قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أحد الأسباب الرئيسية لإنهيار ثورة أيلول التحررية عام 1975 وهي ثورة الشعب الكردي بأكمله ، هو الخطأ الذي إرتكبه الزعيم الراحل الملا مصطفى البارزاني في ( وضع كل البيض بسلة واحدة ) كما يقول المثل الانجليزي . فعلى الرغم من قوة ومتانة الجبهة الداخلية للثورة الكردية وإلتفاف كامل للجماهير الشعبية حول قيادة الثورة آنذاك ، وعلى الرغم من الإمكانيات الجيدة للقوة العسكرية للثورة والدعم الشعبي لها ، لكن الزعيم الراحل إعتمد بشكل زائد عن اللزوم على دعم نظام الشاه الإيراني مما مكن هذا النظام لاحقا من توظيف الحركة الكردية لخدمة مصالحه وأطماعه في المنطقة . وكانت نتيجة ذلك إنهيار الثورة التحررية الكردية جراء توقيع معاهدة الجزائر عام 1975 بعد سحب الشاه دعمه للثورة مقابل تنازل النظام العراقي عن جزء واسع من أراضي ومياه العراق لصالح إيران .
صحيح أن العامل الدولي والإقليمي ضروري من أجل إنجاح أية ثورة أو حركة تحررية ، لكن الأولى والأهم هو متانة الجبهة الداخلية وقدرة أية حركة ثورية في الإعتماد على نفسها ودعم شعبها . وأعتقد كما الكثير من السياسيين والباحثين في أسباب فشل ثورة أيلول التحررية من إكمال مسيرتها نحو النصر ، أن تلك الثورة كانت تمتلك كل مقومات الصمود والتصدي لتلك المؤامرة الخبيثة من نظام صدام – الشاه ، حيث إن الثورة كانت تمتلك قوة عسكرية هائلة تربو على ما يزيد عن 100 ألف مقاتل من البيشمركة ، وإمكانيات تسليحية جيدة ، بالاضافة الى إمتلاك أراضي واسعة محررة في كردستان ، وكان بإمكان قيادة الثورة أن تواصل ثورتها من خلال اللجوء الى تكتيكات حرب العصابات بدل حرب الجبهات ، ولكن يبدو أن قيادة الثورة في تلك الفترة كانت لديها تصورات وإعتبارات أخرى . ومن الممكن أن نعذر تلك القيادة حين أضطرت الى وضع السلاح تحت تأثير وقف الدعم الإيراني وغلق الحدود الذي كان من شأنه أن يخنق الثورة ، ولكن الأحداث التي تلت تلك المرحلة وخصوصا إندلاع الثورة الكردستانية الجديدة بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني والحركة الاشتراكية ثم الحزب الديمقراطي الكردستاني ، أثبتت خطأ تلك التصورات ، حيث أن الثورة الجديدة إستطاعت أن تقاوم وتحارب النظام العراقي قبل وصول أي دعم إيراني أو إقليمي أو دولي ، حيث نجح تكتيك حرب العصابات لعدة سنوات بالإعتماد على القدرات الذاتية والدعم الشعبي دون وجود أي دعم خارجي للثورة الجديدة .
على كل حال ، يواجه الشعب الكردي اليوم نفس التهديدات الاقليمية المعادية على الرغم من أن الكيان الكردي ترسخ في العراق عبر الدستور العراقي ووجود حكومة كردية مستقلة في إقليم كردستان ، فقد كانت التصريحات الأخيرة للسيدة جنين بلاسخارت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في مؤتمر عقد في أربيل بمثابة ناقوس خطر لمن يريد أن يفهم حين أشارت الى " أن على الكرد أن لا يظنوا بأن هذا الكيان الدستوري – إقليم كردستان – سيستمر الى الأبد ".
فمن خلال قراءة متأنية لما يجري اليوم من أحداث عديدة يمكننا أن نتكهن بمستقبل إقليم كردستان من خلال ربط تلك التصريحات الأممية مع التطورات العسكرية الجارية اليوم على الساحة الكردستانية والإقليمية عموما .
