طارق حجِّي
&
&
&
في مستهلِ القرنِ العشرين تأسس في مصرَ حزبان سياسيان يُجسد كلٌ منهما توجهاً مختلفاً في الفكر و العمل السياسيين. ففي سنة 1907 تأسس حزبُ الأمة كنتيجةٍ لجهود أحمد لطفي السيد، كما تأسس في نفس السنة الحزبُ الوطني بقيادة مصطفى كامل. وكان لحزب الأمة صحيفة معروفة تعبر عن فكره وهى "الجريدة" كما كان للحزب الوطني صحيفة تعبر عن فكره وهى "اللواء". و يمكن في عجالةٍ وصف الفكرِ السياسي لحزبِ الأمة بأنه كان فكراً اصلاحياً يقوم على التحديثِ والتطوير التدريجي لأحوال الشعب المصري مع بعدٍ عن "المنهج الثوري" وعن الخطابةِ الرنانةِ و الشعاراتِ الكبيرة والدعاوى النضالية وأيضاً بعد عن "مغازلة الجماهير". أما الحزبُ الوطني فكانَ على خلافِ حزبِ الأمةِ يتسمُ بطابعٍ ثوريّ و تقوده قيادةٌ أدواتها الحماسةِ والخطبِ الرنانةِ و الشعاراتِ الكبيرةِ. و بطبيعةِ الأمورِ في مجتمعٍ حديثِ العهدِ بالتعليم و ذي حصةٍ واسعةٍ من الأمية، كانت "شعبيةُ الحزبِ الوطني" أكبرُ بكثيٍر مِن "شعبيةِ حزبِ الأمة".
ويمكن الآن (بعد مرور قرن) أن نقول بأن تيار " الحماسة" و "مغازلة الجماهير" هو الذي قُيّضَ لهُ أن يستمرَ "تحت مسمياتٍ مختلفةٍ" طيلة سني القرنِ العشرين. أما تيارُ "الإصلاحِ والتعقلِ و البعدِ عن الحماسةِ غيرِ المحسوبةِ" فقد استمر عدةَ سنواتٍ تحتَ اسم "حزب الأحرارِ الدستوريين" ثم بقيامِ حركةِ الجيشِ في يوليو 1952 وُضعت النهاية لهذا التيارِ. كذلكَ يمكنُ القول أن الحزبَ الوطني لم يستمر فقط تحتَ هذا المسمى، وانما استمرت روحُه تحتَ أسماءٍ أُخرى مثل "مصرَ الفتاة" و "الحزب الاشتراكي" كما أنه في مراحلٍ أخرى اشترك مع الضباط الأحرار في قيادةِ الحياةِ العامةِ في مصرَ كما أنه في مرحلةٍ تالية اشترك مع تيارِ الإسلام السياسي في العمل السياسي والإعلامي.
أما "تيارُ حزبِ الأمةِ" فأنه كما أسلفت- قد بلغ نهايته مع نجاحِ الضباطِ الأحرارِ في الاستيلاءِ على السلطةِ في مصرَ. وعندما سمحت الحياةُ السياسيةُ في مصرَ بالعودةِ (النسبيةِ) للتعدديةِ السياسيةِ، فانَ تياراتٍ عديدةٍ من القياداتِ القديمةِ ظهرت على السطحِ بينما لم يكن من بينها التيارُ الذي وُجد ذات يومٍ تحت اسم "حزب الأمة" كما وُجد في سنوات لاحقة تحتَ اسم "حزب الأحرار الدستوريين". ويرجع السبب لحقيقة أن بُعداً أساسياً من أبعادِ الحركةِ السياسيةِ للحزبِ الوطني وهو (الإرهاب الفكري لخصومه) كان قد أصبحَ بُعداً أساسياً في الحياةِ السياسيةِ في مصرَ بعد تدعيمٍ متواصلٍ من الحزبِ الوطني و مصر الفتاة و الحزب الاشتراكي و تيار الإسلام السياسي و حركةِ الضباطِ الأحرار. فكل هؤلاء دعَموا فكرة الانفصال بين (تيار الإصلاح المتدرج والمتعقل) و(الوطنية) بمعنى انهُ أصبحَ من شِبه المُسلمات أنَ الوطنيةَ تعنى "الحماسةُ و التوجُه الصِدامى و الخطبُ الرنانةُ و الشعاراتُ الكبيرةُ" وأنَ الحديثَ بلغةٍ تُشبِهُ حديثَ حزبِ الأمة وكتابات أحمد لطفي السيد في مستهلِ هذا القرن هي من "أعراض عدم الوطنية" و"عدم الكرامة" (أو الإنبطاح حسب تعبير ديماجوجيين هذا الزمن!!).
وعندما نتأمل اليوم فكرَ حزبِ الأمة و كتاباتِ أحمد لطفي السيد لا نملك إلا التَحسُر على أنَ هذا التيار لم يُقَيّضَ له النمو في الواقعِ المِصري، ولا نملكُ إلا الشعورَ بالمرارةِ لأنهُ لو كانت الظروف قد سمحت لهذا التيار بالنمو و قيادةِ الحياةِ العامةِ في مصر لكُنَا اليوم في وضعٍ أفضل على كلِ المستويات. كذلك فإننا عندما نتأملُ اليومَ حصادَ التيارِ الآخر (تيار الحماسة) فإننا لا نجدُ إلا أفدح الخسائر.
و نتساءل : لماذا عادت كلُ القوى السياسية لمسرحِ الأحداثِ في مصرَ مع السماحِ بالتعدديةِ باستثناءِ تيارٍ واحدٍ لا يوجد اليوم من يمثله إلا أفرادٌ قليلون يعملونَ ويكتبونَ ويحاضرونَ بجهودٍ فرديةٍ غيَر منظمة وسط ضجيجٍ مهولٍ تُحدِثهُ دقاتُ طبولِ التيارِ الآخر والذي لم يعط الواقعَ المِصري(باستثناءِ دقاتِ الطبولِ) غيرَ قائمةٍ طويلةٍ منَ الإخفاقِ والفشلِ. كذلكَ فإننا نتساءل : ما الوسيلة التي بوسعها تجميع أنصار هذا التيار في كيانٍ حيويٍ يعــملُ على تفـعيلِ أفكارِ "الإصلاح" و "التطوير" و"التحديث" والتعامل مع مشكلاتنا تعاملاً عقلانياً لا يقوم على "الحماس" و "الانفعال" و المبالغة (الهستيرية) في اعتبارات الكرامة و إنما يقوم على تحقيقِ المصالِح برويةٍ و التواصلِ مع العالم و استئصالِ بذورِ "ثقافة الكلام الكبير" من عقول الكثيرينَ من أبناءِ و بناتِ هذا الوطن و تأسيس ِ"علاقةٍ سلميةٍ" مع "مسيرةِ العلم الحديث" و "ركب التمدن المعاصر" و التخلي عن بعض عناصر تفكير البعض منَا و المستمدة من "الإطارِ القبلي" قبل أي شئ آخر... ما الوسيلة لتجميع رواد هذا التيار في كيانٍ شرعيٍّ منظمٍ يدعوا للعقلانيةِ و التوسط و الصلح مع الذات و التاريخ و الآخر و اللحاقِ بركبِ الحداثةِ و العلمِ والتقدمِ؟؟؟ هذا هو السؤال الذي يبحث عن إجابةٍ مهمة وضروريةٍ و ملحةٍ.






التعليقات