قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مِن عادة مَن كان حاضره غارقاً في الرداءة أن يتغنى بماضيه المجيد، وبديهي أن مَن كان راهناً في القاع مقيم أن تراه مفتخراً بالعلو الذي بلغه الأجداد، هذا بدلاً من السعي للنهوض بنفسه وبمجتمعه والخروج من الهاوية التي يقيم فيها مع أهله، وذلك من خلال العمل المتواصل للتخلص من الأدران المتراكمة والملتصقة ببدنه؛ هذا إذا لم يكن التفاخر بما صنعه الغير مستساغٌ لديه بكونه أسهلُ بكثير من المشاركة في خلقِ نظيره!.

على كل حال فإن ظاهرة الاتكاء على منجزات الأولين غدت مثل لازمةٍ يتداولها الكثير من الاخوة المصريين والعراقيين، وربما بصيغةٍ أكثرُ تبجحاً السوريين رغم زناخة واقعهم، وحيث أنهم في الطلوع والنزول يتغنون بمآثر السلف، مَن يدري ربما كان ذلك حباً بالفرار من الواقع التعيس، أو لعلهم تهرباً من مسؤوليتهم في تحسين الحاضر البائس تراهم يفتخرون بتراث الفراعنة والسومريين والكنعانيين والفينيقيين؛ علماً أن الاِفتفخار بما يخص الآخرين ومنجزاتهم المادية والمعنوية وكل ما ليس لنا ولهم أيَّ فضيلة في وجوده أمرٌ استهجنه الفلاسفة منذ قرون ومنهم الفيلسوف الروماني إبكتيتوس القائل: "إياك أن تزدهي بمناقب سواك" فهي ليست من صنع يدك، وليس لك أيَّ دور إيجابي فيها غير التعكز والاتكاء على تلك المآثر.

كما أن الواقع الذي نعيش فيه يشير صراحةً إلى أنه ليس صحيحاً القول بأن وجهة الشعوب هي دائماً إلى الأمام كما أن لهيب النار وجهتها على الدوام نحو السماء، بل ثمة محطات تتقهقر فيها المجتمعات إلى أسفل درك حضاري، وإذا أردنا قياس آثار السالفين مع واقع شعوب المنطقة يمكننا التيقن بأن عجلة التطور كثيراً ما تقع في جروفٍ عميقة وليس من السهولة بمكان الخروج من تلك الجروف، وعلى سبيل الذكر وليس الحصر فالحضارة الفرعونية وآثارها تؤكد بأن الشعب المصري بدلاً من أن ينطلق مما لديه إلى فضاءاتٍ أرحب، هو الآن مقارنةً بزمن الفراعنة ليس على يرام البتة، بل هو في الكثير من الجوانب دون من سبقوه بمئات السنين، وسورية من دون التوغل في الماضي السحيق، إنما بالعودة إلى الماضي القريب أي فترة الخمسينيات يظهر لنا بأنها كانت أكثر تقدماً مما هي عليه الآن في معظم نواحي الحياة، والعراق الذي قدّم شعلة الحضارة للعالم يعيش اليومَ في ظلمات الساسة ورجال الدين.

وكم هو مجافٍ للحقيقة القول بأن الشعوب بشكلٍ مستمر تتقدم ولا تتقهقر وتتراجع إلى الخلف، وحيال ذلك يمكننا أن نذكر بعض منجزات الحضارة السومرية والمراتب الأولى التي بلغتها في زمنها وما كانت عليها سومر مقارنةً بحال بلاد الرافدين اليوم، وذلك كما ذكرها صموئيل نوح كريمر في كتابه "التاريخ يبدأ في سومر" والذي رأى بأن 39 من "الأوائل" في الحضارة والثقافة يرجع أصلها إلى السومريين، ولكننا حيال الواقع المزري في بلادنا المبتلة بسطوة الرعاع سندع كل تلك الأوليات ونقف عند جملةٍ واحدة تنسب إلى السومريين باعتبارها تناسب حقيقة ما هي عليه مرابعنا، وهي أن: " الهمج الرعاع، لا يسيرون إلاّ وأسلحتهم بأيديهم"، إذ أن ما ورد في هذه الحكمة المكتوبة منذ ما قبل الميلاد عن الهمج والرعاع، يحسها السوري وكأنها تقال اليوم عن الهمج والرعاع والأوباش من حملة السلاح في المناطق السورية الثلاث: "نظام، معارضة، قسد" إذ أن تلك الجملة لوحدها كافية لتخبرنا أين كانوا هم وأين نحن! وحيث أنها تُظهر الفرق الكبير والمسافة الحضارية بيننا وبينهم.

ومن جهة مخاطر انتشار السلاح في المجتمع، فإذا كان الإنسان البدائي في الحضارات القديمة كان متسلحاً بالخناجر والسيوف والأقواس، فإن الهمجي في الوقت الراهن في بلادنا متسلح بأحدث الأدوات الحربية، وإذا كان الغوغاء الذين لم يخضعوا لشروط الترويض من قِبل الكائن الإنساني القديم أنهم عند أي خلافٍ مع أقرانهم كان كل كائن منهم يلجأ إلى ما بحوزته من الأسلحة التقليدية كالأنياب والحوافر والقرون، وتلك الأسلحة لا شك كانت عواقبها فردية ولا تطال الآخرين، وضررها يبقى في إطاره الضيق جداً، ولا يمتد إلى المجتمع برمته، بينما الكائن البشري السوري المقيم بكامل عدته الحربية الحديثة وسط المدنيين بعيداً عن القانون والمساءلة في جميع المناطق وبشكلٍ خاص في الشمال السوري، ففي أي خلافٍ لأحد من أولئك المدرعين مع جاره أو مع عنصر آخر أو مع عابر سبيل، يلجأ إلى الكلاشن أو الدوشكا أو الهاون، وحيث أن اللجوء إلى هذه الأسلحة قد يتسبب بمقتل وجرح عشرات المدنيين الذين لا شأن لهم بما جرى بين الكائنين المتقاتلين، والسؤال الذي لا يفارق أذهان الكثير من أبناء المجتمع السوري، هو يا ترى أي الكائنات أكثر خطورةً الدابة الغير مروّضة في البراري أم البشر المزنرين بأخطر الأسلحة والمنتشرين في عموم سورية؟ ثم هل يحق للسوري أو العراقي أن يفتخر بماضٍ لا شأن له به وهو أصلاً دون ذلك الماضي، لأنه لو كان فعلاً ابن ذلك الماضي المتباهَى به لما ظل حاضره بهذه النتانة، وحيث أن واقع العراق وطبعاً سورية بدرجة أكثر قبحاً في الوقت الحالي هو أشبه بلعنةٍ متنقلة من هاوية إلى هاوية.