قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مجدي خليل
&
ما الذي يمكن أن يسليني خلال رحلة تستغرق أكثر من ثلاث ساعات بين نيويورك وواشنطن - في محطة القطار الضخمة بمنهاتن وجدت ضالتي في مكتبة صغيرة لبيع الكتب. بسرعة التقطت كتاب توماس فريدمان الأخير "خطوط الطول والعرض.. اكتشاف العالم بعد 11 سبتمبر"، وكما هو مكتوب على غلاف الكتاب، أنه الحاصل على جائزة بولويتزر الصحفية لعام 2002.
في اللحظات الفاصلة في التاريخ، تظهر قدرات الدول والأفراد في التعامل مع الأحداث فهناك من يتقدم وينطلق وهناك من يتراجع ويسقط، و11 سبتمبر كنقطة مفصلية في التاريخ وبعد استيعاب الصدمة بدأت علاقات وتحالفات دولية في التراجع وعلاقات وتحالفات جديدة في طريقها إلى البلورة، وهناك دول ومجتمعات في طريقها للسقوط النهائي والخروج من التاريخ، وهناك دول تعمل ومهيأة لكي تكون على مستوى الحدث والتغيرات المصاحبة له. وبالمثل الأفراد هناك من استوعب ووعي وهناك من تشنج وسقط وتأثر بأزمة مجتمعه وأثر فيها سلبا في دائرة مفرغة تقود في النهاية إلى مزيد من السقوط والتراجع. وتوماس فريدمان من الشخصيات التي انطلقت في الاتجاه الصحيح ومع حركة التاريخ والعالم حتى يمكن أن نصفه بـ "رجل العولمة وما بعدها".
في المجتمعات العربية التصق أغلب الإعلاميين في مجتمعاتهم وكأنهم حرصوا على أن يسقطوا معا في نفس الهوة بل وهناك بعض الصحفيين والإعلاميين العرب يصرخون بأعلى أصواتهم في جرائدهم وعبر الفضائيات يستحثون مجتمعاتهم على سرعة السقوط وينعقون كالغربان وهم يعملون بكل جدية كأدوات للخراب ويمكن وصفهم بـ "منظري السقوط" وللإنصاف هناك نماذج قليلة في الإعلام العربي لم يستفيدوا من تجارة الخراب بل أعلنوا رأيهم بصراحة وبوعي ورغم أنهم يسيرون عكس اتجاه تيار جارف، إلا أنهم يحمد لهم أنهم تحلوا بالشجاعة في إعلان مواقفهم، وهي مواقف بناءة استوعبت الحدث وهضمته وقدمت خلاصة مركزة للاستفادة منه لو أصغت إليهم مجتمعاتهم.. وكما قلت إن هؤلاء قلة قليلة في الإعلام العربي من المحيط إلى الخليج. ويهمني أن اقدم نموذجين في العالم العربي وهما عبد المنعم سعيد مدير مركز الدراسات السياسية من مصر، كمحلل استراتيجي متميز، وعبد الرحمن الراشد رئيس تحرير الشرق الأوسط من السعودية كصحفي مرموق رفع من أسهم جريدة الشرق الأوسط كثيرا بانفتاحه على الإنتاج الإعلامي العالمي.
ونعود إلى توماس فريدمان الكاتب الصحفي اللامع في صحيفة النيويورك تايمز والذي حصل ثلاث مرات على جائزة بولوتيزر الصحفية خلال عمله بالصحيفة عن ثلاث كتب مختلفة كلها حصلت على أعلي مبيعات في أمريكا. هذه الكتب هي "من بيروت إلى اورشليم عام 1989" والذي حصل أيضا على جائزة الكتاب القومي وتناول مشكلة الشرق الأوسط وكتابه الآخر عن العولمة وهو "السيارة ليكسس وشجرة الزيتون.. محاولة فهم العولمة 1999" والكتاب الأخير الذي نتحدث عنه الآن.
وكتاب أكتشاف العالم بعد 11 سبتمبر ينقسم إلى قسمين : القسم الأول يتناول الأعمدة التي كتبها توماس فريدمان في صحيفة لنيويورك تايمز وتشمل 9 أعمدة قبل 11 سبتمبر وجميع أعمدته في الجريدة من 13 سبتمبر 2001 حتى 3 يوليو 2002& (للعلم يكتب توماس فريدمان عمودين في الأسبوع، ولا توجد في الصحافة الأمريكية ظاهرة أن يكتب الكاتب 7 أعمدة كما يحدث في الصحافة العربية مما يجعل الكثير منها مجرد حكايات للتسلية لا تحمل قيمة فكرية تذكر أو تحليل مفيد).
أما القسم الثاني من كتاب فريدمان يحمل بعض يومياته عن أحداث 11 سبتمبر خلال رحلاته المتعددة خارج أمريكا وخاصة إلى دول العالم الإسلامي حيث أنه كما يقول جمع مادة كبيرة خلال هذه الرحلات لم يستطع نشرها.
