القومي لقي عناية لانه الأوسع قاعدة بين المسيحيين
اسعد حردان رجل سورية العلماني القوي

إيلاف من بيروت : لمع نجم اسعد حردان في اواسط الثمانينات. كان المحارب الذي يتحدر من عائلة فقيرة من عائلات قرى العرقوب في جنوب لبنان، ناشطاً سياسياً وعسكرياً في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وتدرج في المناصب والرتب العسكرية في الحزب إلى ان اصبح في اواسط الثمانينات مساعد قائد قوات الحزب محمد سليم الذي اغتيل اثر خلافات ميليشيوية وحزبية في بيروت، ليحل حردان في منصبه. الحزب السوري القومي الاجتماعي كان في تلك الفترة من الأحزاب التي تضخم عديد عسكرها على حساب دورها السياسي الفعلي. ومنذ عام 1982 وبعد تولي امين الجميل رئاسة الجمهورية اللبنانية بعد اغتيال شقيقه المنتخب بشير رئيساً للجمهورية على يد احد اعضاء الحزب القومي السوري الاجتماعي، أخذ دور الأحزاب اليسارية والعلمانية السياسي ينحسر شيئاً فشيئاً لصالح ادوار العسكر الذي كان يدعم في تلك الفترة من الحرب اللبنانية العبثية قيادات اسلامية بعضها ناشئ وبعضها راسخ، مثل وليد جنبلاط زعيم الدروز ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ورث زعامتيه عن والده كمال جنبلاط الذي اغتيل في منتصف آذار مارس من العام 1977، ونبيه بري رئيس حركة امل التي خلف رئيس المجلس النيابي السابق حسين الحسيني على رئاستها بعد اختفاء المؤسس الامام موسى الصدر في ظروف غامضة اثر زيارة لليبيا، ثم خلفه في رئاسة المجلس النيابي الذي لا يزال يرأسه حتى اليوم.
عمدت الأحزاب العلمانية في تلك الفترة من التسعير الطائفي في البلد إلى مساندة زعماء الطوائف الاسلامية الذين يستمدون دعمهم الاساسي من سورية، وخاضوا معارك دموية مع سلطة الجميل التي اجرت مفاوضات مع اسرائيل وُقع على اثرها اتفاق 17 ايار الشهير. المعركة حملت عنواناً سورياً هو اسقاط 17 ايار، اما بالنسبة للطوائف فحملت عنواناً آخر هو ازالة اسباب الهيمنة المارونية – المسيحية والدعوة إلى التوازن في الحقوق والواجبات بين الطوائف. بالنسبة للأحزاب العلمانية مثل الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري الاجتماعي فإن المعركة كانت بالنسبة لهم، وبحسب منطوق شعار شهير اطلقه الحزب الشيوعي، ممراً اجبارياً نحو التغيير الديموقراطي، جدير بالذكر ان منظمة العمل الشيوعي في لبنان لم تدخل هذه الصراعات واولت عنايتها لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، وهكذا انفرط عقد الحركة الوطنية وظهر في لبنان، تلك الفترة من الزمن، قطط كثيرة على سقف واحد. كان السقف الذي ارسيت دعائمه بالطوائف والأحزاب هو السقف السوري بامتياز، اما الأطراف المحلية العلمانية فعملت في صمت وتحت راية الأطراف الطائفية المؤثرة. ويروى ان حركة امل التي كانت طرية العود وحديثة العهد في العمل العسكري استعانت بطلب سوري بقوات الحزب القومي للسيطرة على بعض اجزاء من بيروت الغربية التي استبيحت على مصراعيها بعد ما سمي بانتفاضة شباط 1984. كان مقاتلو الحزب القومي المدربين جيداً والذين صقلتهم حماوة المعارك السابقة يضعون شارات واعلام امل وهم يهاجمون مراكز الجيش اللبناني ويطلبون استسلامها.
على الأثر انشق الجيش إلى الوية طائفية وشهد لبنان احلك ايامه سواداً في تلك الفترة من الفلتان التي لم يسبق لها مثيل.
