حوارأحمد عدنان: يبدو أن انطباع إحدى الزميلات عن نجيب الزامل " هو كلاعب البوكر، يعرف كيف يستفز الآخرين ببرود، ولكن لا يمكنني أن أنكر أنه خفيف الظل للغاية" يعطينا مسحا شاملا ودقيقا لنجيب الزامل على الصعيد الشخصي، أما نجيب صاحب الملكات الإبداعية المتعددة والثقافة الموسوعية، فقد ظلم نفسه حين أشغلها بالشق الاقتصادي من الشأن العام بحكم مهنته في الأوراق الثبوتية (رجل أعمال)، يمزح الزامل حين يزور مدينة جدة غرب السعودية : (الوهابيون هنا ملزمون بتغيير العملة)، ولعلي أضيف : وحين تحاورهم (إيلاف) ملزمون بالرد على الأسئلة.

* نجيب الزامل ، الكاتب ورجل الأعمال، كيف التقت هاتان الصفتان في شخصك،في حين جرت العادة أنهما شخصيتان متصارعتان ؟

** لم تلتق الصفتان إن أردت على وجه الدقة، إن كانت الدقة هنا تعني اختيارا. فأنا جبلتي بنيت منذ الصغر على الشغف المرضي بالقراءة، ولقد قرأت أمهات الكتب قبل أن أنهي مرحلتي الابتدائية، وهي رحلة بدأت ولم تنته. وأثرت على كل تكويني العقلي والسلوكي ، وأثرت علي بالمدرسة فكنت يوما أستعلي على المنهج الضيق بعد فسوحات واسعة في القراءة، وقد كان من أثر الموقع علي ( حيث الإنجليزية سائدة) ان اطلعت على القامات الإنجليزية والأجنبية المترجمة إلى الإنجليزية في أول ولعي المبكر، وكنت في قريتي العمالية الصغيرة ( رأس تنورة) قد ُأخذت عن الواقع من كثر القراءة في الأدب المصور والمكتوب الذي تخرجه دور النشر الأمريكية، حتى إني كدت أعتقد أني من سكان نيويورك أو لندن أو باريس أو شنغهاي وكلكتا، وأني أعرف كل حارة وشارع.. لقد كان حلما مبكرا ثريا ولكنه لم يجار الواقع بفروق شاهقة فجعلت مني كائنا مستوحشا أو QUEER كما تعرف الإنجليزية. كانت طفولة مغرقة مع القراءة ومتعبة لأنها موحشة ومقفرة في التواصل مع الأتراب.

مع الزمن نمت الناحية الاجتماعية لدي بل تغلبت تماما على أجواء الكتب المشحونة، وعرفت أن أفصل تحصيلي عن واقعي، وكانت هذه طفرة وإنجاز عانيت منها أيضا.. فأتذكر أني في المرحلة الجامعية تعلقت بالأصدقاء أيضا تعلقا مرضيا، فكانت شقتي تمتليئ بالأصدقاء والزملاء، وتخرج أفواج وتأتي أفواج، وكأني ألاحق ما مضى من عمري الفائت، أو كأني خائف أن يقتنصني الاستيحاش والوحدة وأنا لوحدي، وهذا أيضا كان ثمنه غاليا.

لم يأت التوازن إلا بعد تجارب كانت كل مرة تبالغ في أثمانها، ثم عدت متزنا قدر الإمكان بين الكتاب والناس ، فلم يعد جبران ولا إليوت ولا أزيموف ولا العقاد ولا جوته ولا زكي نجيب محمود وأنيس منصور وخليل نعيمه ومي زيادة وموم وبوكوالد من أصدقائي ، صاروا مجرد كتب على الرفوف.

