صلاح علي نيوف

&

1 من 2
إن لكل عصر انحطاط في التاريخ له ما يميزه، رغم العديد من التقاطعات التي تلتقي وتجمع بين الدول والمجتمعات المنهارة أو على حافة الانهيار، فإن لكل انهيار وتأخر وانحلال أسبابه، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وأيديولوجيا وكعرب نضيف لهذه الأسباب العامل الديني، فما من أمة في الأرض التصقت بالدين وفسرت به كل شيء كما فعل العرب. حتى اليهود رغم علاقتهم "الحميمة" بالدين لم يفعلوا كما فعلنا!!
سورية... عشرات الحضارات الراقدة تحت التراب في غربة عن الأهل والوطن والانتماء. عرفت القوانين والتنظيم السياسي، والتعددية الفكرية والدينية قبل الإسلام والمسيحية وقبل كل الرسل والرسائل، اكتشف الفينيقيون والكنعانيون العولمة قبل أي شعب آخر، فاجتاح اقتصادهم البحر المتوسط وكانوا هم المركز والآخرون هم الأطراف قبل أن يخترع سمير أمين نظريته عن المراكز والأطراف والتطور اللامتكافئ، سورية التي صدرت الذهب والمنسوجات والسفن ورجال السياسة إلي أوربا وعلمت العالم أول أبجدية في التاريخ. سورية الآن قبيلة غزتها جحافل من البرابرة فتحولت اقدم عاصمة في الدنيا إلى مزرعة تضم مجموعة من الرعاة، بطالة، فقر، جوع، استبداد، سجون.....
&سورية عدد سكانها ثمانية عشر مليون مواطن اغلبهم مواطني درجة ثانية، فيها اكثر من ألف رجل يمارس السياسة رسميا تحت اسم، القيادة القطرية والقومية والبرلمان ومجلس الوزراء والجيش... الخ. اكثر ممن يمارسون السياسة في الولايات المتحدة، وما النتيجة؟؟!! لماذا وصنا إلى هذا الطريق المسدود؟
&
&أصل المأساة، والنمو المشوه
من الصعب فهم أسلوب و أداء العقل السياسي السوري وميكانيزماته الإنتاجية دون الارتكاز على قاعدة أساسية ومهمة لكل قارئ وباحث في المسألة السورية. وهي في جزئها الأول تتكون من التشكيلات الطائفية والعرقية التي كونت المرجعية السياسية في سورية، والثاني النظام الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي هو انعكاس للجزء الأول ومنتج له في أن واحد.
بناء على ذلك، سنقسم هذه الدراسة لثلاثة أقسام رئيسية:

1.&سورية منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى الاستقلال 1947.
2.&منذ الاستقلال حتى انقلاب 8 آذار 1963.
3.&بعد انقلاب آذار حتى اليوم.
&
1.&يميز هذه الفترة من تاريخ سورية استمرار سيطرة الدولة العثمانية، ومجتمعها العنصري والطائفي المتأخر والمنحل. ففي الريف كانت ملكية الأرض تعود إما للسلطان أو الإقطاعي أو رجل الدين[الرسمي]، هذا الثالوث المخرب في تاريخ سورية ومازال. عبر تحالف يبرره الفوز بالدنيا والآخرة، إضافة لحب التهرب من الضرائب والخدمة الإلزامية.
أما في المدينة، لم تكن اكثر تحضرا في عاداتها وتقاليدها من الريف، بل على العكس من ذلك كانت بعض الأرياف السورية اكثر انفتاحا على الصعد المذكورة كما في غرب سوريا وأقصى الشمال الشرقي [ بعض الاقليات المسيحية والمسلمة]، باستثناء حلب ودمشق كما يرى بعض الباحثين " منير موسى، الفكر السياسي العربي"، حيث كانت حلب مركزا للبرجوازية التجارية السورية ومنها انطلقت الأفكار التحررية والانفتاحية على يد المسيحيين السوريين فيها، أما دمشق التي لعبت دور عاصمة الخلافة الأموية، استمرت في عهد السلطنة العثمانية كممثل رئيسي للتحالف مع الإمبراطورية المسلمة لبني عثمان، عموما كانت المدن السورية مركزا للبرجوازية والأرستقراطية والموظفين الكبار وسنرى كيف استمرت في لعب هذا الدور حتى الآن.
على الصعيد الطبقي، يمكن تحديد الطبقات التالية في سوريا آنذاك:
أ .&الأرستقراطية، بكافة محتويتها وامتيازاتها، وتضم الإقطاعي والبرجوازي التجاري وكبار رجال الدين والموظفين والضباط، فهذا تحالف تاريخي موضوعي بين المال والدين والقوة أو العنف أو العسكر.
