قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هاني سمير يارد
&
ما الذي أودى بالعلاقات الأردنية القطرية التي تعود إلى حوالي ثلاثة عقود من التعاون والمصالح المشتركة؟ ومَنْ سمح لها أن تصل إلى الدرك الأسفل من الجفاء؟ ولِمَ لم يتم تداركها قبل أن تصل إلى هذه& "المواصيل"؟ وكيف لنا أن نرد في الوقت نفسه على الحملات المغرضة التي تتناول الأردن وقياداته بالتجريح ولاذع القول؟
ما كان لنا أن ننسى، أردنييون وقطريون، ما ميز هذه العلاقات من ود وصفاء سريرة. فقد قدمت الشقيقة قطر الدعم المعنوي قبل المادي للأردن كدولة مواجهة حتى آواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي، وإن نسينا ذلك، وما أخال أن الأردنيون ينسون بيض الصنائع، فكيف لنا أن ننسى مبادرة سمو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة بمساهمته مع جلالة المغفور له الملك الحسين في التخفيف عن أيتامنا في التبرع السخي لدار البر بالبراعم البريئة، ووقوف سموه بالأمس القريب في مطار ماركا في قر عمّان وزمهريرها وأمطارها للسلام على جلالة المغفورله في آخر استقبال رسمي لجلالته وهو على قيد الحياة. وقبل هذا وذاك، ألم يخفّ جلالة الملك الحسين إلى الدوحة فور تسلم سمو الشيخ حمد مقاليد الأمور ليكون ربما أول ضيف رسمي يحل على الأمير في العهد الجديد؟
لا شك أن تلك الحلقة السيئة الذكر من برنامج الاتجاه المعاكس قد طعنتنا في صميم كبريائنا الوطني ومسّت رموزا ً كبيرة في وجداننا الجمعي، بتطاولها على رموز كبيرة في بلدنا، لكن ردة فعلنا أو "فزعتنا" كانت ارتجالية ولم تضع حداً للتطاول في مرات أخرى لاحقة على الأردن ورجالاته. كان حري بنا أن نتنادى لوضع استراتيجية وطنية لتبيان مواقف الأردن المبدئية وعرض وجهات نظرنا، بل عرض حقائق تاريخية مغيبة عن غالبية اخوتنا العرب. لا شك أن بلدنا كحمى عربي أصيل مستهدف من جهات مختلفة، ومرد ذلك أننا لم نوفق حتى الآن في بسط ما لدينا من حقائق تاريخية لإخوتنا العرب العرب أولا ومن ثم للعالم.
علينا أن لا نترك& نضالنا الطويل في أجل فلسطين، قيادة وجيشا وشعبا، نهبا لكل من يكيد لنا من الأخوة الأعداء. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن الرد على حملات التشكيل والارجاف التي تنتقد دور الأردن في حرب 5 حزيران بانشاء بوابة الكترونية تستشهد بما كتبه ويكتبه سياسيون وضباط وخبراء عسكريون عرب وخاصة من الشقيقتين مصر وسوريا في دور الجيش العربي (الأردني) في تلك الحرب، بل يكفي أن نستشهد بخسائر اسرائيل على الجبهة الشرقية الواردة في كتاب شاهد على حرب 67 الذي وضعه الفريق المصري الفريق صلاح الدين الحديدي ليفند مقال القائلين جهالة أن الأردن والأردنيين لم يحاربوا وانما انسحبوا "بشرف" من ساحة المعركة.
كنا نتمنى أن يلتزم إعلامنا الأردني برصانته المعهودة وأن لا ينجر إلى الغوغائية التي اتسمت به حملة الردح بعد بث قناة الجزيرة تلك "الحفلة" الجوفاء من برنامج "الاتجاه المشاكس" بقيادة ذلك المهرج العربي بامتياز وأداء البرفسور المدسوس الذي أشك في أصله "العربي"، ذلك المدعو "أبو خليل". جيمعنا يعلم أن القاسم ما كان ليقول ما قاله لو تعلق الأمر بنظام عربي آخر . . . ، إذ لكان "بات في بيت خالته" وبيت عمته، بل في بيوت أقاربه جميعا ً، هذا إن بقي من أقاربه "مخبّر" (بتشديد الباء أو بكسرها، فالمعنى في هذا السياق سيان)!!