وكنت قد قررت ألا أشارك في الأعمال فاتجهت للعمل الحكومي، ونلت نجاحا مرضيا، وكانت الدروب مفتوحة في التقدم بالموانئ، وكانت مرحلة حافلة شاركت بدور صغير جدا في بناء أكبر ورشة عمل بحرية، وفي تولي أول مركزتدريب بحري في الخليج.. ولكن الذي ناداني للعمل الخاص ليست الجينات التي في داخلي، ولا ولعي بالإنماء المالي، فهما كانا لا يعنيان شيئا من اهتماماتي الأولى لكنها رغبة الوالد والأخوان.. فكان ما كان.. هل أنا نادم؟ لقد أنجزت الكثير جدا في الميدان العملي نجحت هنا وأخفقت هناك.. ولكنها أيام ندفعها وتدفعنا.. هل أنا راض؟ لا أفكر بهذا السؤال.. وإلا كان معلقا فوق رأسي كسيف اقليدس. ولكني ما زلت تهزني صفة الكاتب أكثر من صفة رجال الأعمال، مع اعتقادي الأكيد أن بناة الدول هم رجال الأعمال وليس غيرهم ، أحببناهم أم لا.. حقيقة دامغة!

*كنت على مقربة من معالي الوزير فايز بدر – رحمه الله – إبان عملك في الموانئ، ماذا تقول عن تلك الشخصية في سطر واحد ؟

**كان بركانا من الذكاء والغضب، انفجر ومضى !

*هل خسارة صفقة تجارية تتزاوى لديك مع منع مقال لك أو حذف مقطع منه، ألا ترى ان الرقيب كتب عليه (طول العمر) قياسا بأقرانه؟

**من الصعب المقارنة فعندما أضيع لي فرصة عمل أو أديرها خطا فلا ألوم إلا نفسي، ولكن في الرقيب فهي حالة أخرى وبضرر آخر، فإن الأفكار هي التي تبني كل حضورنا أمام القارئ، وهب التي ترسم هذا الحضور باستقلاليته واختلافه وتميزه، وبصمته العقلية التي لا تتكرر أبدا مثل بصمات الأنامل. ولي تعريف للرقيب إذن ، وهو أن " الرقيب مثل عامل المناجم النهرية، يفصل الذهب عن الوحل، ولكنه يا للغرابة .. ينشر الوحل!"، أما الحديث عن (طول العمر) فإن السحالي هي أبلد المخلوقات، قضت عمرها تراقب التاريخ من غير أن تفعل شيئا وهي التي تعمر تقريبا بلا نهاية، و نستفيد من ذلك أن أصحاب العقول هم الذين يموتون لأن العقل يأكل من الحياة .. ألا ترى أن هذا كاف؟!!

*المنطقة الشرقية في السعودية، تمتاز بتلاقي مذهبي السنة والشيعة على الأرض، هل من الممكن أن نقول أن هذا التلاقي وصل إلى درجة التلاقح والتعايش، أم أن ثمة حواجز تحول دون ذلك ؟

** تلاقح؟!! حلوة دي! لا يا أخي لم نتلاقح.. ولا كان في آمالنا أن نتلاقح، كنا راضين أن نتحاب ونتعايش جنبا إلى جنب، لسنا نخلا نتلاقح بمجرد اقتراب بعضنا مع بعض ومع أول هبة ريح صيفية يتم الإخصاب، نحن بشر بتطلعات وموروثات مختلفة، ولكن في زمن جدي وأبي كان التعايش انموذجيا، ذلك التعايش الذي أشبهه بعناق الموجة مع الشاطي بسلام وتلقائية طبيعية لإكمال دور كوني، ولكن لا الشاطيء يموع في الموجة ولا الموجة تأخذ الساحل.. وأنا أقول أجمل العلاقات التبادلية هي التي يجب أن نتعلمها من آليات الطبيعية التبادلية عند الحيوان والنبات وعناصر الأرض، وأجرام السماء.

