قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

لقد سجل الإسلام السياسي جماعة وفكراً موقفاً متخاذلاً في الكثير من المناسبات السياسية والمفاصل التاريخية التي عصفت بالمنطقة ، الأمر الذي انعكس على زيادة خساراته وانحسار حضوره في الوجدان العربي والتأثير العام .
ورغم أن هذا لم يدفعه إلى مراجعة ذاتية ولا محاسبة داخلية ، تفكك البنى الفاسدة والرديئة التي ينطوي عليها ، بل في كل مرة يقترف مكابرة جديدة ويراهن على ضمور ذاكرة المجتمعات العربية ويرتكب حماقة جديدة تزيد من رصيد النقمة عليه وتطوي مسافة جديدة في مشوار الانفصال الحتمي والجذري عنه .

لقد كان الإسلام السياسي طوال مشواره العريض والمثخن بالثغرات ، ينقلب في كل مرة على مبادئه الشكلية ، وينسف ما يجاهر ويفاخر بابنيه من قيم الزهد في السلطة وتغليب المصلحة العامة وإرادة الخير للأمة ، ويعاجل الآخرين في اقتناص الفرص والاستحواذ على الحصص ، ولو كلفه ذلك التحالف مع الشيطان والاستقواء بالأعداء واستظهار التماهي مع الشكلانية العولمية ، لضمان الحفاظ على خط الضرورة من تأثيره ورجحان كفته وفاعليته .
ويحتفظ التاريخ البعيد والقريب ، وحتى الراهن منه ، بالكثير من المواقف التي كشف فيها الإسلام السياسي عن ساق نهمه الأعمى للسلطة وبسيط سيطرته ومدّ نفوذه وتوسيع مكاسبه والانفراد بسلة الثمار الواعدة لكل فرصة محتملة وفوز متوقع وجنة مشتهاة .

تراث قديم من الصدامات الدامية
يشير التاريخ القديم للجماعات الإسلامية منذ تأسيسها إلى حجم مثير من الصدامات الدامية التي وجهت من خلالها السهام إلى الشعوب العربية والحكومات القائمة ، من محاولة اغتيال الزعيم المصري جمال عبدالناصر التي اتهم بها التنظيم السري للإخوان المسلمين ، واغتيال صنوه أنور السادات بعد أن تبلورت روح ناقمة في السجون برعاية الأيديولوجيا الإسلاموية ، تناسلت من رحمها أشكال وصنوف مختلفة من الأفكار المتطرفة والجماعات المتشددة ، كانت نواة صلبة لعهد ظلامي نصبت راياته السوداء وتفجرت طاقاته العمياء ، وبدأت سلسلة من الصدامات التي طورتها ( الجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة ) في وجه الملامح المدنية والسياحية للحكومة المصرية ، قبل أن تفرّ إلى أفغانستان بحثاً عن موطئ آمن لعناصرها وبنيتها التحتية ، وتنتهي بمنتج تطرفي أكثر حدة وإسرافاً في الإيغال بدماء العامة ، تجاوزت الجغرافيا المصرية بعد أن ضاقت بها الوسيعة ، واندلعت آثارها في سوريا حماه ، والجزائر في عهدة جبهة الإنقاذ ، وارتدت نيرانها على عدد من الدول والعواصم العربية التي جهرتها نسخة معدلة من الوجود الإسلاموي النازع إلى التطرف والعنف ، ودخلت المنطقة في نفق مظلم لم تتخلص منه حتى الساعة .

شكل سياسي بمضمون تطرفي

بعد أن جوبهت الفكرة الإسلاموي برفض حاد وجاد ، تبنته الأنظمة السياسية العربية ولفظته الذهنية الشعبية ، خففت الحالة الإسلامية من اندفاعها ، واتخذت شكل تعبير سياسي وحزبي ، يمكنها من الاندماج في الشأن العام وتأهيلها للحصول على فرص التأثير والتغيير من داخل البنى السياسية والاجتماعية ، بعد أن أضحت الحلول والسبل الجذرية مستعصية وغير قابلة للتطبيق .

كانت الثورة الإيرانية عام 1979، التي انتهت إلى سيطرة الملالي على سدة الحكم ، فكرة مغرية للإسلاميين في الشق السني ، أقلّت طائرة محملة بوفد من رموز الإخوان المسلمين وقيادييهم لمباركة هذا التحول الذي شهدته طهران ، جاء الوفد الإخواني في ثالث طائرة تهبط في مطار طهران بعد طائرة الخميني وطائرة اخرى ، وكانت الزيارة محمولة بالأمل لتحقيق النتيجة نفسها في البلدان العربية .

في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، أبدى الإخوان استمراراً في وهمهم بأن الملالي امتداد لفكرتهم ، وفرصة لتوطين أحلامهم ، وأصدرت الجماعة (التنظيم الدولي) بياناً هاجم فيه "حزب البعث الملحد الكافر" داعياً العراقيين إلى "قتل جلاديكم. القوا اسلحتكم وانضموا الى معسكر الثورة، الثورة الاسلامية ثورتكم".