فـ "فزعتنا" التي رصّعنا بها صحفنا وبرامجنا التلفزيونية والإذاعية لم تكن بالمستوى المطلوب وكان يعوزها أدنى مبادئ الحرفية بل وطول الأناة للتخطيط لها بروية. إذ يمكن لردة فعلنا الإرتجالية أن تؤذينا من حيث لا ندري. إذ ما علاقة أمير قطر بذلك البرنامج حتى نتهجم على شخصه وننعته بكل ما أوتينا من ذميم النعوت؟ فلا الأمير ولا قطر أملت على القاسم الإتيان بذلك الحاقد لأن يتطاول على الأردن ورموزه وجيشه. أما القاسم نفسه، فهو مجرد مقدم برامج توهمنا أنه من المثقفين لكنه أثبت أنه خاو أجوف يعتمد في برنامجه الإثارة والتهويل. فعلينا أن نفرق بين الجزيرة ودولة قطر، فالجزيرة ليست لسان حال دولة قطر. فكان يمكن أن نقاطع الجزيرة وأن نحافظ على علاقاتنا المتميزة مع قطر.
بيد أننا في الوقت نفسه، نتمنى على الجزيرة أن تغير قليلا في نهجها بحيث تكف عن التطاول على رموز بعض الدول العربية كالاردن والسعودية وسواهما، لا سيما السعودية في هذه الأيام العصيبة التي تعصف بها من جهات العالم الأربعة. فنحن نخشى على الجزيرة من الجزيرة ذاتها والتي تعتز بها ونفخر. نخشى عليها من ذلك البرنامج بالذات الذي قد يصيبها في مقتل فيكون بمثابة ما يسمى في الدراما بـ Tragic Flaw، أي النقيصة الوحيدة التي ينطوي عليها البطل التراجيدي والتي تقود إلى سقوطه في آخر المسرحية.
وما قلقنا هذا على الجزيرة إلا لأنه يحق لنا كعرب أن نفخر بها، بل ويحق لنا كأردنيين بالذات أن نفاخربها أكثر من غيرنا من العرب، فهي تضم ثلة من الكفاءات الأردنية الذين نعتز بها، ولو نظرنا إلى نسبة العاملين في الجزيرة من غير القطريين لكان لنا ربما نصيب الأسد من بين العرب قياسا ً بعدد سكان الأردن.
فماذا لو صعّدت وسائل الإعلام القطرية الحملة التي قمنا بشنها عقب بث تلك الحلقة وأخذت هي كذلك بالردح؟ ماذا لو قامت الحكومة القطرية "بتقليل عقلها" وطردت الأردنيين العاملين في قطر والبالغ عددهم حوالي 14 ألف أسرة؟ أما كان عدد كهذا كاف لأن يحرج الحكومة الأردنية في إيجاد السكن والوظائف والمدارس لإبناء هذه الأسر بل وحتى لإيجاد شربة الماء في تدفق مفاجئ لم يكن بالحسبان؟ الطريف في الأمر أنه في الوقت الذي كانت وسائل إعلامنا تشن حملتها المحمومة على قطر، كان يمكن أن تشاهد فرقة الرمثا للفنون الشعبية على شاشة الفضائية القطرية وفي بث مباشر، وهي ترفع الأعلام الأردنية خفاقة في قلب الدوحة وتدبك وتهزج للأردن أثناء مشاركتها في مهرجان عجائب صيف قطر، فلو وقعت هذه الواقعة في دولة عربية شقيقة أخرى لتم إلغاء فعالية الفرقة وتسفيرها بل وربما تم زجها أعضاءها في السجن.