هذا الوضع تفاقمت حدته في السنوات التالية، وتحولت الاحياء الصغيرة في بيروت إلى غيتوات يحكمها قبضايات ومقاتلون من احزاب مختلفة، وفي تلك الأثناء ترددت اسماء من طراز الكاوبوي، والأماند والألكترون فضلاً عن اسماء اخرى تحمل رنيناً عادياً لكن اصحابها كانوا بامتياز قبضايات احياء لا يتورعون عن اي شيء في سبيل استتباب سيطرتهم، من القتل الصريح إلى التهديد والابتزاز.
الحزب القومي مثله كمثل سائر الأحزاب في تلك الفترة كان موزعاً بين تيارين تيار "استقلالي" عن سورية طالباً دعمها وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية وتيار آخر كان يعرف ان الدعم لا يأتي مجاناً وان نتيجته ستكون على الأرجح سيطرة سورية كاملة. فعرف كيف يستقل القطار الذي يوصله إلى المحطة المناسبة. اسعد حردان كان من بين الذين اعتقدوا ان الزمن القادم هو زمن سوري بامتياز لذا لم يتورع عن انحيازه المطلق إلى الجهة الوافدة. ولم يخل الأمر من اعمال عنف بين محازبي الحزب الواحد، وتعرض كوادر الحزب القومي العسكريين بشقيه الموالي للهيمنة السورية والناحي إلى الاستقلال عنها إلى تصفيات جسدية بلغت في بعض الأحيان مبلغاً يذكر بأفلام العصابات الأميركية في شوارع شيكاغو في الثلاثينات.
بعد دخول الجيش السوري إلى بيروت عام 1987 اثر خروجه منها في العام 1982، عمدت الإدارة السورية إلى تثبيت مواليها على رأس اجهزتهم المقاتلة، وحلت وفككت شبكات غير الموثوق منهم. هكذا تعرض الحزب القومي إلى هزة طاولت بعض قيادييه العسكريين الأبرز، فمنهم من هاجر ومنهم من اختفى عن الأنظار. اما الجهاز المتبقي من اجهزة الحزب القومي العسكرية والأمنية والذي كان حردان يديره فاستمر متماسكاً وصلباً برعاية سورية مباشرة.
استمر الجهاز العسكري في الحزب بالعمليات ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي وقدم شهداء وانتحاريين، ربما كان اكثرهم شهرة على الإطلاق الانتحارية سناء محيدلي. ومن نافل القول ان العمليات التي كان ينفذها الحزب القومي برعاية سورية كانت تحتاج ان يبقي سلاحه في ايدي محازبيه. لكن الإدارة السورية الفذة والتي كان يمثلها اللواء الركن وزير الداخلية السوري اليوم غازي كنعان لضبط الساحة اللبنانية كانت تفترض ان يكون السلاح الحزبي مأمون الجانب على نحو لا يرقى إليه شك. هكذا سرعان ما سيطرت المخابرات السورية على كل شاردة وواردة من شوارد السلاح الحزبي. فأمنت جانب الحزب القومي الذي كان حردان رجله القوي، وادارت علاقات سياسية وامنية مع حزب الله الذي كان عصياً على التطويع الأمني المباشر لأسباب عديدة، ابرزها ضخامة عديده والدعم الإيراني، انما وفي صورة اساسية مجال عملياته في الجنوب حيث لم تسمح الإدارة الدولية للملف اللبناني للسوريين ببسط سيطرتهم على مناطق الجنوب طوال فصول الأزمة اللبنانية منذ اول دخول للجيش السوري عام 1976 وحتى اليوم. فكان ممنوعاً على الجيش السوري ان يتجاوز حدود منطقة نهر الأولي في جنوب لبنان تحت طائلة التهديد الإسرائيلي المباشر.
منذ اقرار اتفاق الطائف وبعد عاصفة الصحراء، اخذ نجم اسعد حردان السياسي يطغى على نجمه العسكري. فتحول إلى نائب فوزير في وزارات متعاقبة في حكومات الحريري وكان وزيراً في حكومة عمر كرامي المستقيلة.
