يولدُ الإنسان ما بين قَدَرٍ وخيارٍ. يقضي حياتَه على دربٍ يرسمُهُ بقراراتٍ، بِإلْهاماتٍ، وأحيانًا بِأَخِيلاتٍ!
بين الخطوة الأولى التي يخطوها والأخيرة، مسيرةٌ تضطربُ فيها الخطواتُ وتتداخلُ العثراتُ وترتفعُ الإنجازاتُ وتَرتَسِمُ العَبَراتُ وتلتهبُ الأشواقُ وتزدهرُ الأمنياتُ!

يولدُ الإنسانُ مستقبلاً الدنيا بصرخةٍ وبَسْمةٍ؛ صرخة تُسِرُّ له أنَّ المسيرَ دربٌ مليءٌ بِالتعبِ والأشواكِ والقحْطِ وَالزَّلاّت... وبسمة يهتدي إليها بأوّلِ الحواسِ، متّبعًا عطرَها وَفوْحَ حنانِها وفرحةَ آلامِها والتَّنهُّداتِ، تقولُ له بِأنَّ المسيرَ دربٌ فيه الأملُ وَالثمرُ وَالوفْرُ وَالفرحُ وَالبَذْلُ وَالكَسْبُ وَالأمنُ والمسرّات!
يولدُ الإنسان وفي روحِه شوقٌ للضمَّةِ الأولى، لِلَّتي سَمعَ صوتَها وَتَنشَّقَ عطرَها سابحًا في حِمَاها، مُتنعِّمًا بِلُطفها، آمِنًا بِخَوفِها!

تسعةُ شهورٍ تَنقلُه مِنْ وجودٍ ميكروسكوبيّ إلى هيئةِ إنسان؛ تَنحتُ فيه الشكلَ والسّمات، وتهيِّئه لِأَول اختبارٍ لِلْقدرةِ على الاحتمالِ. فَإِذا صبرَ وَاِحْتملَ، فازَ بِالحضنِ الذي إليه الشوقُ والتوقُ يتجهان، وَإِذا أعلنَ الاستسلامَ كان هو الفاقدَ والمفقود...

وَبعدَ الفوزِ بِالاختبار الأول، تَتزاحمُ الاختباراتُ، وتتداخلُ، وتتكاثرُ حتى يستحيلُ الاستيقاظُ مِنْ غفوةِ الليل إلى صوتِ النفير!
كلَّ صباحٍ، سلاحُكَ اختلافُكَ، حُلمُكَ، حِلمُكَ، ابتسامتُكَ، طموحُك، إصرارُكَ، عزيمتُك، صبْرُكَ، إرادتُك بالتقدُّمِ بالتعلُّمِ.
كلَّ صباحٍ، عدوّك النمطيَّة، الهزيمة، الحواجز، الغيرة، النميمة، العنجهيَّةُ، الاستبدادُ، الرياءُ، الاستعلاء.

تَسْتلُ سلاحَك مع إشراقةِ كلِّ يومٍ جديدٍ، تخوضُ حربَكَ، ترتاحُ قليلاً، تنامُ قليلاً، ثمَ تنهضُ للوقوفِ مِنْ أَجْلِ فوزِك، مِنْ أَجْلِ حُلمكَ الذي لا تَملُ مِنه ولا تَتعبُ، بَلْ تَسقيه لِيكبر بَانتصاراتِك اليوميةِ الصغيرةِ والمهمةِ، مِنْ أَجْلِ أنْ تُثبتَ لنفسكَ أنَّكَ اليومَ إنسانٌ أفضلُ مِمَّا كنتَ عليه أمس. تُنافسُ ذاتك، قدراتك، تتحدّاها لتُصْقَلَ، لِتتأَلَّقَ، لِتُثْمِرَ!