كنت قدر رويت يوما أن جدي النجدي جدا الذي مازال طازجا من طين عنيزة، كان أقرب أصدقائه من الشيعة بل تزاملوا بالتجارة، وعندما شب يوما حريق أنقذ صديق له اسمه ميرزا عليوات كتبه الدينية ( تصور) وكانت تلك الكتب عند جدي من اغلى المقتنيات، وكان مجلس أبي صورة بسيطة وتلقائية للتلاحم الإنساني تنسى فيه الفروقات الأثنية والمذهبية أو أنها حين تأتي تكون مجرد موضوعا من المواضيع..كانوا إخوة وأشقاء وأصدقاء ولكن علاقة جميلة تربطهم هي تماما علاقة الموجة مع الساحل.. الآن.. لا يا أخي! لم نعد كالسابق وابتعدنا عن بعضنا بالشسوعات، وهل السنة فقط والشيعة، لا حتى بين الفصيلة الواحدة ( إن أحببت اللقب) تتباعد شظايا بين التطرف والاعتدال والخروج.. وصارت كرة ثلج ملتهبة وتدور وتكبر.. كان الزمان الأول أكثر منطقية، ونرجو أن نذهب كلنا لنتأمل عناقا أزليا، وبلا اتحاد مفروض، بين الموجة والساحل.. لعلنا نتعلم!

*أرامكو ، في المنطقة الشرقية، كانت في أذهان البعض يوما ، صورة من صور الاستعمار الأمريكي، وفي أذهان الآخرين ، إحياء اقتصاديا للمنطقة، السؤال : ماذا قدمت أرامكو للمنطقة الشرقية في السعودية سلبا وإيجابا ؟

**أرامكو في ذهنية الناس بالشرقية ليست شركة خصوصا في العقود الوسطى من القرن المنصرم، أو أنها ليست مجرد شركة هي حياة وثقافة كاملة، لم يكن يعني الناس حينئذ من كان الأمريكان وما كانت الأغراض والقضايا والأهداف، ولا شغلوا بالهم كثيرا حول الأسباب وراء وجودهم ، لذا كنا سعيدين، ولم نجابه بأسا أبدا. لم نر يوما قسيسا نصرانيا يبشرنا بالمسيحية في أرامكو، بل كانت مدراس ارامكو أيام الأمريكان تعتني بالمسجد، وتعنى بالمكتبات وفيها ذخائر اسلامية. بالمرحلة المتوسطة قرأت الأصفهاني، وابن رشد، والذهبي، وحي بين يقظان لابن طفيل،وكتاب عن الفتاوى في واقعات العصر لابن سعدي، وقرأت ابن تيمية، والأشعري، وكتب لسيد قطب، وللذهبي، وابن مسعود،وابن بطوطة، ومقدمة ابن خلدون، ولا أنسى كتابا ألفه رحالة سوري عن الجالية الإسلامية في سيام ( تايلاند الآن) وذهبت بعد أعوام إلى تايلاند وزرت الأمكنة الذي كانت مازالت عالقة في ذهني منذ الطفولة، ورأيت أن ما قاله الكاتب قبل خمسين عاما مازال شاهدا بكل مناظره وكأنه حفظ مجمدا.

أرامكو علمت الناس الوقت، وهذا قاد طفرة فكرية تقدمية في أذهان أهل المنطقة ، وعلمتهم النظام، فتحت أرامكو ثقافات العالم أمام أهل المنطقة لقد كان لأبي صديقا أيطاليا وكان مثل أعز أصدقائة ولما مات في جنوه راح أبي من ضمن المواسين، وكان.. ومازال له أصدقاء في بلدان كثيره بعضهم تبادل مهم فيما بعد الأعمال. علمت أرامكو الصغار في المدارس النجارة في الورش، وقد خرّجت نجارين مبدعين أكلتهم فيما بعد الطفرة والبيروقراطية! أرامكو كانت مجتمعا، ولم تكن لنا شركة، أرامكو لم تغير سطرا في كتاب إيماننا جاء الأمريكان وذهبوا ولا نتذكر أنا رأينا صليبا، أو إنجيلا، بل كنت أرتاد مكتبة كلها كتب انجليزية في الحي السكني لكبار موظفي أرامكو ولم أعرف أني رأيت شيئا يضير الذوق المسلم. أتدري لماذا؟ لأنها- أي أرامكو- ببساطة لم تكن متفتقة من ذهنيات الساسة، كانت عملا ربحيا بحتا لذا صلحت وأصلحت. لو كانت أرامكو ماضية في تطبيقاتها المدنية لكانت مدننا من أجمل المدن، أرامكو بحصافة عززت مظاهر التقدم العملي، وعززت الفكر المجتمعي القائم ولم تعارضه، بل ساهمت في الإمداد بالمعرفة.. وإني أعترف بذلك.

