قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سليمان يوسف يوسف
&
ربما الكثيرين قرأوا عن التاريخ الآشوري القديم، ودرسوا الحضارة الآشورية العريقة التي أقاموها في بلاد ما بين النهرين. لكن القليل جداً هم الذين يعرفون مسؤولية بريطانيا اتجاه حالة الانحطاط السياسي والضياع القومي والتشتت التي يعشها الشعب الآشوري اليوم. ومن أجل ألقاء الضوء على هذا التعتيم التاريخي كتبت هذا المقال: عند دخول الجيوش البريطانية لمنطقة الشرق الأوسط وبلاد ما بين النهرين عام 1914م أعلن القائد العام للجيوش الإنكليزية بأنهم ((أتوا محررين لا فاتحين)) قاصداً بذلك تحرير شعوب المنطقة من نير الاحتلال العثماني،& وهذا الإعلان كان بمثابة دعوة لهذه الشعوب للتحرك والدخول في الحرب إلى جانب الجيش الإنكليزي ضد العثمانيين،& من أجل خلاصهم واستقلالهم بدول خاصة بهم. وقد أعلن الكابتين الإنكليزي (غريسي) تأكيده على تعهدات الحكومة البريطانية بمساعدة الآشوريين على إقامة دولتهم القومية في منا طقهم التاريخية من( بلاد مابين النهرين) بعد انتهاء الحرب، إذا وقف الآشوريون الأقوياء إلى جانب بريطانيا في الحرب،& حيث سيكونوا قد نالوا حقهم بكل استحقاق. ومن أجل هذا الهدف وضع الآشوريون كامل قوتهم وقدراتهم في معارك الحرب العالمية الأولى ضد تركيا. وكانت القوات الآشورية قد حققت انتصارات كبيرة على الجيوش العثمانية في إقليم (حيكا ري) والعديد من المناطق الآشورية الأخرى.
&
الموقف البريطاني من القضية الآشورية في تركيا
&
خلال الحرب العالمية الأولى برزت (القضية الآشورية) كإحدى القضايا الرئيسية في المنطقة،& واستأثرت باهتمام الرأي العالم الأوربي والبريطاني، وكادت أن تجد طريقها للحل في عصبة الأمم، بعد توقف الحرب واستسلام الدولة العثمانية لولا التدخل السلبي لبريطانيا، إذ لعبت أبشع الأدوار في قضية الآشوريين، فقد قضت السياسة الإنكليزية ألا يكون للآشوريين بقاء أو كياناً ذاتياً في رقعة ولو صغيرة في البلاد التي هي لهم. وقضت ألا يكون لهم الحق في العودة إلى مناطقهم التي هجروا منها قبل الحرب،&بهذا تكون بريطانيا قد دست سمها في عروق الأمة (الآشورية الكلدانية) وقضت عليها.
&وقد عبر الكولونيل(ويلسون بالقول: "ما هو جدير بالرثاء حقاً، هو أن تسمح أعظم إمبراطورية بالاضطهاد المدروس والقتل الجماعي والتحويل بالقوة حيال أنبل وأعظم أمة في الشرق الأوسط، الأمة الآشورية التي أعطت العالم أعظم حضارة إنسانية". فبرغم من كل ما قدمه الآشوريون من شهداء و تضحيات في الأملاك والأموال واستبسالهم في الحرب، لم تجلب لهم سوى المزيد من الآلام والنكبات والويلات والتشريد ، حيث كانوا قد فقدوا في هذه الحرب أكثر من نصف قوامهم،& فبعد أن وضعت الحرب أوزارها واستقرار الأوضاع السياسية والعسكرية في العالم ، جرت التسويات والمساومات السياسية الدولية وفقا لمصالح الإستراتيجية للدول الغربية المنتصرة في الحرب في مقدمتها بريطانيا، حيث تقاسمت تركة "الدولة العثمانية" وجاءت هذه التسويات في غير صالح الآشوريين.
وقد قال الدكتور( و. ا. ويغرام) عن قضية الآشوريين: "بعد أن خسرت تركيا الحرب العالمية الأولى, كان لا بد من أن تقبل تركيا بشروط بريطانيا لوقف الحرب فيما يخص المطالب الآشورية في مناطقهم التاريخية في تركيا. لكن بكل أسف عقدت بريطانيا الصلح مع تركيا وتركت الآشوريين هذا الحليف الصغير منسياً ، وتجاهلت حقوقه وقضيته التي كانت مطروحة على عصبة الأمم. حيث وردت الأوامر من الحكومة البريطانية بأن القضية الآشورية يجب أن تنتظر حتى يتم عقد الصلح الرسمي مع تركيا ، وكان التأخير في حل قضية الآشوريين عاملاً قاتلاً بالنسبة لهم."