تسلم الوزير اسعد حردان مهام وزارة العمل اكثر من مرة. وهذه الوزارة بالغة الأهمية للإدارة السورية في لبنان، حيث لم يطأ عتبة مكاتبها وزير غير موثوق سورياً طوال زمن الهيمنة السورية. فكانت تُسند إلى بعثيين سوريين او إلى وزير قومي سوري وكان اسعد حردان اكثر القوميين حظاً واشدهم ولاء. لم يكن حردان ممثل طائفة يمكن الركون إليها، لكنه كان قائداً حزبياً يمكنه الشغب على الزعماء حين تشاء الحاجة، فهو على رأس جهاز حزبي ما زال متماسكاً ويستطيع ان يكون فاعلاً في اي مهمة توكل إليه، بخلاف جمهور الطائفة الهلامي الذي لا فاعلية له إلا في الأزمات. والرجل والحق يقال، لم يتدخل في السياسات العامة كثيراً وترك الأمور تجري وفق ما تقرره الأوزان الكبرى في المعادلة اللبنانية، وهو لم يعرف عنه رغبة في الظهور الإعلامي او ميلاً إلى التصدر والتشاوف في المناسبات العامة. لكنه في وزارة العمل ادى مهمة جليلة للإدارة السورية تمثلت في فتح ابواب العمل امام السوريين الراغبين في العمل من دون اي ضابط على الإطلاق. فضلاً عن حاجة سورية ماسة لضبط ومعرفة اوضاع العمالة في لبنان ليتسنى لها ان تواجه ضغطاً اقتصادياً كبيراً كان يمثله الحريري حين تدعوها الحاجة إلى ذلك.
ساهم حردان كوزير للعمل في تصفية الاتحاد العمالي العام. وقد تقاطعت عند تصفية الاتحاد العمالي العام كهيئة نقابية مستقلة وعلمانية في معنى من المعاني رغبات قوى واطراف عديدة. من نبيه بري رئيس المجلس النيابي، الذي كان يريد السيطرة على هذا الجهاز بسبب الغالبية الشيعية بين العمال، إلى رفيق الحريري الذي قام الاتحاد العمالي العام بالشغب على سياسته الاقتصادية طوال سنوات وصولاً إلى الإدارة السورية التي خاضت مع الاتحاد العمالي العام معارك صريحة اثناء تولي الياس ابو رزق رئاسته. دُمر الاتحاد العمالي العام المستقل وهو احد الهيئات التي تعبر عن مشترك ما بين اللبنانيين بتضافر قوى عديدة ابرزها وزراء العمل المتعاقبين والموالين لسورية وتغيرت طبيعة مقوماته ومكوناته بحيث اضحى في السنوات الأخيرة اداة سورية مناسبة للضغط على سياسات الحريري، حين تشعر سورية بالقلق ازاء تضخم دوره فتعمد إلى تحجيمه. إلى حد جعل الاتحاد العمالي العام اليوم اضعف القوى واقلها اثراً في خارطة القوى المؤثرة في السياسة اللبنانية.
لكن الإدارة السورية اولت الحزب القومي عناية خاصة لسبب آخر على الأرجح، فهو الحزب العلماني الأوسع قاعدة بين جمهور المسيحيين. وقاعدته المسيحية لا يستهان بها، وحيث ان المسيحية السياسية في لبنان كانت على الدوام مثار ريبة وشك وتخوين لدى الإدارة السورية فقد تم الاستعاضة عنها ببدل عن ضائع هو جمهور الحزب القومي العلماني - المسيحي.
كوفئ حردان على ولائه، وكان عند حسن ظن الذين كافأوه. لكنه من جهة أخرى وبسبب موقعه الحزبي لم يحقق ما يجعله يقيم اوداً سياسياً بعد زوال الهيمنة السورية لذا يبدو مستقبله السياسي اليوم على المحك. والأرجح انه لن يكون فارساً من فرسان المرحلة المقبلة، ذلك ان الولاء للخارج هو كعب أخيل القوى والأحزاب العابرة للحدود. فما ان يفرط حزب علماني في الولاء للخارج في بلد كلبنان حتى يزول كل مستقبل له حال زوال هيمنة الطرف الذي يواليه، بخلاف الطوائف القادرة على التلون والتكيف مع المستجدات والهيمنات على نحو لا مثيل له.