ب .&البرجوازية، ويمكن اعتبارها ممثلة للطبقة الوسطى، كونها ضمت المعلمين والصحفيين والمحامين والأطباء، والتي كانت الحامل الاجتماعي للفكر القومي والتحرر عن السلطة العثمانية.
ت .&البروليتاريا الرثة، حسب التعبير الماركسي وهي ما تبقى من المجتمع.
هذا التقسيم الطبقي انتج اتجاهين أساسيين في عملية الصراع على المجتمع والسلطة:
أ .&اتجاه منفتح يدعو إلى القيم الديمقراطية والبرلمانية والليبرالية وقد مثله، فرح انطون وشبلي شميل باقتدار، والى حد ما عبد الرحمن الكواكبي. من الملاحظ هنا أن الحركة الوطنية التحررية والعلمانية والتي دعت إلى حرية المواطن السوري الفردية، كانت في غالبيتها من المسيحيين الذين نقلوا فكرة القومية عن أوربا كي تكون في مواجهة مع فكرة الأمة الإسلامية و حيث أن المسيحيين عانوا ظلما كبيرا آنذاك، وعملية الاستمرار تحت حكم إسلامي يعني انهم أهل ذمة، أما مع حكومة قومية فعلى الأقل هم عرب كالبقية.
أما الكواكبي، دعى إلى رفع الاستبداد وبعض الحريات لكنه كان موظفا مرموقا عند العثمانيين ولم يطرح ذاك المشروع التنويري المهم بل تركزت دعوته على الخلافة الإسلامية وبالتالي لم يأت بجديد على الصعيد السياسي أو تنظيم الحكم.
ب .&اتجاه رجعي، تربع على قيادته، عزة العابد و الشيخ أبو الهدى الصيادي، حيث التقت فيه مصالح رجال الدين مع الإقطاع.
&
الصراع الطائفي والعائلي:
ليس غريبا بان نقول إن المدن السورية كانت مقسمة حسب الانتماء الطائفي والعرقي والعائلي
بحيث يشكل كل انتماء من هذه الانتماءات دولة ضمن دولة وان كانت منقوصة السيادة أو تامة حسب تعاملها مع السلطات المحتلة سياسيا وماديا.
طائفيا: وجد في دمشق أحياء للمسلمين والمسيحيين واليهود، ومازالت معالمها قائمة حتى الآن في دمشق خاصة في أحياء باب توما الدويلعة والقصاع المسيحية، و أ حياء المسلمين مثل الشاغور والميدان. إذا الكانتونات المغلقة ليس عادة مقتصرة على اليهود، وأي زائر لدمشق يستطيع بكل وضوح رؤية الكانتونات المسيحية والإسلامية، ولم تستطع جميع الحكومات القومية والعروبية مع كل منظريها الأشاوس، لم تستطع دمج حيين مع بعضهما في دمشق فما بالك أن تحقق أكذوبة الوحدة العربية.
عرقيا: حي الأكراد مازال قائما حتى الآن في دمشق، وحي المهاجرين من أصول أوربية وعربية كالجزائر مثلا.
عائليا: حي آل البرازي آل الحوراني في حماة، حي السادات والبكري و الخطيب في دمشق...الخ.
ربما يطرح سؤال عن جدوى مناقشة هذه القضايا في المجتمع والسياسة في سوريا، هذا ما سنراه في ما بعد وكيف أن المجتمع السوري بقي على حاله التشتتية حتى الآن.
هذه التقسيمات الطائفية كانت النواة الأساسية ليس لحروب طائفية وانما لتأسيس فكر سياسي مستند إلى العقلية الطائفية والقبلية والعائلية وهو مستمر حتى الآن.
وبقيت بعض العائلات تتصارع في دمشق وحلب، كالصراع بين أسرة الكواكبي والصيادي في حلب بحجة من ينتمي اكثر إلى النبي محمد وال البيت طمعا في مكاسب جديدة ونفوذ اكبر.
مع بدايات القرن العشرين يمكن ملاحظة حراكا اجتماعيا وسياسيا أصاب المجتمع السوري يعود للأسباب التالية:
1.&الاحتلال الفرنسي ودخول الثقافة الفرنسية إلى المنطقة، وأفكار التحرر والنهوض ضد الإقطاع ورجال الدين.
2.&سيطرة الاستعمار البريطاني على الدول المجاورة لسورية.
3.&نجاح البعثات التبشيرية ومن ثم الجامعة الأمريكية في استقطاب أعداد مهمة من السوريين.
