سعيد أبو المعاطى المواطن الديموقراطى (16)

عاشت الست quot;سنيةquot; أم سعيد أبو المعاطى حياة قاسية فهى منذ أن تزوجت وهى اما حامل فى طفل وإما تقوم بدورها كمرضعة لأطفالها وكانت إلى جانب هذا تقوم بدورها كفلاحة عاملة تقوم بتربية الدواجن وحلب الجاموسة وعمل الجبن القريش وتذهب لبيعها فى سوق القرية الإسبوعى أو تبيعها لبقال القرية، وإحيانا تقوم بعجن وخبز الخبز، وإحيانا أخرى تقوم بشرائه جاهزا، وكانت دائما تحمد ربنا على كل شئ، لم تكن تتذمر على حياتها الفقيرة،المرة الوحيدة التى تذمرت على سوء حظها حدثت عندما فقدت زوجها فجأة بالسكتة القلبية، وشعرت بأن الدنيا من حولها قد إنهارت، وقد كان زوجها هو العمود الفقرى للإسرة، صحيح أنها كانت تشعر بأهميتها فى quot;الخلفةquot; وتربية الأطفال إلا كانت تعرف تماما أنها تأتى درجة ثانية فى الأهمية بعد زوجها والتى كانت دائما تناديه بأبو سعيد، وكان أبو سعيد فى شبابه شاب quot;حليوةquot; له ملامح quot;خواجاتىquot; نادرة وكأن جده كان تركيا أو إنجليزيا، لذلك وافقت على الفور عندما تقدم للزواج منها بدون أن تعرفه، ولكن حظها كان جيدا بالرغم من أنه كان فلاحا فقيرا مثلها، إلا أنه كان بصفة عامة رجلا طيبا لم يضربها مثل باقى الأزواج فى القرية، أحيانا كان يعايرها بفقرها، وكانت تسخر منه لأن quot;الحال من بعضهquot;، ومع طول العشرة بدأت تشعر بألفة وإطمئنان إلى جواره وشعرت حقا أنه quot;راجلهاquot;، لذلك جاءت وفاته بمثابة مصيبة كبرى حلت عليها وحزنت عليه حزنا حقيقيا تجاوز حزنها على أبيها وأمها، وبرغم من أنها كانت جميلة عند جوازها إلا أن خلفة خمس بنات وولد تركت اثارا سلبية على جمالها، ولم يعد هناك سوى لمحات جمال تراها فى جمال العينين ورشاقة القوام والذى حافظت عليه بفضل العمل الشاق سواء فى البيت أم الغيط، ولم تفكر فى الزواج بعد وفاة زوجها، لأنها لم تكن تتخيل أن يشارك رجل آخر فراشها بعد أبو سعيد، وفى نفس الوقت خافت أن تتزوج رجل يعامل بناتها بقسوة مثل السمعة السيئة ل quot;زوج الأمquot;.
وبعد سنوات من وفاة زوجها بدأ البنات يكبرن، سافرت وتزوجت سناء ورغم فشل زواجها إلا أنها بعد رجوعها بدأت تقوم بمهام كثيرة من مهام أمها فى البيت وفى الغيط وكأنها تريد أن تنسى همومها وأن تنسى تجربة زواجها الفاشل، أما سعاد فهى لا تفكر إلا فى نفسها وفى جمالها، منذ أن دخلت جامعة الإسكندرية شعرت الأم بأن سعاد لن تعود إلى القرية مرية أخرى، وكانت تشعر بأن جمال سعاد خسارة فى تلك القرية الفقيرة، ولكنها كانت أيضا تخشى عليها أن تكون ضحية لجمالها، وكانت دائما تخاف من غيرة إخواتها من جمالها، وكانت تخشى من طمع أهل القرية من أصحاب النفوذ فى جمال سعاد، لذلك وافقت على زواج سعاد من العمدة إيثارا للسلامة أولا وأملا فى أن مصاهرة العمدة سوف تنقذهم من مستنقع الفقر والذى يبدو أنه قد كتب عليهم، ولكن رفض سعيد وسعاد بشدة لفكرة مصاهرة العمدة أفشلت رغبتها فى إتمام هذا الزواج.
...
