وكلفته سنويا تزيد عن 3 مليارات دولار، ومعظم هذا الدين مستحق للمصارف اللبنانية التي لديها نفوذ واسع النطاق على الطبقة السياسية. ولما كانت الحكومة تعكس ميزان القوى في مجلس النواب، أصبح من المستحيل مساءلتها أو محاسبتها، في حين يخضع القضاء لسطوة الطبقة السياسية الحاكمة، ولا يمكنه المساعدة في تصحيح المسار ومقاضاة عمليات الفساد داخل أجهزة الدولة وخارجها.

وبحسب مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، حصل لبنان عام 2018 على 28 من مئة نقطة في ما يتعلق بفساد القطاع العام، وهو ما يجعله واحدا من اكثر البلدان فسادا في المنطقة، ويحتل لبنان المركز 138 عالميا بين 180 دولة.الدول المانِحة باتت تشترط تقليص الإنفاق ومكافحة الفساد، وزيادة الضرائب، لتقديم قرض في حدود 11 مليار دولار، ولكن النخبة الحاكِمة تبدو عاجزة عن تلبية هذه الشروط، لأنها هي التي تغرِق البلد في الإنفاق حتى تزيد حجم حساباتها في البنوك اللبنانية والدولية، وتفرِض ضرائب على الفقراء المسحوقين الذين لا يجدون رغيف الخبز، ولا الدواء والعلاج لأطفالهم، وتريد أن يتم الإنقاذ من خِلال إفقارهم أكثر. الدولارات الستة التي كانت الحكومة تخطط لفرضها شهريا على استخدام الخدمة الهاتفية المجانية كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، أو اللغم الذي فجر الاحتقان اللبناني المتضخم في أوساط الملايين من اللبنانيين الذين باتوا على حافة الفقر منذ سنوات طويلة.

الحكومة اللبنانية ارادت أن تلقي بالمسؤولية على الشعب وفئاته المسحوقة لإنقاذ البِلاد من أزمتها الاقتصادية، وتتبرأ من أي مسؤولية، الأمر الذي دفع مئات الآلاف من اللبنانيين للنزول إلى ميادين المدن وشوارعها في احتجاجات سلمية غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، عكست حضارية هذا الشعب المبدع والخلاق. يعد التفاوت الطبقي والفساد السياسي والمالي والإداري احد أبرز اسباب الانتفاضة اللبنانية، وقد عبرت التظاهرات عن ذلك بوضوح، ولا سيما التي خرجت خصوصا في الأطراف شمالا وجنوبا وفي سهل البقاع. ولم يكن يوما التفاوت الطبقي بين اقلية تحكم سيطرتها على الثروات وأغلبية تعيش على هامش خط الفقر واضحا في لبنان كما هو اليوم، وقد عبرت التظاهرات عن ذلك بوضوح.

الحكومة سقطت معنويا بعدما سقط عدد كبير من أعضائها أخلاقيا بسبب فسادهم المكشوف، ومجلس النواب بات ساقطا أيضا لضعف قدرته على التأثير في مجريات الأمور، والاكتفاء بإصدار تصريحات لا تقدم ولا تؤخر، والأحزاب السياسية لا ترحب بهذه الانتفاضة الشعبية، وتخاف من المجهول، ويرعبها أن ينفلت الشارع فلا تستطيع السيطرة عليه، والنداءات التي صدرت من بعض الأحزاب ليست سوى محاولة استلحاق بعدما سبقها الشعب اللبناني إلى الشارع. اجمل ما في هذه الانتفاضة أنها كانت عابرة للطوائف، وعكست وحدة وطنية غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، حيث لم يرفع المتظاهرون فيها إلا علم لبنان فقط. العوامل التي دفعت اللبنانيين إلى التظاهر والاعتصام في الشوارع والساحات العامة لا تختلف عن تلك التي دفعت الشعوب في كل من العراق والسودان والجزائر ومصر في الأسابيع والأشهر القليلة الماضية إلى الاحتجاجات العارمة.

هذه الاحتجاجات الشعبية هي الأوسع والأكبر والأهم ربما في تاريخ لبنان الحديث، ويمكن أن تكون حصيلتها تغييرا سياسيا جذريا في تركيبة السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مشكلة لبنان الكبرى التي أدت إلى إغراقه في هذا الوضع البائس والمنهار هي المحاصصة الطائفية، والصراعات الدينية والمذهبية بين كهنة الطوائف.اعتقد انه حان الوقت للبنان ليتحول من دولة الطوائف والمذاهب الى دولة المواطنة والقانون.