*نتحدث عن حياة اقتصادية نابضة في المنطقة الشرقية، يقابلها ذلك خمول ثقافي وإعلامي قياسا ببقية مناطق المملكة، حتى جريدتها الوحيدة (اليوم) لم تعد (يوم) محمد العلي وصالح العزاز وعثمان العمير وسلطان البازعي، ولكنها في الوقت نفسه، أنجبت إضافة للأسماء التي ذكرنا، محمد محفوظ وزكي الميلاد وتوفيق السيف وتركي الحمد ومحمد العباس وعلي الدميني ، ما سر هذا التناقض الشرقاوي ؟

**عيب أن تقاس المجتمعات بالمسطرة ، فعدم ظهور فورات ثقافية مظهرية في الشرقية ليست لأنها خالية من العقليات الثقافية، وعلى العكس بل لأنها مليئة بها، ولأن مثقفوها من الذين نسميهم الكائنات الثقافية التي فيها تنسك العارفين، ولأنهم ليسوا في مدن كبيرة وأضواء منتشرة لم تكن لهم هذه الفرقعات والفرص التي أتيحت في جدة والرياض والمدينة، مع أنك لو تمليت في التاريخ القريب لوجدت أكبر المحاولات الصحفية الفردية الشجاعة في المنطقة، وكانت هما ثقافيا معرفيا بحتا ولم تكن فرقعة لعمل مؤسسات وأخذ المناصب الثقافية وحضور المناسبات، هذا تقليد لا يمكن أن تصفه بالمظهر الثقافي يا أحمد، كان ومازال اكبر العقول المثقفة في المنطقة، ثم أنها ليست عقول تقليدية كالتي خرجت في جدة الرياض، بل كانت عقول مطعمة بالثقافة العالمية تجد كثيرا من مثقفي الشرقية الكبار لهم اطلاع عميق جدا بالإنجليزية وكأنها لغتهم الأولى، واتصال معرفي وفكري وثقافي في اللغة الأوردية وفي الفارسية، ثم أنهم أصحاب ثقافة متحركة وليست ساكنة أي أنها متطورة معهم ويعكسونها على مجتمعاتهم ولو ترجع للوراء قليلا لوجدت فكر نابضا منذ الخمسينات سواء في الفكر القومي، أو المد الأممي، أو الاعتناقات السياسية ولكن مصحوبا بالعمل والجدية في تناول المبادئ كما انتشر الفكر التطبيقي الجديد الذي كان موائما إلى الوجودية السارترية لما انتشر أدب الشباب الساخطين في أمريكا، وظهور تنيسي ويليامز وآرثر ميلر ، أو في التراث ـ أو في التطورات العاقائدية العالمية، وإنك ستكون فقير المعرفة إن ظننت أن الشرقية خالية أو خاملة بمقياس السطوع الإعلامي فالمثقفون المعرفيون متوارون جدا أو أنهم كانوا حركيون وهذا يتطلب غطاء، لاشك أن الطفرة حدت من ذلك، وقل لي من لم تصبه الطفرة؟ على أن لهم أعمال كبيرة أدبية ما زالت سائرة بالناس وهناك شعراء أقرأهم، لهم كتب منذ ثلاثين عاما في الأحساء والقطيف والظهران وأشعارهم في جودة ونصاعة ورومانسية الأدب المهجري، أي أنه متفوق على الأدب في باقي الجزيرة المحصور الموضوع والمأسور الأسلوب ( وذلك مثل الفكر المهجري أنه تعرض مباشرة للثقافات الخارجية)..وليس ذنبهم أنك لست تعرفهم يا أحمد. ولا أظنهم يأبهون لذلك. أما جريدة اليوم فلا أقبل هذا المقياس الذي لا علاقة له بما ومن تقيس ، وأنت تعرف الوضع الصحفي ونظامه، وهذا مدخل غير مناسب ولا تقاس فيه نبضات المعرفة والثقافة والفكر في المنطقة.. ثم أن الناس ينبعون بقدراتهم، ولا تحد من قدراتهم الجرائد ولكن العقلية العامة التي تشرف على الكتابة إشراف الأخ الأكبر، فلا تلام الجريدة، ولكن يلام وضع بأكمله.. كن متأكدا إن المظهر لا يدل على ما في الداخل!

