د. شاكر النابلسي
&
&
كان هنالك احتمالان لا ثالث لهما: إما أن ينتصر صدام، وإما أن يُهزم.
كان من المحتمل أن ينتصر نظام صدام حسين في حرب الخليج الثالثة. وليس بالضرورة أن ينتصر عسكرياً. فلا مجال هناك لأن ينتصر عسكرياً في ظل عدم توازن القوى بينه وبين الحلفاء، وفي ظل التكنولوجيا العسكرية العالية التي كان يحارب بها الحلفاء. ولكن كان من الممكن - لو حالفه الحظ - أن ينتصر سياسياً وإعلامياً كما انتصر عبد الناصر في حرب السويس 1956، حيث خسر معركة السويس عسكرياً، وانتصر سياسياً وإعلامياً. إلا أن هذا النصر كان مستبعداً جداً لعدة أسباب منها:
&&&& -&&&&& أن موازين القوى السياسية العربية الاقليمية والعالمية في الخمسينات تختلف عنها في العام 2003.
-&&&&& أن الذي نصر عبد الناصر في العالم العربي سياسياً وإعلامياً كان الشارع العربي، الذي كان متعاطفاً مع عبد الناصر وقرار تأميم قناة السويس، في حين أن لا أحداً في العالم العربي حكومات وشعوباً كانت تحب صدام حسين أو تتعاطف معه. وما هذه المظاهرات التي سمعنا صداها في العالم العربي بين الحين والآخر، غير عواطف شعبية تكنُّ الكراهية لأمريكا وسياستها في الشرق الأوسط، وما هي كذلك غير عواطف شعبية تجاه شعب العراق، وليس تجاه حاكم العراق. فماذا فعل صدام خيراً للعرب لكي يحبوه ويدافعوا عنه؟!
-&&&&& أن عبد الناصر كان محظوظاً بوجود القوة العظمى الثانية وهي الاتحاد السوفياتي التي كانت تساند ثورته، وبوادر اشتراكيته، وتؤيد عداءه للغرب، وتستعمله كرأس حربة في الشرق الأوسط لدحر الرأسمالية والإمبريالية الغربية.
-&&&&& أن عبد الناصر كان محظوظاً بوجود قوة عظمى أخرى وهي أمريكا، والتي وقفت إلى جانبه متطلعةً وهادفةً إلى الحلِّ محلَّ بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط المهم، وهما الدولتان المعتديتان على مصر إلى جانب اسرائيل. فكان إنذار ايزنهاور المشهور بوجوب وقف الحرب وسحب القوات المعتدية، بمثابة حبل النجاة الذي مدته أمريكا لعبد الناصر، لكي ينجو، ويسلَم رأسه، ويصرخ بأعلى صوته على لسان مطرب الثورة (انتصرنا، انتصرنا، انتصرنا).
وبذا نرى أن هناك قوتين عُظميين وقفتا إلى جانب عبد الناصر، واحدة ضمناً، والأخرى صراحة وفعلاً. وهو ما لم يتوفر لصدام.
ولكن بعض المراقبين الخياليين العرب، وبعض المعلقين السياسيين في الإعلام العربي الذين كانوا يعتاشون من فُتات موائد صدام الفاخرة، كانوا يتوقعون، بل يدعون الله إلى تأليف قلوب تحالفٍ ينشأ في الغرب، ويضم فرنسا والمانيا ودولاً أوروبية أخرى، بالاشتراك مع روسيا والصين، وبالتعاضد مع دول عربية معينة كانت تتعاطف مع صدام حسين، لكي يشكّل هؤلاء جميعاً "محوراً" لقوى ضاغطة، تطالب بوقف حرب الخليج الثالثة فوراً، كما فعل انذار ايزنهاور في حرب السويس 1956، وتطالب بانسحاب قوات الحلفاء، وتهدد بحرب معاكسة، قد تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، يُضطر معها الحلفاء إلى ايجاد صيغة حل وسط، لا تقتل الذئب ولا تُفني الغنم. ولكن تلك الرؤيا كانت مجرد أضغاث أحلام.
