علي سالم
&

اشترك المعلق العام في الدفاع عن صدام حسين. وكانت هيئة المحكمة كريمة معه عندما سمحت له بأن يكون أول المترافعين. في العدد الماضي وصف المعلق العام جو المحاكمة وفيما يلي مرافعته التاريخية. يا حضرات القضاة والمستشارين.. سيدخل صدام حسين التاريخ بوصفه أعظم المظلومين ودليلي علي ذك هو هذا العدد الكبير من نقابة المحامين الأردنية، هل سمعتم من قبل عن ستمائة محام تطوعوا للدفاع عن شخص يحاكم في عاصمة أخري؟ أعرف أن الدفاع مهنة مقدسة بغض النظر عن التهمة أو التهم الموجهة للمتهم، حق الدفاع هو أهم ما يجب أن نحرص عليه.. من الضروري أن يجد صدام حسين من يدافع عنه وإلا دمغنا أنفسنا بالهمجية. ولكن هذه الحماسة منقطعة النظير تجعلنا نعيد التفكير في القضية بأكلملها. هذا الرجل ليس مقطوعا من شجرة، بل له أهل وأنصار وعزوة وأصحاب وأصدقاء وأتباع وحلفاء ومريدون، لست أقصد هؤلاء الذين كانوا يعملون أجراء عنده أو عملاء أو موظفين أو أنصار حزبيين.. أنا فقط أريد أن أثبت لعدالتكم أن هذا الواقف في قفص الاتهام ليس شخصا فردا من دم ولحم. بل هو بناء شاهق من الأفكار التي يؤمن بها كثيرون جدا في المنطقة العربية، أردنا أم لم نرد. علينا أن نعترف بأن الوحشية وانعدام الأخلاق لها انصار كثيرون في بلادنا، ومعظمهم تلقوا تعليما عاليا في أرقي جامعات البلاد.. ومعهم في نفس المعسكر أو نفس الفسطاط. سنجد عددا كبيرا من البلهاء. هذه هي كارثة الديكتاتورية الحقيقية، إنها تحول عددا كبيرا من البشر إلي وحوش أو بلهاء أو كليهما معا، وحوش تعجز أعينهم عن رؤية القبور الجماعية، ولا تسمع آذانهم صرخات المعذبين في أقبية السجون. ولا يرون شعبا فقد حاضره واندثر ماضيه. هم يرون الزعيم فقط اعترف أنه كان كريما جدا، ربما كان متأثرا بحاتم الطائي الذي يضرب بكرمه الأمثال، تعرفون بالطبع أن حاتم الطائي كان يشعل النار ليلا في الصحراء علي أمل أن يهتدي بها أحد التائهين الجائعين، وتقول الأسطورة أنه كان يذبح لضيفه آخر عنزة، عندما كنت طفلا، تساءلت.. في كل مرة يذبح آخر معزة عنده؟ هل هي معزة واحدة يذبحها كل يوم؟ أم أنها كانت معزة واحدة ذبحها لضيفه ذات ليلة فتولدت أسطورة ككل أساطيرنا يعجز العقل عن تقبلها، وإذا كان فعلا ذبح لضيفه آخر معزة عنده، فمعني ذلك أنه سيمشي في الصحراء يستجدي الناس في الغد. هل هو كريم أم أهبل؟ ولكن صدام كان لديه من المعيز ما يذبحه كل يوم ويفرق لحمه. لحم الشعب العراقي علي الوحوش البلهاء في المنطقة العربية وخارجها. حضرات القضاة والمستشارين إليكم المستند الأول في دفاعي، الجنود الذين قبضوا علي صدام حسين لم يكن معهم إذن تفتيش أو طلب بالقبض والإحضار من المدعي العام الأمريكي أو العراقي.. وهذا خطأ في الإجراءات ينسف القضية من أساسهها، وإليكم هذه المفاجأة لم يكن صدام في الحفرة، فالرؤساء والزعماء لا يسكنون الحفر. فأين قبض أساسهاعليه؟ ان الصور الملتقطة فضحها البلح.، البلح فضح قوات التحالف وحكومة بوش، هذه هي الصورة، انظروا إلي الخلفية، هناك بلح أصفر علي النخلة القصيرة، من المستحيل أن يوجد بلح أصفر علي النخيل في شهر ديسمبر، هذا ما شهد به البروفيسير آمهات أستاذ البلح والجوافة في جامعة شيكاغو، ثم أين الجوافة في الصورة، من المستحيل أن يوجد بلح في مكان بغير أن تجاوره الجوافة، ولذلك أنا أطلب شهاة السيد رامسفيلد ليجلو لنا هذه النقطة وليجيب عن السؤال المهم: متي وأين قبضتم علي هذا الرجل؟ أمر آخر. لقد ظهر صدام بشعر أشعث أغبر وقد ابيضت أجزاء كثيرة منه، الواقع أن شعر صدام كان يتحول إلي البياض في شهر مايو فقط، ليس قبل ذلك وليس بعد ذلك ثم يعود أسود فاحم في آخر شهر أغسطس، هذا ما سيشهد به حالا، حلاقه الخاص، اللواء الركن أبو المقصات التكريتي، فمن هو ذلك المتشرد الذي عرضتموه علي الأمة العربية لتشعروها بالمهانة والإذلال. من هو هذا الرجل الذي يقف في القفص؟ ما هو الدليل علي أنه هو صدام حسين؟ يقولون أن الحمض النووي أثبت أنه هو.. حسنا، هذه الحرب كلها قد حدثت بعد أن أكدوا لنا وللعالم كله أن صدام يحتفظ بأسلحة دمار شامل، وأثبت التاريخ كذبهم، ما الذي يدعونا لتصديقهم الآن؟ ياحضرات القضاة والمستشارين.. عندنا في مصر تعبير مشهور في الدوائر القضائية، أن فلانا (شال القضية) وهذا ما يحدث عادة في قضايا المخدرات. تضبط الشرطة كمية من المخدرات وتقبض علي بعض الناس.. فيبحث التاجر الكبير عن شخص تعس من صبيانه لكي (يشيل) القضية فيدخل السجن في مقابل مبلغ من المال علي أن يتولي المعلم الانفاق علي أسرته. الشخص الماثل أمامكم في القفص الآن ليس صدام حسين. إنه الشخص اللي شال القضية، فصدام القائد الضرورة الذي هدد الرؤساء والملوك العرب بقتلهم في غرف نومهم، صدام الذي جمد عضوية مصر في جامعة الدول العربية، صدام الذي فتك بالكويتيين وبالأكراد وبالسنة وبالشيعة وبالشعب العراقي وكاد أن يفتك بإسرائيل لولا ضيق الوقت.. من المستحيل أن يكون هو هذا الرجل. قلت ذلك واندفعت في اتجاه القفص وصحت في صدام : أنت مين يا راجل انت؟ فأجاب الرجل وهو يرتجف : أنا حمدان التكريتي، الدوبلير.. بديل صدام.. ابن عمة خال أمه.. وباشتغل ممثل في المسرح الشعبي. هل تعرف أنه من الممكن أن يحكم عليك بالإعدام؟ في العراق أنت تموت بواسطة صدام أو من أجل صدام.. هؤلاء الذين يموتون موتة ربنا عددهم قليل للغاية.. لقد كنت محظوظا، سأموت بمفردي بعد أن طلقوا مني زوجي وزوجوها من رجل أفضل مني بكثير وهي تعيش الآن في مكان في أوروبا مع أطفالي.. لقد اتفقوا معي علي أنه لن يصدر الحكم بإعدامي، كما وعدوني بتهريبي من السجن بعد عدة شهور. يعني صدام ما تقبضش عليه..وماطلعش من الحفرة.. ولا هو اللي شفناه في التليفزيون.. والنخلة ما كانش عليها بلح.. والجوافة اختفت بفعل فاعل.. واللي اتقبض عليه انت مش هو.. هو ده اللي حصل؟ أجاب أيوه يا فندم هو ده اللي حصل.. حدث هرج ومرج في القاعة، أمسك القاضي بالمطرقة وأخذ يضرب بها علي المنصة بقوة إلي أن تمت له السيطرة علي القاعة فساد الصمت، قال في هدوء: سمعت كثيرا عن الفهلوة المصرية، وأعتقد أننا شاهدنا الآن فاصلا ممتعا منها ليس مهما أن يكون هذا الرجل صداما أو أي شخص آخر.. المهم هو هذه المحاكمة.. المهم هو القضاء علي الأسطورة.. بالتأكيد صدام ليس مسئولا بمفرده عن كل الوحشية التي سادت العراق في عهده.. ولكنه كما تقول أنت، شال القضية، ماكينة الحكم البعثية كان بها آلاف يتلذذون بقتل وتعذيب وتقطيع أوصال البشر وهتك أعراضهم محتمين بشعارات القومية العربية والوحدة وتحرير فلسطين ومحاربة الإمبريالية، ومن الطبيعي أن يفلت عدد كبير منهم من العقاب.. ولكن التاريخ يطلب دائما شخصا يشيل القضية.. فكان اسمه هذه المرة صدام حسين، وها نحن نستجيب لرغبة التاريخ.. رفعت الجلسة.