وإذا كنا أطلقنا في بداية المقال على الإقطاع والعسكر ورجال الدين صفة الثالوث المخرب، ماذا بإمكاننا أن ننعت الثالوث الجديد في الحياة السياسية السورية ؟
التيار الديني [السياسي]، والقومي والماركسي.
من المحير في تركيبة دعاة السياسة في سورية أن ينادى مثلا بالماركسية من ماذنة الجامع!
وان تنشا تيارات قومية تدعوا إلى العلمانية وتقول أن العروبة جسد والإسلام روح !
في حين أن التيار الديني السياسي لم يتمكن ولو في لحظة معينة أن يقدم أي طرح جديد
على صعيد نظام الحكم سوى اجترار وبكاء الأطلال في مكة والمدينة.
سورية وقعت فريسة أمام هذه التيارات الثلاثة وبدأت تئن بين جماعة حسن البنا وسيد قطب
ولينين وستالين، ثم صلاح البيطار ميشيل عفلق.
ليس هذا هو مكان الخوض في الطروحات الفكرية والأيديولوجية لكل تنظيم أو جماعة، خصوصا أننا في هذا المقال نترقب الصراع على السلطة من باب العقلية الطائفية والعشائرية والعائلية.
نظرة عامة تقييمية لهذه المرحلة:
من الصعب أن تصدر حكما على فرد ببراءة أو إدانة، فما بالك أن تحكم على تاريخ شعب، فهذا أمر في غاية الخطورة. رغم ذلك سنضع أنفسنا في دائرة الخطر واستفزاز الآخرين لنقدنا وتصويب الأخطاء، فهذا لا يفسد للود قضية، وانما مساهمة في إغناء الفكر وإنارة لطريق في حقل الغام:
1.&فشل جميع المشاريع التي طرحها بعض المتنورين السوريين، من مبادئ حول الحرية والديمقراطية وتحرر المرأة والليبرالية السياسية والاقتصادية. ليس فقط لوجود الدولة العثمانية كمحتل لاربعة قرون، وانما للإيديولوجية الدينية التي قادت عملها التخريبي خلال هذه المرحلة، من قمع لكل فكرة ومشروع لا يستند إلي الإسلام بمفهوم {آل طغرل}.
2.&إن غياب الحرية الدينية لجميع الاقليات التي تعيش في سورية أدى لتأخر المشروع الديمقراطي والوطني ذو الصبغة السورية، هذا المشروع الذي تطالب به التيارات الإسلامية الآن.
3.&قبول المنظرين الإسلاميين وجماعاتهم بأي جهة خارجية يمكن أن تحكم البلاد على شرط أن تكون مسلمة تحت عنوان الأمة الإسلامية، ورفض الخارج الأجنبي إذا كان مسيحيا وعلمانيا، يمكن ملاحظة نتاج هذا الفكر حديثا،عندما غزت إسرائيل لبنان لم يكن هناك ذاك الموقف العربي الإسلامي العظيم حيث كانت النظرة للبنان انه مسيحي عميل منتم إلى الغرب وبالتالي مامن أحد حرك ساكنا على المستوى الإقليمي من دعاة الأمة الإسلامية.
بينما عندما غزا صدام حسين إيران وقف الخليجيون معه كون إيران دولة شيعية، ليس الهدف هنا التذكير بهذه الجروح في قلب وصدر أبناء المنطقة، ولكن للتدليل على البنية الطائفية والعشائرية التي مازالت تحكم وتنتج نظرتنا للصراع السياسي داخليا وخارجيا.
4.&لا يمكن لأي مجتمع ديني أن يبني ديمقراطية أو برلمانية فهو بالضرورة معاد لأي فكرة ليبرالية حيث يريد توحيد الجميع تحت اله واحد ودين واحد وهذا ما يتنافى مع ابسط حقوق الفرد وحريته.
5.&السلطة السياسية بقيت بيد تحالف طبقي بين العسكر ورجال الدين واصحاب المال، مع التحفظ هنا على مفهوم الطبقة الغير مكتمل عند أي من المذكورين.

ما بعد الاستقلال والصراع المستمر
تغيب الدراسات الدقيقة وخاصة الإحصائية منها للحالة الديمغرافية في سورية، لقد كان المجتمع في غالبيته اقرب للبداوة الفكرية والاجتماعية. ففي الأربعينات والخمسينات من تاريخ سورية نجد أعداد كبيرة ممن يأتون إلى الدنيا يسجلون في القيود المدنية بعد سنوات من ولادتهم. وكانت سورية مع بداية الاحتلال الفرنسي حسب ما توفر من معلومات 1،300،000 نسمة، وحتى الاستقلال لم يصل عدد سكان سورية إلى ثلاثة ملايين نسمة.
