المتأمل للأداء الإعلامي للحكومة العراقية المؤقتة يجد أنه يتراوح ما بين التهريج والغوغائية والإسفاف وصولا الى حدود الرصانة السياسية النادرة. فما بين تصريحات وزير ووزير، ورئيس دولة ونائبه ورئيس وزراء ونائبه، ثمة بون شاسع من الفهم السياسي والحنكة التكتيكية وصولا الى الإداء اللغوي وصياغة الجملة، وكأنما هذه الحكومة هي مجموعة متنافرة ما يفرقها هو أكثربكثير مما يجمعها. فخطاب رئيس الجمهورية لا يتناسق مع خطاب الجعفري أو شاويس، وخطاب علاوي لا يتناسب مع دقة خطاب برهم صالح، ولغة مفيد الجزائري ليس لها علاقة بخطابات الشعلان، وليس للأمر علاقة باختلاف التخصصات والمهام، فلسنا نطالب خطابا واحدا، وانما نقصد الهدف والتوجه والمصداقية السياسية. لا زالت العقلية السائدة في إعلام السلطة العراقية متشبثة بنظرية الدعاية والتحريض المتطرفة والتي كانت تمارسها السلطات الفاشية والنازية مرورا بكل أنظمة الحزب الواحد أو الأنظمة الدكتاتورية، والتي تعتمد على مبدأ: إكذب، إكذب، إكذب، حتى يصدقك الناس.
فيوميا يخرج علينا وزير الدفاع العراقي ليروي لنا حكايات وقصصا تشبه اقاصيص (أبوطبر) في زمن سلطة البعث السابقة، ولا ادري إن كان مستوى الوعي الإجتماعي العراقي قد وصل حقا الى هذا الدرك من التخلف والسذاجة بحيث يصدق حكايات هذا الوزير الغريب العجيب.

حكاية من ألف ليلة وليلة
آخر هذه المهازل الإعلامية حكاية المرأة التي أرادت إغتياله، لكنها بكت قبل أن تطلق الرصاص، ثم جلس رئيس الدولة معها لساعتين!!
تعالوا معا لنفكك الحكاية لنعرف مدى سذاجتها وتهافت منطقها وضعف تركيبها.
نحن في العراق اليوم نعيش حالة إستنفار أمني، وها نحن في أهم وأخطر وزارة في العراق والتي اخذت على عاتقها إحلال الأمن والإستقرار في العراق، ألا وهي وزارة الدفاع، والتي وبلا أية مبالغة تخوض حربا حقيقية ضد الإرهاب، وفجأة تتصل إمرأة بوزير الدفاع.. تصوروا الأمر، إمرأة إرهابية تعرف تليفون وزير الدفاع تتصل به وتطلب منه مقابلته لإخباره بمعلومات مهمة.. وها هو الوزير يوافق على مقابلتها شخصيا وفي مكتبه...!!!
أين ياتُرى اجهزة الإستخبارات الموكلة بهذه المهمة، واين جهاز الأمن الجديد، بل وأين المستشارون في وزارة الدفاع، ؟؟ بل ومن أين حصلت هذه المرأة على تليفون الوزير؟ ولم وافق هو على مقابلتها ولم يطلب من أي ظابط عراقي ان يقابلها بدلا منه؟؟
دعونا نوافق على كل الأجوبة التي يمكن أن تكون على الأسئلة أعلاه، مهما كان تناقض وسذاجة هذه الأجوبة، ولنذهب ابعد؟
يقول الوزير ان المرأة جلست أمامه، وهي محاطة بالمسؤولين والمستشارين، وفجأة اخرجت مسدسا لتطلق الرصاص منه عليه؟؟؟؟ ياسلام !!!
كيف دخلت هذه المرأة الى وزارة الدفاع، وكيف أخترقت كل حواجز الأمن في المنطقة المحيطة بالوزارة، وكيف اخترقت كل حواجز وزارة الدفاع، وأخترقت البوابين والمفتشين والمستشارين ولم يفتشها احد، بل ولم يشك فيها احد؟ ولم يصفر جهاز إنذار على وجود سلاح؟ هل هذه وزارة أم (خان جغان)؟؟ وهل هذه هي الوزارة التي سلمها العراقيون مسؤولية حمايتهم من الأرهابيين؟؟
الحكاية تمضي ابعد من ذلك؟ فبينما هذه السيدة ( البطلة)، ( وهي حقا بطلة إذا كانت قد قامت بما قامت به من إختراق كل هذه الحواجز الأمنية وفي مركز قيادة الحرب العراقية على الإرهاب!!)، وهي محاطة بالقادة والمستشارين ومخططي القضاء على الإرهاب، وبين كل الحشم ولا أقول الخدم، تخرج مسدسها بكل برودة أعصاب لتوجهه إليه؟؟ لكن فجأة تجهش بالبكاء في نوبة ندم!!!!!!