ترسمُ دربَكَ غير عابئٍ بدروبِ الآخرين... فَلْيرسموا عليها وَهُمْ قاعدون، فَلْيرسموا عليها وَهُمْ يَكدُّون، فَلْيرسموا ما شاؤوه أو ما اجترُّوه؛ همُّكَ رسمُكَ، تفاصيلُه التي تحمِلُ لحنَكَ في حناياها، إبداعُك الذي تُنشِئُه، تهندسُهُ، تغرسُهُ، تضاعِفُهُ، تشذِّبُهُ، تؤطِّرُهُ، تحرِّرُهُ، تلوِّنُهُ بأيِّ لونٍ تريد...


تنظرُ دومًا إلى حيثُ يلتقي الدربُ بِالأفْقِ، حيثُ ينبعثُ النورُ، ويصدحُ اللحنُ الحبيبُ، حيثُ السكينةُ التي تتوقُ إليها، والطمأنينةُ التي تشتاقُها، حيث تتماهى الراحةُ بِالعمل، وَالوحدةُ بِالاختلاف، وَالوصولُ بِالانطلاق، وَالبسمةُ بِالدموع، وَتَعِي كلَّ ضدٍّ!

تنظرُ إلى حيثُ النورُ الذي تنتظر، النورُ الذي تبني، النورُ الذي يَسْطع، النورُ الذي يُشبِعُ نَهَمَ المسير بِلا كَلَلٍ، بِلا مَلَلٍ، وَقَدْ أُخْرسَ النذيرُ وَاللئيمُ وَالكذوبُ والحسودُ، وَنَفَى عَنِ العقلِ القيودَ وَالتكبيلَ، ومكّنَ بالشكِ اليقينَ، وَأَعلا بِالسؤالِ الحقيقةَ، وَأَغنى زادَهُ بِالنقاشِ وَالحوارِ وَالجدلِ، وَأَدركَ أنَّ الوجودَ لا يتحقّقُ إلاّ بِاثْنين مُتضادينِ مُتكاملينِ، وَأنَّ الأمانةَ تَقتضي التفكيرَ، وَأَنَّ المسؤوليةَ لا تُلْقَى إلاّ على كتفِ الأحرارِ!

تنظرُ إلى ما تَبْنيه، لَبِنَةً إِثْر أخرى، وَإلى ما تُحْدِثُهُ مِنْ تغيير، مِنْ بَصمةٍ يَسطرُها لَكَ الغدُ وَلَو بِكلمةٍ، مِنْ تأثيرٍ، مِنْ أَثرٍ يُثمِّنُ الحياةَ لا القبورَ...
تَنظرُ هناكَ، وَتَرنو إلى المنظورِ المأمولِ بِلهفةِ العاشقِ إلى محبوبِهِ بَعْدَ طولِ فِراقٍ، فَتُخرِسُ في أُذنيك أيَّ طنينٍ لِلدبابيرِ، وَلِلتأطيرِ، وَلِلتطريزِ، وَلِلتقزيمِ، وَلِلنسجِ على غِرارِ السابقينَ؛ وَتُحلِّقُ عاليًا في أَثير حريَّةٍ يَنبضُ بها قلبُكَ وَيحدِّثُكَ بها عقلُكَ... لِتَصنعَ انتصارَكَ الأكبرَ!

تستيقظُ كلَّ صباحٍ تَتقلَّدُ سيفَكَ لِتقتلَ الجهلَ فيك وَالتخلّفَ وَالجمودَ وَالقعودَ وَالخوفَ وَما يمَحوكَ من الوجود، لأنّكَ تُدركُ أنَّكَ أنتَ التغييرُ الذي تَنشدُه عندَما يَتَحققُ فيكَ الإنسانُ!

الخانعُ أكثرُ ما يَخشى السؤالَ، والجاهلُ أكثرُ ما يَخشى الاختلافَ. فِإذا أرادُوا أنْ يُغرِّبوكَ دَعْكَ مِنْهم لأَنَّهُمْ خائفون، وإذا أرادوا أنْ يَخنُقُوا عَزْمَكَ دَعْكَ مِنْهم لأَنَّهُمْ متخاذلون! لا تَخْشَ الوداعَ إذا أرادُوه!