*يكثر الحديث عن الإصلاح السياسي والاجتماعي في السعودية، ولكننا نجد الحديث عن الإصلاح الاقتصادي أخف وطأة منه، هل عودة ذلك أن رجال الأعمال هي الفئة الأكثر تضررا في حال دارت عجلة الإصلاح؟

**عجلة الإصلاح يتضرر منها رجال الأعمال؟ هل أنت هنا لتغيظني أم أنها أسئلة من باب العبث واللامعقول، يا رجل .. الاقتصاد لا يصلح ولا ينمو إلا في المناخ الحر، والتنافس الحر، والفرص المتعادلة، هذا نظام السوق الأزلي، وهو النظام المطابق للرؤية الإسلامية، ومتوافق مع أكبر عتاة السوق التاريخي وهو آدم سميث صاحب آلية اليد الخفية التي تعيد توازن السوق. والذين يزدهرون في الفساد وغمامية الرؤية والمصالح المتبادلة وراء الستار وتحت الطاولات، وتقديم المعلومات المسبقة ورفع طاقة المنافسة في صالح شخص معين هي بيئة لا تنتج رجال أعمالٍ ومالٍ حقيقيين، إنما تنتج لصوصا ومنتفعين، أي أنهم ليسوا من المهرة في السوق ولم تجر القدرة التجارية والعملية في دمائهم. هم جماعة انتفعوا ثم كبروا وخدروا قتخدروا، لا يظهر رجال الأعمال الحقيقيون الذين قلت لك أنهم يبنون الحضارات إلا في البيئة الصالحة العادلة، إن كان الإصلاح الحقيقي بمعناه الذي نعرفه الذي يعني العدل والمكاشفة والحق، وتعتقد أنه يضر رجال الأعمال، فليذهب إذن رجال الأعمال هؤلاء إلى مكب التاريخ.. تدري لماذا؟ لأنهم لم يكونوا يوما كذلك. رجل الأعمال يسافر الدنيا من أجل تربة صالحة.. وفي الترب الفاسدة لا تجد رجل الأعمال، تجد رجلا آخر سمه ما شئت إلا أن يكون رجل أعمال!

*قبل عام ، بادر ولي العهد السعودي بإطلاق مبادرة لمكافحة الفقر في السعودية، هذه المبادرة أتبعت بتعيين غازي القصيبي وزيرا للعمل للقضاء على البطالة، في تصورك ما المطلوب للقضاء على الفقر، وما هي رؤيتك لفلسفة القصيبي في مكافحة البطالة؟