ولتطمين الآشوريين على مصيرهم المهدد بعد الحرب بسبب الأحقاد التي زرعوها بين شعوب المنطقة، أعلمت السلطات الإنكليزية الآشوريين بأن بريطانيا وفرنسا مكلفتين دولياً في تنفيذ مبادئ ولسن لعام 1918م التي نصت على حق تقرير المصير للشعوب التي كانت خاضعة لحكم الإمبراطورية المنهارة ( العثمانية )، بما في ذالك الآشوريين، و ما على الآشوريين سوى انتظار مؤتمر باريس للسلام الذي هو ملزم بحل مثل هذه القضايا. لكن إنكلترا كانت قد وقعت مع فرنسا سراً اتفاقية(سايكس بيكو) التي رسمت الحدود السياسية الجديدة في المنطقة،& هذه الخريطة ألحقت الظلم بالآشوريين وقضت على كل أمالهم القومية في مناطقهم. هذا وقد وقفت بريطانيا في جميع المحافل الدولية عائقاً أمام حل المسألة الآشورية, فقد حاولت الحكومة البريطانية منع الوفد الآشوري من السفر إلى فرنسا لحضور مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919م لعرض قضيتهم على هذا المنبر الدولي الذي خصص لمناقشة مستقبل الشعوب التي كانت خاضعة للحكم العثماني. وكان من المقرر أن يصل إلى باريس لحضور( المؤتمر الدولي للسلام) ثلاثة وفود آشورية يمثلون معظم الآشوريون المشتتون في كل أنحاء العالم بما في ذالك العراق وإيران وتركيا،& لكن الخديعة البريطانية حالت دون وصول أغلب هذه الوفود إلى باريس لطرح القضية الآشورية، وأجبرت بريطانيا الوفد الآشوري الأول الذي وصل من إيران على مغادرة باريس. وعند توقف الوفد الآشوري القادم من العراق في لندن بطلب من الإنكليز أحتجز الوفد حتى أنهى المؤتمر أعماله. فقد خشيت بريطانيا حتى من الظهور الآشوري بحد ذاته في هذا المؤتمر. هكذا شتت بريطانيا جميع جهود ومحاولات الآشوريين من أجل حل قضيتهم في هذا التجمع الدولي. كذلك لم تسمح بريطانيا لأعضاء الوفد الآشوري بحضور المؤتمر الدولي الذي عقد في( سيفر) في تموز- أب 1920 الذي بحث في مصير الإمبراطورية العثمانية المهزومة.
&
الموقف البريطاني من القضية الآشورية في العراق
&
بعد تلاشي أمل الآشوريين بإقامة كيان قومي لهم في مناطقهم التاريخية من بلاد ما بين النهرين(أورمي و حيكا ري وديار بكر- آمد- والرها ونصيبين وطور عابدين) بعد أن تخلت عنها بريطانيا لكل من إيران وتركيا،& في أعقاب انتهاء الحرب وتوقيع اتفاقية الصلح مع تركيا عام 1919،& وجهت بريطانيا أنظار الآشوريين إلى ما تبقى من مناطقهم التاريخية في ولاية الموصل(نينوى) لتقرير مصيرهم باعتبار الآشوريين/ الكلدان هم السكان الأصليين والأساسيين لها،& ولم تمض فترة قصيرة حتى انفضحت الخيانة البريطانية الجديدة للآشوريين والغدر بهم. وتأتي مسؤولية الإنكليز اتجاه الآشوريين وبقية قوميات العراق من كونهم السلطة المنتدبة على دولة العراق التي أنشأوها عام 1920 من ولايات(البصرة وبغداد والموصل).
&حيث كلفت بريطانيا بملف (القضية الآشورية) في العراق باعتبار كان الآشوريون طرفاً في الحرب إلى جانب الحلفاء. لكن الحكومة البريطانية وقفت منذ البداية ضد حل (المشكلة الآشورية) في العراق عندما كانت تناقش في عصبة الأمم عام 1932م، وفي المؤتمرات الدولية ،& كما فعلت اتجاه حقوقهم في تركيا.
