بدر العتيبي
&
&

في الموروث العربي عامة و النجدي خاصة، فإن من يتصدر ( أي يتوسط ) الجالسين في مجلسٍ ما، فإنه بلا شك من أكبرهم منزلة و أكثرهم هيبة، و لربما يحظى بمكانة مرموقة تستحق مثل هذا التكريم أو تلك الحفاوة، لذلك كان الإصرار المصحوب بإرتفاع الأصوات المستجيرة بأغلظ الإيمان متى ما دعت الحاجة لذلك مازالت تترد أصداءها في أذني حتى يومنا هذا، كدليل على أهمية و جدية الموضوع في الثقافة العربية الأصيلة الراسخة جذورها في أعماق النفس !!!
شاهدت برنامج ( المجلس ) و الذي يقدمه الإعلامي الكويتي المعروف محمد عبد القادر الجاسم على شاشة فضائية الحرة في ساعتيه المخصصتين لتسليط الضوء على طبيعة الأوضاع السياسية الراهنة في المملكة العربية السعودية و إنعكاساتها على الساحة المحلية و الإقليمية و حتى الدولية، حيث إستضاف المحاور كل ٍ من الدكتورة مضاوي الرشيد - المحاضرة في كينغس كوليدج، و الدكتور محسن العواجي - عضو لجنة المساعي الحميدة بين الإرهابيين و الدولة، و الدكتور خالد الدخيل - أستاذ علم الإجتماع في جامعة الملك سعود، حيث إستلمت الدكتورة مضاوي الرشيد ناصية الحديث باكرا ً وكالت التحليل المبني على إستشراف لطبيعة الأوضاع الحالية داخل المملكة العربية السعودية و حالة الصدام و المواجهات الأخيرة التي تمت بين قوات الأمن من جهة و الإرهابيين من جهة أخرى، و الذين صنفوا كفئة ضالة تحاول زعزعة الأمن في بلاد الحرمين الشريفين تحت ذريعة إخراج الكفار و المشركين من جزيرة العرب، حسب الأدبيات المطروحة و المعلنة من تنظيم القاعدة و جمهور المتعاطفين معه و مع شيخه أسامة بن لادن.
و لكم إفتقد البرنامج آنف الذكر، الكثير من مقومات العمل الإعلامي وسط غياب واضح لمقدمه الذي بدأ جليا ً بأنه لا يرتكز إلى ثقافة معلوماتية عن الموضوع الذي جاء ليتحاور مع الضيوف فيه، مما خلق له مواقف محرجة في مداخلات لم يكن لها أي قيمة أو نكهة أو حتى بهار يمكن أن يُجمل صورة البرنامج في عيون المشاهدين.
فمحمد الجاسم عُرف كإعلامي بارز في بلده الكويت ويرأس تحرير جريدة الوطن الكويتية الواسعة الإنتشار هناك، إلا أنه لم يوفق البتة بإدارة برنامجه المجلس بطريقة يمكن أن تحفظ ماء الوجه ليس له وحده بالذات بل لجميع الضيوف و هم نخبة من الأكاديميين، الذين ما لبث أن يقطع توارد خواطرهم أو حتى حبل أفكارهم، بمداخلاته و مقاطعاته المتكررة، مما أظهرهم بطريقة مثيرة للشفقة أمامنا من باب التخبط الإعلامي و البهرجة دون تخطيط مسبق و فهم لتراتبية الحوار و تسلسله حتى يخرج لنا بالصورة الصحيحة و المطلوبة !!!
و كذلك الحال بالنسبة لباقي المتحاورين الذين حشرهم الجاسم بجزئية صغيرة و ضيقة حد الإختناق، و طلب منهم طرح التصور الذي يرى أنه الأنسب من وجهة نظرهم و أحيانا ً من وجهة نظره هو في أحيان أخرى، حيث إستشرفت الدكتورة مضاوي الرشيد الموضوع باكرا ً عبر طرحها الأكاديمي المعهود الذي كثيرا ً ما يتكرر في قناة الإصلاح، ويبدو أن الجاسم كان قد يسمعه لأول مرة، إن لم يكن قد سمع بإسم الدكتورة مضاوي الرشيد من ذي قبل بالطبع، حيث إستهلكت جزءا ً كبيرا ً من البرنامج في طرح وجهة نظرها الخاصة و رؤيتها التاريخية و التأريخية للأحداث الطارئة و حتى تلك القديمة في الماضي التليد لتأسيس الدولة السعودية و علاقة ذلك بالحركة الوهابية اليوم، في عرض ٍ لا يخلو من إستشراف كما أسلفنا !!!
و كذلك الحال بالنسبة للدكتور محسن العواجي، الذي بدأ مصدوما ً من حدة الطرح الذي لايستند إلى ضوابط مهنية إعلامية، مما جعله يخرج عن رشده في أكثر من تعليق، و خصوصا ً ذاك الذي يـُذكِّر فيه الدكتورة مضاوي الرشيد بأنها من مواليد باريس و تعيش في بريطانيا، و هو رد ما كان ينبغي أن يصدر من شيخ بحجم الدكتور العواجي، له مكانته و مريديه، ما كنا نتمنى له أن ينزلق إلى هذا المستوى أو غيره من منزلقات أخرى خطيرة، تنحرف عن جادة مسؤولية الكلمة الملقاة على عاتقنا جميعا ً المنطلقة من شريعتنا الإسلامية السمحاء !!!
و الشيء بالشيء يذكر بالنسبة للدكتور خالد الدخيل، الذي أنقذته برودة أعصابه أكثر من مرة، و خرج لنا بأكثر من تصور ٍ جميل رغم سخونة الأجواء المحيطة و تشنجها أكثر من مرة، و خصوصا ً نظرته التحليلية للتيارات الدينية و المراحل التي مرت عليها و غيرها من أمور أخرى كثيرة لم يألو جهدا ً بشرحها لولا بعض المداخلات العابرة و التعليقات الملحة الغير المتوقعة بين الحين و الآخر منه هو شخصيا ً أو من ذاك الضيف أو حتى أيضا ً من المقدم !!!
برنامج المجلس في حلقته تلك، إفتقد إلى عناصر كثيرة كان من الممكن لها إن توافرت أن تسهم بالخروج بنتيجة أكثر إيجابية للجميع من مشاهدين خارج أوستوديو البث في دبي، و حتى في داخله أيضا ً من خلال إستبدال طرف من أطراف البرنامج بآخر، و قد لا أكون ظلمت أحدا ً في تصوري هذا، و الذي أتمنى أن يصلكم بريئا ً من باب حسن الظن بالآخرين، و هي الفضيلة التي أصبحنا نستشعر بأهمية فقدناها اليوم بيننا كثيرا ً عن أي يوم مضى من سنين عمرنا المديدة بإذنه تعالى !!!