وبعد وفاة زوجها مباشرة سمعت سنية أن الحكومة تصرف معاش لفقراء الأرامل، وهو ماكان يطلق عليه quot;معاش الساداتquot;، وهو أسم عجيب فعلا وكأن السادات كان يدفع المعاش من جيبه الخاص، و بعد التحريات والتقصى عرفت أن عليها تقديم طلب إلى هيئة الشئون الإجتماعية، وتذكرت يوم أن ذهبت يوما إلى رشيد عندما كان سعيد مازال فى آخر سنة من المرحلة الثانوية، وتوجهت إلى مكتب الشئون الإجتماعية ومعها شهادة وفاة زوجها، وعاملها الموظف بما يليق بها كفلاحة غلبانة (منتهى الإحتقار والإستعلاء)، وأعطاها ما يشبه الأوامر:
- خدى إملى الطلب ده.
- أيوة بس أنا ما بأعرفش أكتب.
- دى مش شغلتى خللى حد يكتب لك الطلب.
وتلقاها أحد الفراشين فى المكتب، وطلب منها مبلغ صغير من المال لكى يطلب من أحد الموظفين بملأ طلب صرف المعاش، ثم عادت إلى الموظف بالطلب المكتوب.
- أيوه ياستى، معاكى شهادة وفاة زوجك.
- آدى شهادة الوفاة.
- عاوزين كمان شهادة موقعة من إتنين موظفين لإثبات أن المستفيدة من المعاش مازالت على قيد الحياة!
- يعنى إيه quot;المستفيدةquot;.
- يعنى أرملة المرحوم.
- أنا أرملة المرحوم ياأخويا.
- أيوه عاوزين شهادة تثبت إنك على قيد الحياة.
- يعنى إيه على قيد الحياة.
- يعنى لسه عايشة.
- ماأنا عايشة قدامك أهو.
- أيوة عاوزين بقى شهادة تثبت إنك لسه على قيد الحياة.
- ياعالم ياهو، إمال إنت بتكلم عفريت ماأنا قدامك لحم ودم أهو.
- لا بد من شهادة تثبت إنك على قيد الحياة علشان تبتدى صرف المعاش، وإتفضلى بقى علشان ورايا شغل.
وداخت سنية أم سعيد السبع دوخات لمدة تقرب من العام حتى إستطاعت إثبات أنها ما زالت على قيد الحياة !! وبدأت فى تحصيل معاش بسيط ولكنه quot; نواية تسند الزيرquot;، وبعد أن صرفت المعاش لأول مرة قرأت الفاتحة على روح الرئيس السادات.
..
ومرت السنوات على سنية وعلامات الزمن الغادر بدأت تظهر عليها، نظرت مرة إلى المرآه اليتيمة لديهم فحزنت لتزايد التجاعيد على وجهها ورقبتها علاوة على تشقق وجهها من لفحة الشمس نتيجة العمل فى الغيط والشعيرات البيضاء تزحف بعناد على رأسها بالرغم من صبغة الحناء الرخيصة واسنانها تتساقط مثل أوراق الخريف، ماذا حدث، ومن هى تلك المرأة العجوز فى المرآه المشروخة، واين ذهبت سنية الوردة المفتحة ذات الخدود الوردية، وحزنت كثيرا لأنها تشيخ وحدها، ولو كان أبو سعيد مازال حيا لشاخا سويا، ولما شعرت بألم الشيخوخة التى تهاجمها قبل الآوان. فعلا الزمن quot;ما لوش أمانquot;.
...
وفرحت سنية بعودة سناء من غربتها فى باكستان، بالرغم من أنها أصبحت تحمل همها كبنت مطلقة إلا أنها داخليا أرتاحت لشعور داخلى أن سناء (بنت جدعة) والوحيدة التى تساعدها بحماس فى عمل البيت والغيط، ولم تعد تبال مثل سناء فى أن تتزوج مرة أخرى، لأن أى رجل سيرغب فى الزواج من فتاة مطلقة وغير جميلة مثل سناء سيأخذها لكى تعمل خادمة بالنهار وفراشا بالليل، لذلك فقد فضلت أن تخدم إسرتها وأمها ويبدو أن جميع افراد الإسرة (بإستثناء سعيد) وافقوا ضمنا على رغبة سناء تلك تحقيقا لمآربهم الخاصة وللحصول على خادمة مجانا. ولم ترتح سنية كثيرا لتشجيع سعيد على أن تكمل سناء تعليمها خشيتة أن يشجعها هذا على ترك البيت مرة أخرى، لكن الرياح هذه المرة أتت بما تشتيه السفن، فقد فقدت سناء حماسها لإستمكال دراستها رغم إلحاح سعيد، والذى فقد الأمل فى النهاية وشعر أنه يبدو أنه من الأفضل لسناء أن تبقى معهم فى البيت، وأصبحت سناء حقيقة وكأنها quot; رجل البيتquot; يعتمد عليها الجميع فى كل شئ، وإرتاحت سناء لهذا الوضع وأعطاها الإحساس بالأهمية ومحبة أسرتها وعوضها هذا كثيرا عن فشل زواجها وعن فقدانها أى أمل فى زوج آخر.