&فلم تمضي أكثر من تسعة أشهر على استقلال العراق حتى قامت حكومة (رشيد عالي الكيلاني) بأبشع مجزرة بشرية في التاريخ حيال الآشوريين في بلدة (سيميل) وتوابعها أمام أعين ونظر القوات البريطانية المنتدبة على العراق. هذه المجزرة أرغمت أحد الضباط البريطانيين ليصرح مستغرباً: "لقد رأيت و سمعت الكثير عن الأعمال المريعة البشعة خلال الحرب، إلا أن ما شاهدته في (سيميل) فأنه يفوق تصور البشر". وقد صرح أسقف (ريبون): "مثلت مذبحة سيميل ضربة أخرى لسمعة وهيبة بريطانيا العظمى". ودفعت تلك الأحداث المندوب السامي البريطاني ليقول: "أن سياسة بريطانيا نحو الآشوريين لم تكن إلا وصمة عار على درع إنكلترا القومي، ويبدو أننا ضحينا بشرفنا الخاص حينما هجرنا الآشوريي").
- هذا ومازالت تدفع معظم شعوب المنطقة ثمن السياسة الاستعمارية البريطانية الخبيثة القائمة على تجير وقتل الشعوب، حيث أتبعت بريطانيا سياسة (فرق تسد) وزرعت الأحقاد الدينية والكراهية الاجتماعية بين شعوب المنطقة، وتركت النزاعات القومية نار تحت الرماد لتلهب كلما شاءت وأرادت بريطانية ومن بعدها أمريكا.
وفي فلسطين ومنذ وعد بلفور عام 1917 الذي أعطى فلسطين لليهود حولت مهد المسيح (رسول المحبة والسلام) إلى حمام دماء، فإذا كان اليهود قد صلبوا المسيح مرة واحدة،& لكن البريطانيين بوعدهم المشئوم جعلوا الشعب الفلسطيني يصلب كل يوم وإلى تاريخ اليوم على أيدي الإسرائيليين. حتى مذابح المسيحيين التي وقعت في تركيا صيف عام 1915م على أيدي الجيش العثماني، والتي راح ضحيتها أكثر من مليوني قتيل ومثلهم مشردين من الأرمن والآشوريين بطوائفهم(سريان و كلدان) ومن الروم واليونان،& لم تكن بريطانيا بريئة منها .
&
أخيراً
&
لا بد من أن نسأل بريطانيا والمجتمع الدولي؟ ماذا سيترتب على بريطانيا بعد أن اعترفت وعلى لسان وزير خارجيتها جاك سترو عن ماضيها الاستعماري وبمسؤولياتها عن الكثير من الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها بحق العديد من شعوب العالم الثالث عندما كانت تستعمرها،&لا شك أن بريطانيا تعلم من الصعب، إن لم يكن من المستحيل تصحيح الأخطاء التاريخية.
&وهل جاء هذا الاعتراف بعد أن أدركت حجم مخاطر المشكلات التي نجمت، وتنجم عن رسمها للحدود السياسية للدول التي كانت تستعمرها،& والتي جاءت غير متوافقة مع الحدود الثقافية والاجتماعية لشعوبها، مما خلقت مشكلات(سياسية /اجتماعية/قومية/عرقية) مزمنة ومعقدة اعتبرها صموئيل هينتنغتون في نظريته "صدام الحضارات"، أحد الأسباب الأساسية للحروب والصراعات الإقليمية بين الدول. وهل جاء هذا الاعتراف البريطاني المتأخر بعد أن بدأت تخشى من امتداد مخاطر هذه الحروب والصراعات الإقليمية إلى أوربا وأمريكا،& كما حصل في نيويورك وواشنطن في أيلول من عام 2001والتي جاءت بفعل تداعيات حرب الكويت والحرب الأفغانية.
ويبقى السؤال الآشوري هو الأهم بالنسبة لهم ؟ هل ستعتذر بريطانيا من الآشوريين بشكل خاص،&لكونهم أكثر المتضررين والخاسرين من سياستها الاستعمارية في المنطقة،&حيث تحول هذا الشعب إلى أقلية دينية وقومية، وتشتت في معظم أنحاء العالم وهو مازال يدفع من أرواحه وأملاكه،&خاصة في العراق وتركيا، بعد أن فقد كامل مناطقه التاريخية في (بلاد ما بين النهرين).&&
&
المراجع التاريخية:
-" الخيانة البريطانية للآشوريين" لمؤلفه( يوسف مالك ) من مكتب المخابرات العراقية من عام(حزيران 1917- أيلول1932).
-" فواجع الانتداب البريطاني في حكومة العراق" ( يوسف مالك ).
- "الآشوريون والمسألة الآشورية في العصر الحديث"& للمؤرخ السوفييتي ( قسطنطين ما تفيتف ).&
-" تاريخ القضية الآشورية في العراق"& لمؤلفه: عبد المجيد القيسي.
&
الكاتب من سوريا، مهتم بمسألة الأقليات