بقي النموذج الإقطاعي هو الغالب أو المسيطر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حيث مجموعة من الملاك مقابل غالبية الشعب الأمية والمستغلة والمسحوقة من البؤس والفقر والجهل.
ضمن هذا النموذج البدائي والذي تشكل فيه الطبقات المسيطرة، دينية ومالية وعقارية، نموذج مغرق في التقليدية. يلاحظ الاستمرار في انقسام المجتمع السوري إلى العديد من الطبقات رغم نهاية الاحتلال العثماني والفرنسي، فهذا لم يشكل تطورا نوعيا مهما على صعيد السياسة والمجتمع، بل أعادت الطبقات إنتاج نفسها بشكل اكثر استغلالا للدولة والمجتمع واكثر التصاقا وعمالة للأجنبي.&
وباختصار شديد نتحدث هنا عن الطبقات التالية:
1.&البرجوازية الكبيرة التقليدية: من تجار الأسواق، والملاك العقاريين ومنها انحدر العديد من السياسيين السوريين.
2.&البرجوازية الكبيرة الحديثة: اكثر انفتاحا على الاقتصاد وعصر نته، والتطور الصناعي والتقني.
3.&الطبقة الوسطى: وكانت اقل وضوحا في ماهيتها كطبقة، أثناء الاحتلال العثماني. وفي هذه المرحلة أصبحت تتكون من طبقة قادرة على تفريخ العديد من الزعامات السياسية، كما اشتد نفوذها بعد هزيمة 1948 في فلسطين. عندما بدأت تحمل السلطة أسباب الهزيمة وضعف الجيش، ومن هنا بدأت تهيئ نفسها للانقضاض على الحياة السياسية في البلاد. وهذا يفسر حالة الانقلابات العسكرية التي عاشتها سورية بعد الاستقلال.
يمكن القول أن هذه الطبقة رغم احتوائها على أعداد كبيرة من المتعلمين والمثقفين إلا أن تحالفها مع العسكر أوصل البلاد إلى طريق مسدودة سياسيا واقتصاديا وانتج فيما بعد الأنظمة الديكتاتورية العسكرية، إضافة لعدم فهمها لدورها في قيادة المجتمع والدولة وتحديث البنى التقليدية، فقد فضلت التحالف معها على أن تحدث أي تغيير.
فعلى سبيل المثال شارك مؤسس البعث ميشيل عفلق في انقلاب سامي الحناوي كوزير للمعارف، وكان جلال السيد عضو في المجلس النيابي. كما بارك البعث العربي انقلاب حسني الزعيم بمذكرة عفلق بتاريخ 5.4.1948 وجاء فيها " من دواعي الاغتباط أن نراكم تسجلون في بيانكم الذي أذعتموه أمس على الشعب العربي السوري، ما كان لهذا الشعب من التأثير الكبير في تحقيق الانقلاب ". نلاحظ هنا البراعة في النفاق والكذب عندما يعتبر البعثيون أن انقلاب الزعيم كان بواسطة الشعب السوري، وهو انقلاب لم يسمع به حتى المقربون من حسني الزعيم !!
في حين بارك الإخوان المسلمون هذا الانقلاب مطالبين الزعيم بالشورى وتعميم التربية العسكرية وتوجيه الثقافة نحو أمجاد الأمة، ربما لان الزعيم كان من بقايا الخلافة الإسلامية التركية بما يحمله من حب عظيم لتركية فقد كان يتكلم التركية اكثر من العربية. والشيوعيون وحدهم وقفوا ضد الانقلاب وقبض وقتها على [احمد محفل، عبد الفتاح الزلط، ناظم الصقال ].
وللتذكير بتاريخ 13.6.1949 في برقيته ميشيل عفلق إلى الزعيم قال في بدايتها " إننا في قلوبنا وعقولنا أردنا هذا الانقلاب منذ الساعة الأولي ونعتبر أن واجبنا هو في خدمته وتأييده ".
ويبقى السؤال معلقا كيف لمجموعة ممن يعتبرون أنفسهم شخصيات وطنية أن يشاركوا في نظام يقوده من خطف قائده وزميله في الجيش ثم قتله بطريقة في غاية الحقد دون أية محاكمة إن قرار قضائي ؟؟
فرغم خطف سامي الحناوي لحسني الزعيم وتصفيته مباشرة بالرصاص على طريق القنيطرة ليلا مع محسن البرازي، بادر الجميع لتأييد الحناوي. كيف الوقوف وراء من يقتل؟ لولا أننا نحمل نفس العقلية
أحزابا وأفرادا.

المقال القادم
سوريا قطار يسير على وقود الصراع الطائفي والطبقي