....
أما سعدية فكانت حكايتها حكاية، فمنذ أن فقدت إختها التوأم سعيدة بعد غرقها فى الترعة وبعد مشاهدة جثة توأمها بعد إنتشالها من عند الهويس، فقدت سعدية أى إهتمام حقيقى بالحياة، وأحيانا كانت تخرج وتقف على باب البيت فى إنتظار عودة سعيدة، ثم تفيق لخيالاتها وتدخل باكية إلى البيت وهى تقول :
- كان ضرورى أموت مع سعيدة، إحنا توأم إتولدنا مع بعض وكان ضرورى نموت مع بعض.
وتواسيها أمها :
- بلاش الكلام ده يابنتى ده قضاء ربنا، إختك سعيدة فى الجنة ونعيمها إن شاء الله.
- أنا كان مفروض أكون معاها فى الجنة ونعيمها.
ولم تغب سعيدة عنها لحظة، وكأنها قد ماتت بجسدها فقط ولكن روحها ما زالت تعيش فى داخلها، وكان الجميع يقول لها :quot;أن الموت علينا حقquot; وأن ما حدث هو quot;قضاء وقدرquot; وكل كلام المواساة المعتاد، إلا أن سعدية قد رفضت كل هذا وخلقت سعيدة من جديد داخلها، وكانت كلما تفعل شيئا فى البيت او الغيط أو المدرسة، كانت دائما تقول :
- أهو لو سعيدة موجودة كان زمانها بتذاكر معايا دلوقت، أو كان زماننا بنسابق بعض على الحمار،...
سعيدة كانت الغائبة الحاضرة طول الوقت، وفقدت سعدية أى رغبة فى أى شئ، بالرغم من جمالها الهادى (الفلاحى البيتى) إلا أنها أهملت العناية بنفسها وزاد وزنها ولم تبال بإضافة أى لمحة جمالية على نفسها، وبالرغم من شجار أمها معها طوال الوقت على عدم إهتمامها بنفسها إلا أنها رفضت بعناد، وكأنها كانت ترفض الحياة، وإختارت الإنتحار ببطء لكى تلحق بتوأمها وتوأم روحها سعيدة، حتى أنها أهملت دراستها وقررت عدم إستكما ل دراستها ورغم تهديد سعيد لها وترغيبها بكل الوسائل إلا أن جوابها الجاهز دائما:
- أنا ما ليش فى التعليم، أنا عاوزة أتجوز وأقعد فى البيت، وأول واحد حييجى يخطبنى حأوافق على طول.
وقد حدث، فقد جاءها خاطبا، أحد المزارعين المعدمين فى القرية، وكان يعيش مع أمه المريضة، فوافقت سعدية على الفور رغم إعتراض الجميع، وتم زواجها بدون إحتفال يذكر، وكانت سعدية تبدو راضية ومستسلمة لقدرها وكأنها مقبلة على الموت وليست مقبلة على الزواج وعلى الحياة، وبعد زواجها أخذت فى quot;الخلفةquot; مباشرة، وكانت دائما تقول أنها سوف quot;تخلفquot; أكبر عدد ممكن من العيال، وكانت دائما قانعة وتردد:
- كل إللى يجيبه ربنا كويس.
وبعد أن أنجبت سعدية أول بنت واسمتها سعيدة شعرت بأن الله قد عوضها عن فقد سعيدة التوأم، وللزمن أسلوبه الغريب والعجيب فى جعلنا ننسى ونتقبل كل مواجعنا.
....
