تتحرك تركيا في السنوات الأخيرة إستراتيجياً في إتجاه مناقض لإلتزاماتها المترتبة على عضويتها في حلف الأطلسي (الناتو)، فبعد مواجهة سياسية كادت أن تتحول إلى صدام عسكري مع اليونان، الدولة العضو بالحلف، وتوترات وصدامات سياسية مع أعضاء آخرين بالحلف، وبعد أزمة شراء الصواريخ الروسية "إس ـ400"، التي تعد أحد مصادر الخلافات الأساسية بين واشنطن وأنقرة، تتبنى تركيا في الآونة الأخيرة سلسلة من التحركات التي تضع علامات إستفهام كبرى أمام مستقبل عضويتها بحلف الأطلسي.

بعد أزمة إعتراضها على إنضمام فنلندا والسويد لعضوية الحلف ثم موافقتها، تتجه تركيا إلى فتح باب التبادل التجاري مع روسيا بعملتيهما الوطنيتين، ما يفتح الباب أمام روسيا للحد من أثر العقوبات التي تفرضها عليها الدول الغربية، أو بالأحرى الأعضاء في حلف الأطلسي، حيث تعتزم تركيا التحول تدريجياً إلى دفع الغاز الروسي بالروبل، وتتحدث وسائل الإعلام التركية عن أن هذه الخطوة ليست سوى البداية، وأن الدولتين إتفقتا على التحول بالكامل إلى التخلي عن الدولار في التجارة البينية.

صحيح أن تركيا لم تنضم إلى العقوبات والقيود الغربية المفروضة على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، ولكن تحولها إلى دعم الإقتصاد الروسي بشكل غير مباشر، يثير بالقطع غضب العواصم الغربية، لاسيما أن تركيا يمكن أن تتحول في هذه الحالة إلى منفذ عبور وسيط للسلع والبضائع الروسية للوصول إلى الأسواق الأوروبية.

مواقف تركيا المثيرة للقلق الأوروبي لم تقتصر على ماسبق، بل إن الشواهد تؤكد أن تركيا تتجه إلى فتح قنوات إتصال مباشرة مع الجار السوري، حيث تسعى روسيا لإقناع أنقرة بإجراء حوار ثنائي مباشر مع دمشق، وأن الرئيس رجب طيب أردوغان لا يعارض هذه الخطوة، وهو مايضيف سبباً جديداً لأسباب الخلاف القائمة بينها وبين واشنطن، التي تحاول مواصلة تطبيق سياسة عزل النظام السوري رغم كل الإختراقات العربية والاقليمية لهذه السياسة!

مجمل هذه الشواهد تغذي التوقعات القائلة بأن عضوية تركيا في حلف الأطلسي قد تبدو غير قابلة للإستمرار، وتستند هذه التوقعات إلى أن سياسة تركيا الخارجية في السنوات الأخيرة لم تعد تتماشى مع سياسات الحلف وأهدافه وتوجهاته الإستراتيجية، وأن الخلاف بين أنقرة والحلف لم يعد قابلاً للإصلاح. في مقابل ماسبق هناك وجهة نظر مغايرة ترى أن الأمر لا يتعلق بسياسة تركيا الخارجية بقدر ما يتعلق بالأيديولوجية التي يتبناها الحزب الحاكم برئاسة الرئيس رجب طيب أرودغان، وهي مسألة تتعلق بهوية تركيا التي لم تعد على ذات الدرجة من الإرتباط العضوي مع القيم السياسية المشتركة التي تربطها مع بقية أعضاء "الناتو"، وأن حزب "العدالة والتنمية" الحاكم ذي المرجعية الاسلامية يدفع بإتجاه تغيير هوية تركيا، وهي أمور ترتبط بصدارة الحزب للساحة السياسية التركية منذ نحو عقدين، ولا علاقة لها بالدولة التركية بشكل عام، ومن ثم يرى هؤلاء أن المسألة وقتية، وأن تراجع شعبية الحزب وإنتهاء ولاية أردوغان سيكونان نهاية لمعظم التوجهات التركية الحالية، وأن تركيا ستعود ـ وقتذاك ـ إلى وجهها الحقيقي، الأكثر تماهياً مع حلف الأطلسي وإبتعاداً عن روسيا وإيران والصين وبقية خصوم الولايات المتحدة الإستراتيجيين.

وبين هذا الرأي وذاك يرى فريق ثالث أن مراجعة عضوية تركيا في حلف الأطلسي ستكون سابقة في تاريخ الحلف، الذي لا تتضمن لوائح تأسيسه التعامل مع حالات مماثلة لما هو حاصل مع تركيا الآن، كي يتنسى للأعضاء سحب عضوية الحلف، أو حتى مناقشة مصير عضويته وتحديد موقف الحلف من السلوك السياسي لأي عضو يعمل في اتجاه مناوىء لتوجهات وأهداف بقية الأعضاء.

الملاحظ كذلك أن الحديث عن مستقبل عضوية تركيا بالحلف قد تزايد عقب إطلاق الناتو آلية رسمية لضم السويد وفنلندا إلى صفوفه، حيث يرى الكثير من الخبراء والمتخصصيين أن بإمكان الدولتين تعويض غياب تركيا أو خروجها من الحلف، بما يمتلكان من جيش إحترافي قوى وموقع جغرافي بديل للموقع الإستراتيجي التركي الذي كان يمنح أنقرة ثقلاً كبيراً داخل الحلف، بالإضافة إلى وقوفهما على أرضية قيمية مشتركة مع الغرب بحسب مايرى خبراء أوروبيين.

في المقابل، ربما كانت أحد دوافع التوجه التركي المتزايد نحو روسيا وغيرها من الدول والقوى المناوئة للغرب تتمثل في دعوات الطرد من حلف الأطلسي التي تعلو بين الفينة والأخرى، حيث إرتفعت الأصوات في عامي 2016 (عقب محاولة الإنقلاب الفاشلة) و2019 (عقب العمليات العسكرية في شمال سوريا) تدعو لطرد تركيا من حلف الأطلسي، ولكن الواقع يقول أن هذه الفكرة تظل مستبعدة على الأقل في الوقت الراهن، في ظل الصراع الدائر بين روسيا والغرب، حيث تبقى لتركيا أهميتها بالنسبة للدول الأوروبية على وجه التحديد، ولاسيما فيما يتعلق بملف اللاجئين السوريين، فضلاً عن تفادي منح روسيا شريكاً إستراتيجيًا كاملاً يعزز موقفه في الصراع الشرس مع الغرب، علاوة على أن هناك من يراهن على إحتمالية تغيير النظام الحاكم في تركيا، مع ما ينطوي عليه ذلك من تغيير أجندة السياسة الخارجية التركية والعودة للتوجهات السابقة التي كانت سائدة قبل عام 2002، وهي فرضية ستختبر في إنتخابات العام المقبل (يونيو 2023) حيث من المقرر أن تشهد البلاد إنتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، تبدو فرص حزب العدالة والتنمية فيها متراجعة بحسب إستطلاعات الرأي ونتائج الإنتخابات التشريعية الأخيرة.