قيل لصديق الإنسان الكلبِ الوفيّ:
ستحرس منازل بني البشر بأمانةٍ ووفاء دون مقابل سوى فضلة طعام يتركها لك مع وعاء ماء بجانبك، وستكون أفضل صديق للإنسان، وسنعطيك حياة طولها ثلاثون عاماً ...
قال الكلب رافضا:
ثلاثون سنة كثيرة عليَّ، يكفيني فقط خمسة عشر عاما... وهكذا عمّر هذا الوفيّ خمس عشرة سنة وفق ما تمنى.
وقيل للقرد الشبيه الأقرب للإنسان:
ستتأرجح من غصن لغصن تضاهي حركات البهلوان، وتقوم بعمل الخدع لإضحاك الآخرين، سوف تعيش حياة طولها عشرين سنة بالتمام والكمال.
قال القرد متعجبا:
عشرون سنة كثيرة، أريد فقط عشر سنوات ... فتمّ تلبية طلبهِ.
وقيل للحمار عائن الانسان بحمله وثقاله:
ستعمل دون تذمر من طلوع الشمس لمغربها وستحمل فوق ظهرك أحمالاً ثقيلة، وستأكل الشعير وما بقي من فضلات الموائد وقشور الطعام، ولن تتمتع بأي ذكاء سوى معرفة طريق الذهاب والإياب بمهارة، وستعيش حياة طولها خمسين سنة.
قال الحمار:
سأكون حماراً لا أتعب من حمل كل ما يريده مالكي الانسان، ولكن خمسين سنة كثيرٌ جداً، أريد فقط عشرين سنة... فكان له ما يريد من سنيّ الحياة وفق ما تمنّى.
وقيل للإنسان الشّرِه الطامع بعمر الحياة مهما تفاقمت شرورها وقلّت مسرّاتها:
أنت المخلوق الأكثر ذكاءً على وجه الأرض وستستعمل ذكاءك لتجعل منك سيداً على باقي المخلوقات، وتعيش حياةً جميلة لعمارة الأرض وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة كلها طفولة مدللة وفتوّة وشباب يانع.
فقال الإنسان محتجّا وطامعاً بسنوات أخر:
هل سأكون إنساناً لأعيش عشرين سنة فقط !؟ ولمَ الاجحاف بي وتقصير عمري الى هذا الحدّ، هذا قليل جداً!! أريد الثلاثين سنة التي لم يرغب بها الحمار، والخمسة عشر سنة التي رفضَها الكلب، والعشر سنوات التي عزف عنها القرد.... فتمّ تلبية طلبه ، وكان له ما أراد.
ومنذ ذلك الزمان والإنسان يعيش عشرين سنة كإنسان في طفولته وصباه وفتوته وقبيل زواجه .... حتى يتزوج بعدها ...يعيش ثلاثين سنة كالحمار ... يكدّ ويعمل من طلوع الشمس لمغربها ويحمل الأثقال على ظهره ...وعندما يكبر الأبناء يعيش خمسة عشر عاماً كالكلب.... يحرس المنزل ويغلق الأبواب ويراقب الكهرباء ويأكل أقل الطعام أو من الفضلات التي يتركها أبناؤه بعدها؛ وعندما يشيخ ويتقاعد يعيش عشر سنوات كالقرد.... يتنقل من بيت لبيت ومن إبن لآخر أو من بنت لأخرى ويتحيّن الفرص القليلة ليزور صديقته الأرملة الوحيدة الجميلة ببدانتها المحببة العائشة لوحدها بعد ان تركها نسلها واقترنوا بعوائلهم، وحينما يتحلق أحفاده حوله تراه يعمل الخدع ويسرد الحكايات لإضحاك أحفاده وحفيداته ويلاعبهم بعد ان تغيب عنه رفيقة العمر الى مثواها الاخير بانتظار ان يلحقها بعد فترة وجيزة.
تلك هي سيرة حياة الرجل في حياته وأولهم انا الذي اكتب هذه الحالات والظواهر التي مررت بها..
هو ذا عمري الطويل الان الذي تمنيته وقد سلبتُه من تلك الحيوانات التي تشاركني الحياة، فهي رحلت عني وودّعت هذا الشيخ العجوز الذي يكتب سيرته الذاتية في أذيال العمر الأخيرة.
















التعليقات