سلوى آخر العنقود... دلوعة الأسرة، حتى الفقراء من حقهم ان يدلعوا آخر العنقود، والوحيدة التى كان من الممكن أن تنافس شقيتها الكبرى سعاد فى جمالها، ولكن جمال سلوى كان جمالا من نوع آخر، كان الجمال quot;الخواجاتىquot; والتى ورثته عن أبيها، وكانت سلوى مرتبطة بسعيد لدرجة كبيرة، فبعد وفاة والدها كان سعيد هو الأب والأخ والصديق، وكان سعيد يعطيها الأولوية فى كل شئ فعند شراء ملابس العيد كانت سلوى تأتى على رأس القائمة وسناء وسعيد فى قاع القائمة، وكانت سلوى لا تعرف كثيرا عن مشاكل الأسرة وكانت طلباتها بسيطة وكان معظمها مجابا، وكانت تلعب مع أقرانها من بنات القرية، الشئ الوحيد التى كانت ممنوعة منه هو النزول إلى الترعة لأى سبب من الأسباب، وكانت تسمع عن شقيقتها سعيدة وفقدها فى الترعة، ولم تك تعرف معنى الموت ولكنها تعلم أن الجميع يكرهونه، وكانت تكرهه لأنه أخذ أختها سعيدة وترك سعدية وأمها والكل يتألم.
ولقد منعت سلوى من اللعب فى القرية عندما بدأت فى الدخول فى سن المراهقة، وعندها لا حظت ظهور بعض التغييرات على جسمها وكذلك لاحظت نفس الشئ على زميلاتها فى المدرسة، وكانت جل معلوماتها الجنسية تتحصل عليها من خلال الإشاعات والأساطير المنتشرة فى المدرسة الإعدادية، وسناء كانت الوحيدة التى كانت سلوى تأتمنها وتسألها فى تلك الأمور النسائية، وسناء نفسها كانت مستشارة quot;خيبانةquot; نظرا لذكرياتها الأليمة والتى ربطت الجنس بمعاملة إبن حلزة السيئة لها، لذلك كانت أحيانا تعطيها معلومات خاطئة بدون قصد.
وكان تعلق سلوى بسعيد مثار سخرية جميع أفراد الأسرة، وكن يسخرن منها ويقولن لها أنها ترغب فى الزواج من سعيد، وكانت إجابتها الحاضرة دائما:
- والله لو كا كانش أخويا كنت أتجوزته، وعلى فكرة الفراعنة زمان كانوا بيتجوزوا إخواتهم!!
وكان سعيد يضع كل آماله على سلوى، وإلى حد ما على سعاد، ولأنه يعرف أن سعاد تعمل دائما لمصلحتها الشخصية أولا فإن امله فى سلوى كان أكبر، لذلك كان يسعد دائما حين يرى تقدمها فى المدرسة، وعندما دخلت المدرسة الإعدادية، بدأ فى إعدادها للمرحلة الثانوية ومن ثم دخولها الجامعة، ويوما أخبرته سلوى:
- أنا نفسى أطلع دكتورة، إيه رأيك ياسعيد؟
- دكتورة مرة واحدة؟ والله إذا كنت عاوزة تبقى دكتورة، ضرورى تعرفى إن المشوار قدامك طويل قوى، قدامك تخلصى الإعدادى وبعدين الثانوى،وبعدين كلية الطب لوحدها سبع سنين وأكثر.
- بس أنا نفسى قوى أكون دكتورة، كل لما أشوف دكتورة بالبالطو الأبيض فى التليفزيون بيبقى نفسى قوى أكون زيها.
وكانت أمها تسمع هذا الكلام وتفرح وتشفق فى نفس الوقت من المصاريف على سعيد، وخاصة أن الأسرة ليس لها من الدخل سوى دخل سعيد والمعاش البسيط، وحتى سعاد لا تساهم بأى مبلغ فى مصاريف البيت، وكل دخلها تصرفه على نفسها، ولم يكن لهم أى أقارب ميسورى الحال لكى يساعدوهم، وبعض الفقراء لهم أقارب اغنياء يساعدوهم، أما عائلة أبوالمعاطى فيبدو أن تاريخها عريق فى الفقر عراقة قدماء المصريين!! فالفقر قد ساوى بين كل أعضاء العائلة، لذلك كانت دائما تقول لسلوى :
- لو كنت عاوزة تبقى دكتورة، ضرورى تعملى حسابك إنك تشتغلى زى سعاد علشان تقدرى تصرفى على نفسك.
وكانت سلوى مصرة وكانت لا ترى نفسها إلا فى رداء الطبيبة.
....