**برأيي أن قضية البطالة لابد أن لا نخاف منها إلا أن كنا مثل حامل البطيخة التي يتحسسها كلما وقع أمر. البطالة صورناها وحشا مريعا، ثم لما وضعنا به كل معالم التخويف والترهيب صرنا نفزع منه. الذي صار أنا صرنا نحاول أن نلقم هذا الوحش بأي طريقة لأننا في الحقيقة خائفون. وفي أساطير الإغريق قصة مناقضة جميلة عن النحات المبدع بجماليون الذي صنع تمثالا لامرأة تصور حسن الأنثى في تمامه، ثم أنه راح لفينوس آلهة الحب يريد لها روحا، وقد كان.. فعشقها وفي النهاية كما هو عهد العشاق فرت حبيبته مع أعز أصدقائه. نحن مثل ببجماليون ولكن لم يكن نحتنا جميلا، ولكن بشعا أخافنا فصرنا نقدم له النُذُر. تدري ما هي النذر؟ هي التي تسميها كل الثيولوجيا بالأضحيات، أي أن يُضحى بكائن مقابل إرضاء كائن أقوى. لعلك فهمتني.في التخلص من البطالة دفع من يريدون أعمالا صغيرة الثمن لمجرد أنهم كانوا يريدون أن يعملوا، ثم في خنق أعمالهم انضموا للعاطلين ولكن بعبء أكبر هو عبء المديونيات، ويعلمك أن خطأ ما حصل هو الرجوع عنه ولو لوقت. أنا مع الدكتور القصيبي بكل قلبي، ومعجب به بكل جوارحي، لأنه يريد بالفعل الخير من كل قلبه، من يقول غير ذلك؟! ولكن هل الحب هو الدواء دائما؟!!

كنت أرى وأقبل جدا أن يقال بمنظار أنني ساذج برأي كتبته، قلت فيه أن إحصاءات وزارة العمل تقول هناك 500000منشأة صغيرة، وهناك 300000ألف متعطل، فاقترحت أن تـُلزم كل منشأة بسعودي واحد مع ضمان بنكي لراتبه لمدة عام وبمرتب جيد، ثم ُتفتح لها التأشيرات بما يتواءم مع الاحتياج الفعلي وثبات العمل الفعلي، هنا توظف كل العاطلين، وتفتح الآفاق بدل أن تضيقها لنمو الأعمال الصغيرة، ثم تعمل على خطة بعيدة المدى وصارمة علميا وليس عقابيا لتحويل السعوديين الجدد إلى مكنة منتجة، فينتهي هذا الكابوس للأبد، ثم سنكتشف أن البطالة كانت هرا خُيل لنا أنه كان غولا، وسنفرح إن هربت مع حبيب!

*ظرف الإرهاب الذي تمر به السعودية، طرح سؤال مراجعة الخطاب الديني السائد في السعودية والمطالبة بتجديده، كما فتحت ملف الإصلاح السياسي في السعودية الذي طالما تأخر، هل تجد أن هذا الربط في محله ؟

**أرجو أن تتفكر جيدا فيما سأقوله: يجب مراجعة (كل) الخطابات، يجب فتح (كل) الملفات!

*المملكة مقبلة على تجربة الانتخابات البلدية ، وسط تخوف من سيطرة المتطرفين، أو انتصار القبيلة، وهما الحجتان التي غالبا ما تطرح لإعاقة أي توجه ديمقراطي في السعودية، في تصورك هل الشعب السعودي يعاني من سرطان في الديمقراطية؟

**كانت لي مشاركة في غرفة تجارة الشرقية عن هذا الموضوع وقلت أن الجذب القبلي والتطرف المذهبي زاد كما تعمل النجوم الميتة والتي تخلف ورائها "بالوعة سوداء عالية التركيز" فتجذب كل ما حولها بلا قرار. والحل من خلال المجالس في أن تكون المدن وعاء لصهر الناس بمختلف قبائلهم وعناصرهم ومذاهبهم، إن التوزيع الديموغرافي الحالي في المدن يركز من هذه الظاهرة السلبية، ومن هنا يأتي دور العقليات المفتوحة إن شاركت في المجالس البلدية، أما الديموقراطية فأزحها جانبا الآن.. قل لي ماذا فعل أهل ألماجنا كارتا؟

*كيف تقرأ المستقبل السعودي خلال 10 سنوات قادمة ؟

**أعطني مؤشرا للقراءة أنطلق منه، فنحن كنا أرقى ذهنيا من سنوات، لن أقرأ فلن تحب ذلك ولن أحبه، ولكن دعني أحلم أننا بعد عشر سنوات سننتصر على أنفسنا !