&والمهم هنا، لو أن صدام خرج منتصراً سياسياً وإعلامياً من هذه الحرب، وسلِمَ رأسه، لأي سبب من الأسباب، فماذا كان سيفعل بالعرب الذين وقفوا ضده في هذه الحرب؟
ماذا كان سيفعل بالدول العربية، التي قدّمت العون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للحلفاء في حرب الخليج الثالثة، سيما وأنه القادر على عقاب العرب الآخرين بما يملك من ثروة مالية، وثروة علمية، وثروة مائية، وقوات عسكرية تتمثل في هذه الأعداد الكبيرة من الجنود النظاميين والمليشيات والفدائيين وعناصر حزب البعث المسلحة.. الخ؟
وما هو موقف الشارع العربي من نظام صدام حسين، فيما لو خرج من هذه الحرب برأس سليم، وبنصر سياسي وإعلامي، كما حصل لعبد الناصر في معركة السويس؟
وما هو مستقبل الديكتاتوريات العربية الأخرى، في ظل احتمال انتصار أكبر ديكتاتورية عربية عاتية في المنطقة؟
لقد كان نظام صدام يراهن على القوى الدولية الأخرى (المحور) التي ستقف إلى جانبه ضد (الحلفاء) ، وأن الشعب العربي كله من محيطه إلى خليجه سيقف إلى جانبه، وأن الشارع العربي سيكون إلى صفه. وقد أدخلت بطانته في روعه مُضللةً - أن سيرة حرب السويس ستتكرر بتفاصيلها مرة أخرى، ويخرج منها صدام منتصراً، وأقوى مما كان قبل الحرب، كما تمَّ لعبد الناصر. وصدّق صدام هذه النبوءة الكاذبة وهذه الرؤيا المزيفة، سيما وأنه كان يتماهى بعبد الناصر منذ أن تسلم الحكم في العام 1979، وكان النظام العراقي كله يتماهى بنظام عبد الناصر وبشخصيته. وكان المثقفون العرب الذين يتوافدون كل عام على موائد مهرجانات "المربد" الشهية والفاخرة يوحون له في كلماتهم وقصائدهم وخطبهم ورسائلهم بأنه عبد الناصر الجديد.
فقال له نزار قباني شاعر القبيلة الأكبر، ذات مرة وبخط يده (كما ذكر الكاتب رياض الحسيني في "إيلاف"، 26/4/2003):
لقد جئت إلى بغداد مكسوراً.. فاذا بصدام حسين يلصق أجزائي
وجئت كافراً بممارسات العرب وإذ بصدام يردّ إليَّ ايماني، ويشدّ أعصابي
وهكذا أعود من بغداد وأنا ممتلئ بالشمس والعافية
فشكراً لصدام حسين الذي قطّر في عيني اللون الأخضر!
وهو ما كان يقوله ويردده نزار قباني من قبل لعبد الناصر في مناسبات مختلفة.
ولقد كان الإعلام العراقي في حرب الخليج الثالثة كذلك يتماهى بالإعلام المصري أثناء حرب السويس. ولعل القراء يذكرون تصريحات وزير الخارجية العراقي السابق ناجي صبري قبل حرب الخليج الثالثة، وكيف كان يكرر عبارات ومصطلحات الإعلام المصري اثناء حرب السويس. وكأنه كان يُذكِّر الشارع العربي بوقفته مع عبد الناصر، ويطلب منه أن يقف معه الآن تلك الوقفة. ولكن غاب عن ناجي صبري أن هناك بوناً شاسعاً بين ما حدث في حرب السويس وبين ما يحدث في حرب الخليج الثالثة. وأن هناك بوناً شاسعاً بين شخصية عبد الناصر وشخصية صدام حسين. وأن أبرز هذه الاختلافات تنحصر في أن عبد الناصر اعتُدي عليه في حرب السويس من جراء تأميم قناة السويس، وهي قضية مصرية وطنية، وقضية عربية نبيلة ووطنية كذلك.& وأن عبد الناصر لم يكن قد ارتكب بعد جرائم في حق معارضيه من الاخوان المسلمين والشيوعيين وغيرهم من أطياف المعارضة المصرية كما تم بعد حرب السويس. وأن عبد الناصر لم يهدر ثروات الأمة في حروب خارجية - باستثناء حرب اليمن كما أهدرها صدام في حربين كبيرتين مجانيتين في 1980، وفي 1991. وأن عبد الناصر لم يهدر ثروات الأمة في بناء القصور والعلالي ويترك شعبه جائعاً عرياناً كما هو حال العراق الآن. وأن عبد الناصر أخيراً لم يعتدِ على بلد عربي كما اعتدى صدام. ومن هنا كانت المراهنة على أن تتكرر مشاهد وتداعيات حرب السويس في حرب الخليج الثالثة مراهنة خاسرة.
فماذا لو انتصر صدام حسين في حرب الخليج الثالثة رغم كل هذه الأسباب التي ستحول بينه وبين النصر سواء كان عسكرياً أم سياسياً واعلامياً؟
للذين يبكون، وينتحبون، ويدقون الصدور هذه الأيام، ويشقون الجيوب، ويستنـزلون شآبيب الرحمة على (الشهيد والرمز) وليَّ النعم، كما أطلق عليه بعض مهرجي السلطان صراحةً وعلانيةً وبالخط العريض، ومنحوه صكَّ الغفران، وأدخلوه جنة الرضوان ..& لهؤلاء جميعاً أن يتصوروا ماذا كان يمكن لصدام حسين أن يفعل بالعالم العربي، لو أن رأسه خرج سالماً من حرب الخليج الثالثة ؟
فالسيناريوهات المختلفة حسب النظرية التاريخية المعروفة بـ "الواقع المُضاد Counterfactual " لهذه النتيجة ستكون أبعد من الخيال. وأهم ما فيها، أن العالم العربي كان سيدخل في ظلمة أشد حلكة من الظلام الذي كان يعيش فيه سابقاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
فالحمد لله على السلامة.
وسَلِمَ رأس العرب المصدوع!
&















التعليقات