&ويكفيك قراءة مقدمة كتاب توماس فريدمان لكي تفهم عملية "صناعة النجاح" في المؤسسات الصحفية الكبرى. فالصحافة على عكس كثير من المشروعات الأخرى رأسمالها الأساسي "Assets" ليست في المباني أو الآلات أو المطابع رغم أهميتها وإنما في كتابها والأقلام الجادة التي تكتب بها.
&وصناعة الأقلام في الصحافة العالمية هي نتيجة لتفاعل عدد من العوامل كلها تصب في مصلحة الصحافة والإعلام الجاد ومنها :
- البحث عن الأقلام الجادة في أي مكان لاستقطابها بكل المغريات، وكثيرا ما استقطبت الصحافة الأمريكية الكثير من الكفاءات من الصحف البريطانية والإسترالية.
- الحرية في الكتابة والنقد البناء.
- رصد ميزانيات كافية لتنمية مهارات الصحفيين علميا ومهنيا وتغطية رحلاتهم بشكل لائق بالإضافة إلى مرتبات مجزية.
- تدعيم المعاهد والجامعات التي تمنح درجات في الصحافة والإعلام للارتقاء بالمستوي التعليمي والمهني لخريجها.
- التعاون البناء بين قطاع الأعمال والقطاع الإعلامي والتعليمي لتجويد العمل الإعلامي والارتقاء بالمهنة.
وتلمس هذه المعاني في المقدمة التي كتبها فريدمان فهو يقول "المصحح اللغوي هو الوحيد الذي يرى الأعمدة التي اكتبها قبل أن تظهر في الجريدة"
The only person who see my two columns each week before they show up in the newspaper is a copy editor who edits them for grammar and spelling.
وفي موضع أخر يقول "أنا أملك حرية كاملة في الكتابة".
&I have total editorial freedom.
ويقول منذ أن بدأت كتابة عمودي في يناير 95 لم يحدث مطلقا أن تناقشت مع ناشر نيويورك تايمز في أي أراء كتبتها.
Since 1995 I have never had a conversation with the publisher of the New York Times about any opinion Iv adopted.&&
وفي موضع أخر يقول جملة خطيرة، أنه يملك حرية مطلقة وتقريبا ميزانية غير محدودة.
I have total freedom, and an almost unlimited budget.&
لقد تعمدت نقل نصوص الجمل باللغة الإنجليزية ربما نقل الجمل حرفيا بلغتها الأصلية يعطي معنى أقوى وينبه الكثيرين في العالم العربي عن معنى الحرية الصحفية التي تخلق الكفاءات المهنية والرأي المستنير. إن الكثيرين من رؤساء تحرير الصحف العربية للآسف يريدون أن يكون رأي كاتب العمود مطابقا لآرائهم الشخصية. والمعروف أن رأي توماس فريدمان ليس هو رأي نيويورك تايمز ولا رأي رئيس تحريرها وهناك فصل واضح بين رأي الكاتب وهذا حق شخصي ومقدس له وبين رأي الجريدة التي تعبر عنه في افتتاحياتها. والدرس الأول لطلاب الصحافة هو أن الخبر من حق القارئ والإعلان من حق المعلن والرأي من حق كاتبه. وتنوع الآراء هو إثراء حقيقي لأي عمل إعلامي بشرط مراعاة المعايير الإنسانية والمحظورات المتفق عليها في المواثيق الدولية.
وعن رأي وردود فعل القراء في الأعمدة يحب فريدمان أن يصنفها إلى أربعة اتجاهات :
رد الفعل الأول : من يقرأ العمود ويقول أنه لم يعرف هذه المعلومات من قبل ويعلق قائلا أنه متعة أن تصبح مدرسا لقراءك.
رد الفعل الثاني : من يقرأ العمود ويقول أنه لم يقرأ هذا التحليل أو الرؤية من قبل ويعلق قائلا أنه مشبع للإنسان ومرضى له أن يقدم رؤية جديدة.
رد الفعل الثالث : من يقرأ العمود ويقول أنت قلت بالضبط ما أشعر وافكر فيه ولكنني عاجز عن التعبير عنه بوضوح.
ويعلق فريدمان قائلا أن رد الفعل هذا هو المحبب لديه من كل ردود الفعل الأخرى.
رد الفعل الرابع : من يقرأ العمود ويقول أنا أكرهك وأكره كل شئ تقوله.
ويعلق قائلا أن العمود الصحفي يعرف بمن يحبه ومن يكرهه، وبالطبع ما نكتبه يستفز البعض ويجعله غاضبا ولكن المهم أن تعبر عن نفسك ورأيك وإذا خفت لن تؤدي وظيفتك.
إن الكثير من أعمدة توماس فريدمان التي كتبها بعد 11 سبتمبر ترجمت إلى كثير من الصحف العربية، وكلنا قرأنا الكثير من التحليلات الناجعة التي كتبها وخاصة عن العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر ولكن جمعها في كتاب واحد هو عمل مهم يستحق أن تحتفظ به في مكتبتك.
&
كاتب وباحت - نيويورك
[email protected]&&
[email protected]

&