قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يضع تصويت مجلس النواب الأمريكي بالموافقة على لائحة الاتهام ضد الرئيس دونالد ترامب وأحالها الي مجلس الشيوخ لاستكمال الاجراءات الدستورية المتعلقة بمحاكمته وعزله من الرئاسة في اتهامات تتعلق باستغلال سلطاته لمصلحة تحقيق أهداف شخصية سياسية وأخرى تتعلق بعرقلة عمل الكونجرس، يضع الرئيس ترامب في السجل التاريخي الأمريكي كرابع رئيس يواجه المحاكمة، حيث سبق للرئيسين الأسبقين أندرو جونسون وبيل كلينتون أن تمت تبرئتهما في مجلس الشيوخ عامي 1868 و1998 على التوالي، بينما استقال ريتشارد نيكسون قبل التصويت على إحالته للمحاكمة بسبب فضيحة ووترغيت عام 1974.

كما يتوقع أن تفتح معركة العزل حقبة بالغة التعقيد في العلاقات الحزبين بين الديمقراطيين والجمهوريين بالولايات المتحدة لما شهده السجال الدائر ـ حتى الآن ـ من اتهامات غير مسبوقة.

والحقيقة أن الديمقراطيين الأمريكيين في مواجهة خصم سياسي عنيد، فرغم الضغوط والحرج السياسي الناجم عن إجراءات عزل الرئيس، فإن ترامب ليس بالسياسي الذي يمكن أن يستشعر الحرج من هذه الإجراءات، ويبادر بالتالي إلى الاستقالة أو أي رد فعل معتاد للساسة في مثل هذه الحالات، فالرئيس ترامب له شخصية مختلفة عن الساسة التقليديين ويبدو أنه عازم على المواجهة الجادة مع خصومه وبذل كل جهد ممكن من أجل تحويل المسألة إلى فرصة سياسية للانقضاض على فرص الديمقراطيين في المنافسة على كرسي الرئاسة في انتخابات نوفمبر المقبل.

بدأ الرئيس ترامب خطته لاستغلال جهود وخطة الديمقراطيين لعزله بالتشكيك في بواعثهم ودوافعهم، محاولاً ترسيخ فكرته القائلة بأن محركهم الأساسي هو الحقد والحسد والغيرة من إنجازاته التي حققها للاقتصاد الأمريكي، ومؤكداً أنهم دخلوا نفقاً مظلماً وأقدموا على عملية انتحار سياسي.

حديث الرئيس ترامب عن الانتحار السياسي للديمقراطيين قد يستحق بعض النقاش، لأن تأثير خطة عزل الرئيس لن تقتصر على شخص الرئيس، بل يمكن أن تطال الديمقراطيين أنفسهم في حال أفشل مجلس الشيوخ خطتهم وعرقلها بحسب ماهو متوقع بالفعل، ما يضع الكرة مجدداً في ملعب الخصمين، الديمقراطيين والرئيس ترامب ومعه الحزب الجمهوري على حد سواء، بحيث يمكن لكلاهما توظيف ما تم في موضوع عزل الرئيس لمصلحته، والانتصار هنا سيكون لمن يمتلك القدرة على اقناع الرأي العام الأمريكي بسلامة موقفه وصواب رأيه.

الديمقراطيون يفكرون في أن فشل خطة العزل لا تعني نهاية العالم، بالنظر لأنهم يدركون ضعف احتماليات تحققها منذ البداية، وبالتالي هم يراهنون على ما سينال الرئيس من رذاذ الاتهامات قد تشوه صورته وتضعف فرصه في الفوز بولاية رئاسية ثانية. وفي المقابل يبدو الرئيس ترامب عازماً على توجيه ضربة قاضية لخصومه في حال حسم موضوع التصويت لمصلحته في مجلس الشيوخ، حيث يراهن على فكرة الانتحار السياسي لخصومه من خلال الانقضاض على أحلامهم في اقصائه من منصبه وكيل الاتهامات لهم من دون حد وبالطريقة الجريئة او لنقل الصدامية، التي اعتادها الجميع في "تغريدات" الرئيس ترامب.