ولكن الجماعة انقلبت على نفسها ، عندما أيدت غزو العراق للكويت عام 1990، بل حولت بنادق هجومها وتشويهها للدول العربية التي تصدت لهجوم صدام على جيرانه ، وتحملت السعودية أعباء هذا الهجوم السافر والتشويه الجائر ، وجرى تحريك بعض الرموز السعودية المحلية التي تلتقي معهم في نفس المنهج وعلى شفير المفردات التي تشكل وعيهم وتموّل ثقافتهم السياسية والحركية ، وانتهت العاصفة بتعرية الإسلام السياسي من قيمه المدعاة ومبادئه المزورة ، بعد أن ناصر الجلّاد على حساب الضحية ، ووقف في صف الظالم نكاية بالمظلوم .

تراث ضخم من ادعاء التحول السياسي واستكناه القيم المتحضرة ، وتبنّي الشكلانية المدنية لجماعات وفكر الإسلاميين ، أوردتهم في الكثير من المواقف الفاضحة التي تكشف عن حجم الزيف وضعف الاستعداد للخروج من فهم قاصر وإقصائي ، يفضل المكاسب والمصالح على القيم والمبادئ .

مسرح الربيع العربي : استعجال النتائج
شكّلت ثورات ما يسمى " الربيع العربي " فرصة ذهبية ، طارت لها ألباب الحركات الإسلامية ، بعد أن خسرت الكثير من وهجها وحضورها بتأثير العنف الإسلاموي الذي سمم فضاء الشرق الأوسط ، وفخخ جغرافياته المتنائية ، ووقع الفكر الإسلامي العنفي في شرّ حبائله ، بعد أن اتصرف عنه الناس ودفع الجميع أثمان باهظة من جراء نتائجه الوخيمة على الإسلام والشعوب العربية .

جاءت الانتفاضات العربية التي جأرت بالضيق من الظروف المعيشية القاتمة ، كطوق نجاة للإسلاميين وهم يخسرون وصيدهم الشعبي إزاء انسداد الأفق لديهم إلا من تمظهرات عنفية وصدامية ضاعفت من نفور الناس وحنقهم .

تبادل الإسلاميون مع ملالي طهران التهاني والتبريكات بشأن الانتفاضات وكأنها مصممة كاستجابة لجهدهم التنويري ونضالهم السياسي ، تفاءلت طهران بربيع العرب فأعلنته إسلامياً واعتبرته امتداداً للثورة الإسلامية في إيران ، وشحذ الإسلاميون العرب كل طاقاتهم ودسائسهم ودأبهم لركوب الموجة والانقضاض على حاجات الشعوب ومتاعبهم .

موّلت الدوحة وأنقرة حتى آخر رمق من الوهم ، اندفاع الإسلاميين إلى الحصص السياسية التي أتاحتها ثورات الشعوب ، وسلكت في سبيل ذلك الطرق المختصرة للانقضاض على كراسي ومناصب ومقاعد الحكم في دول ما بعد الثورات ، من ذلك سعيهم المنفرد للتحالف مع العسكر في مصر في كواليس ثورة عفوية بريئة ، والبحث عن صيغة لتوزيع المكاسب باستثمار ضغط الشارع وبمنأى عن تأثيره على حظوظهم الضيقة .
واستعادة حضورهم على التراب السوري وعقد اجتماعات حزبية في بواكير الثورة السورية ، والاستحواذ على مؤسسات تسيير الشأن الثوري وإقصاء بقية المكونات المدنية والشعبية التي لا تنضوي تحت لوائهم أو تعترف بقيادتهم .
فضلاً عن شكل عنفي يلتقي مع ثقافتهم الأصلية ، مثل الاستئثار بعاصمة ليبيا بقوة السلاح ، واللعب في مصير الثورة اليمنية وتجاوز تضحيات الشعب الأعزل لضمان حفظ مكانتهم التقليدية في الشأن العام اليمني .

وبعد أن هدأت عواصف الثورات العربية ، وبدأت النتائج تميل بغير كفة الإسلاميين ، منذ اندلاع ثورة شعبية عارمة ترفض السنة الأولى لحكم إخوان مصر ، واختلال ميزان القوى لغير صالح الإسلاميين في ليبيا وتونس واليمن ، استعاد العنف عافيته مرد فعل طبيعي تتبناه الحركات الإسلامية تحت الضغط وعند مختصره انفلاشها في الأرض ، وأخذت تتعاطى مع طهران في ذروة ما تقترفه بحق الشعب السوري من مجازر وانتهاكات ، وتناصب العواصم العربية التي رفضت مشروعهم ، العداء المحض والهجوم السافر ، على نحو ما تفعله الآن مع السعودية والإمارات .