ثم تأتي قضية الصحافي الأردني فراس المجالي ليبدو الأمر أشد قتامة وكأن "المواصيل" وصلت حدها وأن لا مجال إلى حل للقضية في المدى المنظور. من غير الوارد أن يكون المجالي "جاسوسا" للمخابرات الأردنية، بل لم نعلم يوما أن لجهاز المخابرات الأردنية "جواسيس" في الدول العربية، وإن وجِد فمن المستبعد أن يُزرع "عميل" للمخابرات في دولة خليجية كقطر، فقد كان للعسكريين الأردنيين، كما المدنيين، دوراً هاماً في تأسيس المؤسسة العسكرية القطرية، بل حتى إن أحد أنجال أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كان قد تلقى علومه العسكرية في الكليات العسكرية في الأردن.
من غير المقنع أن يكون فراس المجالي جاسوسا لأحد، فهو إعلامي من صلب إعلامي، ثم ما الذي يوجد في قطر من أمور لها مساس بأمننا الوطني حتى نتجسس عليها؟ هل قطر دولة مجاروة لنا تبعث لنا بمخربين ومهربين؟ لا نعلم ما سوء الفهم أو الخلط الذي وقع حتى يُسجن المجالي بتهمة التجسس، ربما كان في الأمر طرف ثالث له مصلحة في دق إسفين لزرع الفتنة بين الدولتين الشقيقتين.
لا بد من تصفية الأجواء بين القطرين الشقيقين، وعلى الأردن أن يبادر بالمصالحة أو أن تأخذ دولة عربية شقيقة على عاتقها اصلاح ذات البين، ليس بدافع المصالح المشتركة& وحسب، وهو دافع مشروع، إذ ليس في مصلحة الأردن في شيء مناصبة قطر العداء، بل وبدوافع الأخوة العربية و ما بيننا من جوامع (ولا أقول قواسم) مشتركة عديدة. بل يتعدى ما بيننا المصالح إلى أواصر الدم والقربى، فالأسرة الحاكمة في قطر تعود في أصولها إلى بني تميم، تماما كعشيرة المجالي وعشائر التميمي في إربد والخليل، كما أن هنالك من الأسر القطرية من تعود أصولها إلى بني هاشم. فعلى أبناء أسرتنا الواحدة من الخليل وإربد والكرك أن لا تجزع على ابنها، فسرعان ما سيشمله عفو أميري كريم قريب باذن الله يبوح به شيخ عربي أصيل من بني تميم. فهذه أيادينا عن بني الأردن تصافحكم، "صافحوها تصافح نفسها العربُ". فالأردنيين يحملون هموم العروبة أولا وهمومهم ثانيا ً، وهم يحسبون أي بلد عربي يحلون به بلدهم، فهم حملة مشاعل الثورة العربية الكبرى ونهضتها، وليس أروع مما قاله شاعر الثورة العربي الهوى، اللبناني الهوية، فؤاد الخطيب حين تفجرت الثورة في مكة:
&
ما شئت من شدوي ومن& إنشادي
لبيك يا أرض الجزيرة واسمعي
بـاق&& عـلى&& الحدثـان&& و الآبـاد
لـك فـي دمي حـق الـوفاء وإنـه
أهـلي،& وأنت& بلادهم& و بـلادي
أنـا& لا& أفرق& بين& أهـلك& إنهم
لـيست& تجـاوز موطـن&& الـميلاد
ولقـد& برئت& إليك& مـن& وطنية
وهوى تغلغل& في صميم& فؤادي
فلكل& ربع& من& ربوعك& حُرمة

&
فإن كنا لا نملك من أمرنا شيئا ً في أن نساعد فلسطين والعراق المصلوبين على الترجل من محرقتهما، فما آن لخلافاتنا الصغيرة أن تترجل؟