فتركيا التي يقودها رجب طيب أردوغان تعمل حاليا على بسط سيطرتها أو مد نفوذها الى معظم دول المنطقة ، بل والى دول بعيدة عنها من خلال تجنيد الميليشيات شبه العسكرية التابعة لها أو التي تأتمر بأوامرها ، فمن سوريا التي إنطلقت منها تنظيمات وتشكيلات ميليشياوية موالية لتركيا ودفعها الى ليبيا والصومال وآذربيجان وغيرها ، يبدو أن تركيا تطمع أن تخضع معظم دول المنطقة تحت نفوذها مستقبلا بغية إستعادة دورها المؤثر في سياسات المنطقة ولانقول إستعادة أحلام الخلافة الاسلامية التي نرى بأن الظروف الدولية لا تسمح بمثل هذا التوسع على حساب البلدان الاسلامية ذات السيادة الوطنية . ولكن من خلال قراءة الأحداث يتبين لنا أن تركيا التي أثقلتها حروبها الخارجية باتت اليوم تنتهج سياسة أقل تكلفة من ناحية الخسائر البشرية والتي أصبحت تحرج النظام التركي في الداخل ، حيث عمدت مؤخرا الى إستخدام المرتزقة والميليشيبات المسلحة ونقلها من مكان الى أخر لخوض حروبها بالوكالة . وهناك تسريبات بأن تركيا تعمل حاليا على سحب تلك الميليشيات السورية وغيرها من التنظيمات الموالية لها لزجها في حربها الحالية بإقليم كردستان ضد مواقع حزب العمال الكردستاني . وبموازاة ذلك تضغط تركيا بكل قوتها على الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني لتوريطه هو الآخر بالقتال المرتقب ضد العمال الكردستاني ، وبالفعل فإن قواتها تقترب من حدود جبل قنديل من عدة محاور ، وهناك إتهامات غير مؤكدة من حزب العمال الكردستاني بأن تلك القوات التركية تتلقى مساعدة لوجستية من قوات البارزاني ، هذا بالإضافة الى قيام القوات التركية بنصب المزيد من القواعد العسكرية الدائمة داخل أراضي اقليم كردستان العراق .
الخطأ القاتل الذي سيقع فيه السيد البارزاني هو الإستجابة الى طلبات النظام التركي بالمشاركة في حربها القادمة على جبل قنديل ، وسيكون هذا الخطأ لو حصل أفدح من الخطأ الذي وقع فيه والده الراحل لعدة أسباب أهمها :
1- إن ورقة حزب العمال الكردستاني هي ورقة رابحة بيد القيادة الكردية في كردستان العراق ، وأن حرق هذه الورقة سيؤدي بالمحصلة الى رجحان كفة النظام التركي في صراعه على الأرض وفي معاداته للقومية الكردية عموما .
2- بما أن للنظام التركي أطماع توسعية في المنطقة وخصوصا في أراضي كردستان العراق ( ولاية الموصل ) التي يعيد القادة الأتراك الحديث بشأنها تارة تحت مسمى دعم التركمان في العراق ، وتارة بذريعة انتهاء فعالية معاهدات دولية سابقة ، فإن هذا النظام سوف لن يكتفي في كل الأحوال بالقضاء على وجود حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل ، بل سوف يستمر بتوسيع نطاق وجوده العسكري ليشمل كافة أرجاء كردستان وخصوصا مناطق بهدينان الخاضعة حاليا لسيطرة حزب السيد البارزاني والمتاخمة للحدود التركية . وإذا أخذنا بنظر الإعتبار تواجد هذا العدد المتزايد من القواعد العسكرية داخل أراضي إقليم كردستان ستتبين لنا حقيقة وغايات هذا التواجد العسكري الدائم داخل أراضي كردستان العراق ، ومن المعروف أن القوات التركية إذا تواجدت في أي منطقة بالعالم فإنها لن تغادرها بسلام ، ولعل الإجتياح التركي لقبرص خير دليل على ذلك .
3- قد لاتستطيع القوات التركية أن تتوغل كثيرا في الأراضي الخاضعة للإتحاد الوطني الكردستاني في محافظة السليمانية وهي أكبر محافظات إقليم كردستان ، وذلك لأسباب كثيرة لعل أهمها هو الموقف العدائي الثابت لدى سكان تلك المنطقة تجاه تركيا وأطماعها التوسعية ، والسبب الأخر هو عدم إستعداد قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني للتسليم بسياسات تركيا التوسعية ، وفي هذه الحالة ستكون تركيا قد إبتلعت تماما المناطق الخاضعة لسيطرة حزب البارزاني في مناطق بهدينان ما يعني نهاية حتمية لأي دور سياسي للعائلة البارزانية في المستقبل المنظور .
4- أما بالنسبة لمحافظة كركوك الغنية بالنفط ، فعلى الرغم من إدعاءات تركيا بكونها محافظة تركمانية وبأنها مسؤولة عن حمايتهم ، لكن الظروف الدولية لاتسمح بأن تمد تركيا إحتلالها الى هناك ، أولا لأن هناك دولة عراقية ستدافع عنها ، وثانيا لأن المجتمع الدولي سوف يقف بالضد من هذه المحاولات لإعتبارات تتعلق بالثروة النفطية فيها .
وهكذا يتبين لنا من خلال هذه القراءة المتأنية بأن الخاسر الوحيد من هذه المغامرة التركية سيكون هو السيد البارزاني وحزبه ، ومن غير المستبعد تماما أن يفعل أردوغان مثلما فعل شاه إيران بعد تحقيق مطامعه في القضاء على ثورة حزب العمال الكردستاني بمساعدة حزب السيد البارزاني من توقيع معاهدة شبيهة بمعاهدة الجزائر لتصفية الحركة الكردية برمتها في المنطقة . وذلك هو الإنهيار الكامل للقضية الكردية العادلة في جميع أرجاء كردستان .