أين كان كل هذا الجمع في غرفة الوزير، ألم يبادر أي منهم الى الإنقضاض عليها وهي تحاول في حركة مريبة ان تخرج شيئا كان مخفيا، فهي على الأقل لم تدخل الوزارة حاملة المسدس في يدها، وانما نفترض صحة الحكاية، كان مخفيا في مكان لا يشك فيه احد!!! وبالتأكيد كانت المرأة ستحتاج الى دقيقة في أقل تقدير لإخراجه!!! فأين كان كل هذا الحشد؟ بل واين كان الوزير نفسه؟؟
ثم نأتي لأخر قصة الفلم الرومانسي، فها هي البطلة التي كانت تخطط منذ وقت طويل للإنتقام إنتقاما سياسيا، تنهار ولا تستطيع إطلاق الرصاص!! لكن مع فارق واحد هو انه في جميع القصص الدرامية التي تناولت هذه المواقف والصراعات النفسية نعرف ان المرأة كانت قد أحبت من تريد الانتقام منه ولا تستطيع قتله في اللحظة الحاسمة فقد انتصر الحب على رغبتها في الانتقام، فهل أحبت هذه الإرهابية وزير الدفاع!!!!
أما ملحق القصة الغريب هو ان رئيس الوزراء شخصيا وجد من الوقت ما يقارب الساعتين للجلوس والتحدث الى هذه المرأة!!! تصوروا.. اليس أهل العراق، ومدن العراق البائسة ووزارات العراق أولى بهاتين الساعتين!!!

علي بابا والأربعين إمرأة
كل هذه المفرقعات هي من أجل التمهيد لشيء آخر هو إتهام سورية وايران بالتخطيط لإغتياله!! بل لقد وصل الأمر من السذاجة بالاعتماد على رقم ألف ليلة وليلة وهو رقم الأربعين، ( نذكر بعلي بابا والأربعين حرامي) فهناك عدد من النساء الأرهابيات وصل الى الأربعين.. تم تدريبهم في سورية لكن جاء مدرب إيراني خصيصا لتدريب هاتيك النساء... وكأن سورية في حاجة الى مدربين، حتى يأتي رجل من إيران لتدريب الأرهابيات؟؟؟؟؟ لكن الوزير قد تعود على ذلك، فقد خلى العراق حقا من الضباط والعسكريين العراقيين لذا فانه يدفع بالجنود العراقيين الى الأردن لتدريبهم هناك!!!!!
ناهيك ان هذا الوزير يقوم باكبر خرق لقانون إدارة الدولة العراقية باستخدام السلطة والوزارة في الدعاية السياسية الرخيصة، فقد اقر قانون إدارة الدولة بأن الجيش العراقي جيش محايد ولا يتدخل في الشؤون السياسية الداخلية ، مهمته الكبرى هي الدفاع عن الوطن، بينما وزيرنا يشتم هذا الطرف ويتهم مرشحا للإنتخابات بالعمالة، ويروج بشكل عصابي ضد هذا الطرف أو ذاك.. ولا أدري لماذا يوجه هذا الوزير كل مدافعه ضد سورية وايران وينسى أو يتناسى الأردن التي تضم أكثر من ربع مليون عراقي، بينم عشرات الآلاف من أعضاء الأمن والإستخبارات العراقية ومسؤولي حزب البعث أيضا مثلما هم في سورية، أم انه يطبق التوصيفات القرآنية، مع الأردن غفور رحيم ومع سورية وايران شديد العقاب!!!
هذه الوقفة السريعة عند حكاية الإغتيال هي إنموذج للإداء الإعلامي للسلطة العراقية الحالية، إذ يمكن ان نتوقف عند ركام من التصريحات المتناقضة للوزراء والمسؤولين العراقيين، ففي الأيام السابقة اعلن وزير الدولة لشؤون الأمن القومي بانهم يعدون خطة تشبه خطة الفلوجة للقضاء على الإرهاب في الموصل، وبعد ساعات صرح رئيس الوزراء نافيا ذلك!!!
والغريب ان مثل هذه المفرقعات تتزامن مع إقتراب موعد الإنتخابات، بل ومعها تزداد أزمة الوقود، بل وربما ستقطع الكهرباء عن كل العراق يوم الانتخابات من أجل ان لا تتم!!
أما الحديث عن الأداء الإعلامي لوسائل الإعلام العراقية كالفضائيا والصحف ومواقع الإنترنيت فلها وقفة أخرى.