أثناء نقاشات مجلس النواب الأمريكي قبيل التصويت على قرار محاسبة الرئيس قال النائب الجمهوري داغ كولينز "الرئيس لم يرتكب خطأ، والديموقراطيين قالوا لأنفسهم، إذا لم نستطع هزيمته (في الانتخابات) فدعونا نحاكمه لعزله.. الأميركيون سيرون ذلك بوضوح"، وهذه الفكرة هي التي سيتم الترويج لها غالباً في مرحلة لاحقة، أي سيتم تسويق فكرة فشل الديمقراطيين في هزيمة الرئيس انتخابياً والبحث عن وسيلة أخرى لإقصائه من الساحة!

تركيز الجمهوريين على ابتعاد إجراءات عزل الرئيس عن العدالة والقانون وارتباطها بالتحيز والتحزب السياسي، هو جوهر خطة مواجهة الديمقراطيين في مرحلة ما بعد تصويت مجلس الشيوخ، وهي فكرة يمكن أن تضر بالفعل بالديمقراطيين وتفشل مخططهم القائم على رمي الكثير من الرذاذ على سمعة الرئيس ومكانته قبل انتخابات نوفمبر المقبل.

بعيداً عن هذا السجال، تبدو الساحة السياسية الامريكية في حالة انقسام حقيقي، وتسربت إلى السجال الدائر مفردات غريبة على الديمقراطية الأمريكي مثل "انقلاب" وغير ذلك من أوصاف واتهامات يحاول من خلالها كل فريق سحق الفريق الآخر في استقطاب حاد وصل صداه للرأي العام الأمريكي، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى أنه بات يعاني الداء ذاته، حيث قال نحو 50% ممن شملهم استطلاع رأي أجرته شبكة "فوكس نيوز" أنهم يؤيدون عزل الرئيس ترامب من منصبه، بينما رفض 41% هذه الإجراءات، بينما قال استطلاع آخر أجرته "سي إن إن " أن 45% يؤيدون العزل، بينما يرفضه 47% من عينة الاستطلاع، وجاءت النتائج متساوية تماماً (48%) في استطلاع أجرته صحيفة طوول ستريت جورنال"!

نتائج الاستطلاعات تشير أيضاً إلى أن الرئيس ترامب يحظى حالياً بمعدلات تأييد هي الأعلى منذ انتخابه رغم قضية عزله، ففي أحد الاستطلاعات حصل الرئيس ترامب على نسبة تأييد 43% وهي نسبة عالية مقارنة بما سبق رغم أنه تظل الأقل مقارنة بنظرائه من الرؤساء السابقين في الفترات ذاتها من ولايتهم الرئاسية، واللافت في هذا الاستطلاع أن 52% غير راضين عن أداء الرئيس.

والحقيقة أن نظرة سريعة على نتائج استطلاعات الرأي الخاصة بمعدلات شعبية الرئيس ترامب تشير إلى ان النتائج ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأداء الاقتصاد الأمريكي وليس بتصويت الكونجرس على عزله، فالاقتصاد يشهد فترة نمو قوي ونسب البطالة تنخفض لمستويات قياسية، حيث يرى غالبية الأمريكيين أن الأداء الاقتصادي يراوح بين "جيد" و"ممتاز" وهذا بحد ذاته أقوى سلاح انتخابي بيد الرئيس ترامب، وهذا ما يفسر ارتفاع معدلات تأييد الرئيس في الاستطلاعات بشكل لافت رغم أنه يواجه قضية عزله في الكونجرس.

المتوقع أن يعرقل الجمهوريين خطة خصومهم في الحزب الديمقراطي، ولكن الأمر لن ينتهي حيث يتوقع أيضاً أن تشهد حملات الانتخابات الرئاسية المقبلة خصومة غير مسبوقة يذهب فيها الرئيس ترامب إلى أبعد مدى ممكن، ولن يكون أحد بمنأى عن الصدام معها وتلقي كلماته وتعبيراته العنيفة، بما يعني علاقات عدائية غير مسبوقة بين مؤسسة الرئاسة والكونجرس خلال السنوات المقبلة.