... وسنية كانت دائما تتهم أهل القرية بانهم شديدى الحسد لأسرةأبو المعاطى رغم فقرها، وكانت تردد وهى تقوم بحرق البخور داخل البيت:
- على إيه ياحسرة، بيحسدونا على الغلب إللى إحنا فيه.
وكان سعيد يقول لها :
- بيحسدونا على أننا مبسوطين، مش الناس لما توصف واحد غنى تقول إن quot;أهله ناس مبسوطينquot;، فيظهر إن الناس بيعتبروننا أغنياء لأننا مبسوطين ، وعمرنا ما مدينا إيدينا لحد.
(ثم فجأة تذكر الخمستلاف جنيه دينه للعمدة)!
...
أما المشكلة الكبرى لدى سنية فكانت سعاد، فكانت تخشى عليها من إندفاعها وتخشى من أنها تفعل كل شئ لتحقيق طموحها الكاسح، وكانت تخشى عليها من معاملةأخواتها فقد كن دائما يتهمن سعاد بأنها أنانية ولا تشارك معهن فى أى من أعمال البيت، وكان هذا حقيقيا لحد بعيد، ولكن سعاد كانت لا تأبه لكل هذا، فقد كان أمامها هدف واحد وهى أن تصل إلى العلالى، وكانت أمها تنصحها دائما :
- بابنتى إللى يبص لفوق يتعب.
- ده كلام الغلابة إللى حيفضلوا طول عمرهم غلابة لأنهم خايفيين يتعبوا من البص لفوق، أنا بقى مش بس حأتعب من البص لفوق لكن حأوصل لفوق، وحآخدكم معايا لفوق من غير ما تبصوا لفوق وتتعبوا نفسكوا!
...
وكانت من أسعد لحظات سنية عندما أخذها سعيد للقاء سعاد بالإسكندرية بعد أكذوبة هروبها من القرية، وكادت تطلق زغرودة عندما شاهدتها فى ملابس فندق الشيراتون الأنيقة، وبرغم أن سعاد قد شعرت بالحرج لظهور أمها الفلاحة فجأة فى كافيتيريا شيراتون المنتزة إلا أنها سعدت برؤيتها، رغم أنها كانت تحاول فى السابق إخفاء حقيقة أصلها الفقير الفلاحى عن مديرها وعن زميلاتها فى العمل وفى الجامعة، وكانت دائما تشعر بالذنب نتيجة تنكرها لأصلها، ولكنها إستمرت فى هذا الإنكار، وكانت دائما تقول لنفسها، لكى تصلى لما تريدين عليك إنكار ماضيك المؤلم.
...
وبعد أن زارت سنية سعاد بالإسكندرية، قررت أن تواجه العمدة شخصيا، وطلبت مقابلته بدون علم سعيد، وكان لقاء قصيرا :
- أنا ياحاج فيه حاجة عاوزة أكلمك فيها،
- إتفضلى يأم سعيد.
- أنا كان يشرفنا إنك تناسبنا فى سعاد،وأنا أول لما سمعت بالموضوع من سعيد كنت موافقة، لكن سعاد مقصوفة الرقبة لكن ليها رأى ثانى.
- أيوة ياأم سعيد البنت لسة صغيرة ومصيرها تعقل.
- أنا إتهيأ لى سعاد دى عمرها ما حتعقل أبدا، أنا جاية النهاردة علشان أقولك إننا لقينا سعاد فى الإسكندرية، وهى دخلت جامعة الإسكندرية زى ما كانت عاوزة.
- أنا عارف كل حاجة، وعملت تحرياتى وسألت عليها وعارف هى بتشتغل فين وكل حاجة، وكويس إللى جيتى بنفسك علشان تقولى لى كل حاجة، وأنا واخد على خاطرى من سعيد إنه خبى عنى كل حاجة، لكن أنا لى مع سعيد كلام تانى.
- والله ياحاج سعيد غلبان وحمله تقيل.
- أنا عارف، لكن كان عليه يصارحنى، ده مهما كان إبن بلد، وأنا ياأم سعيد مش راجل ندل علشان أتجوز واحدة بدون رغبتها، ده حتى تبقى جوازة حرام وأنا راجل حاجج بيت الله عقبى لك.
- على العموم أنا مش عاوزاك ياحاج تكون واخد على خاطرك مننا، وإحنا ما لناش فى البلد دى غيرك.
- أنا بابى دائما مفتوح لكم ياأم سعيد.
...
[email protected]