1
أواصل هنا ما إنقطع من حديث رحلتي الكردستانية، الأولى، المصاقبة للعام المنصرم. هذا الحديث، المتفق بالمقابل مع الذكرى العشرين لقصف منطقة quot; باليسان quot; بأولى الرشقات الكيماوية عام 1987، وبداية حملة الأنفال، سيئة الصيت، الحملة التي ينتظر منفذها، علي حسن المجيد، جزاءه العادل قريباً، على ما إقترف من جرائم لم يشهد مثيلها النصف الثاني من القرن العشرين. للحق، فما حفزني على ولوج مسارب الذاكرة، هذه المرة، إنما وقوعي مصادفة ً على البرنامج الفلكلوري للفنان سعيد غاباري، الذي غاب عن الفضائية الكردستانية طوال عدة أشهر ولسبب غير معلوم. إنه الفنان الأصيل، ذو الموهبة الفطرية بأصول الطرب واللحن، ومن أصرّ في يوم ربيعيّ رائع، على تناهي جولتنا من quot; أربيل quot;، عاصمة الإقليم الفيدرالي، وحتى حدّها الأقصى في بلدة quot; ديانا ـ سوران quot;. فيما سبق من حديث الرحلة، كنت قد تركت القراء الأكارم على مشارف البلدة المؤنفلة quot; كولك quot;، وهي ذي جماعتنا تتحرك ثانية وبهمة. وبما أن السيارة بدأت تسلق الطريق الشاهقة، متوغلة خلل آكام لم نصادفها قبلاً، فقد تساءلتُ عن وجهتنا وما إذا كنا في طريق العودة لـ quot; أربيل quot;، حيث كنت أقيم في أحد نزلها. quot; حيران! سآخذك إلى شلالات quot; كلي علي بك quot;، لأنني سمعتك ونحن في quot; شقلاوة quot; تستفهم عن مكانها quot; : خاطبني مضيفنا الفنان، الجالس قرب سائقه الشخصي. كانت الشمس عندئذٍ، في مرحلة المغيب والتواري خلف هذه الجبال العصية. العتمة ، أخذت وحشتها بالتسلل للسفوح المزركشة بالغابات، والمتناثر فيها هنا وهناك القرى القليلة. إنها القرى نفسها، المستسلمة الآن لطمأنينة وسلام، إفتقدا قبل عقدين من كابوس الزمن، البعثيّ، وكانا مجرد أضغاث أنفال.

2
في غمرة ذاك الطريق، الوعر، كان بصري يرتفع برهبة إلى القمم الحالقة، المائلة كجدران متداعية على جانبيّ المشهد . حالي آنذاك، كان كحال المتعبّد في تضرعه للسماوات العلى. وقد بلغ من رهاب تلك الأعالي، أنني تخيلت وقوعها، الوشيك، على عربتنا الأرضية! السماء وإن بقيت بمحلها في واقع الحال، إلا أنها واصلت عبوسها بوجوهنا. وها هيَ قطرات من غيثها، هيّنة، ترقش الزجاج الأمامي للسيارة وتدفع سائقنا، المرح، للإنتعاش وبذل المزيد من الطرف والمِلح. quot; أنظروا هناك أمامنا، إنه quot; جسر التحدي quot; المشهور quot; : يقول الرجل بجدية هذه المرة، مشيراً نحو الجهة التي كانت العربة تقصدها مباشرة ً. ما أسرع أن وجدتنا نجتاز هذا المعبر الإستراتيجي، المعتلي أحد أفرع نهر quot; الزاب quot;، الغزير المياه، والمتأتية شهرته من إحدى ملاحم ثورة ايلول ، حينما ردّ البيشمرغة بنجاح هجوماً كبيراً للجيش الحكومي وأوقعوا به هزيمة منكرة. لا غرو أن يستبسل الكرد في الإحتفاظ بالجسر، ما دام هو المفتتح طريق الوصول لعمق بلادهم. ما أن عبرنا مكان التحدّي هذا، حتى أضحى دربنا أكثر إلتواءاً وإنكساراً، ماضياً بنا في موازاة النهر وفي صحبة الوديان. جُذب ناظري أثناء الطريق، نحو الأعالي المثقوبة بفتحات الكهوف، والمكتنفة بالأشجار الحرجية ؛ ثمة، حيث يقرأ المرء نقشاً على الصخور بالعربية quot; كركوك قلب كردستان quot;. وأعتقدُ أنّ تعمّد الكتابة بلغة شركاء الوطن، إنما لكون هذا المعبر الجبليّ، الحصين، يؤدي إلى شلالات quot; كلي علي بك quot; ؛ البقعة الأثيرة عند السائحين، القادمين من وسط وجنوب العراق.

3
ما عتمت عربتنا أن تجاوزت جسراً آخر، ما كان منذوراً للتحدي، على الأرجح، بل للوصول إلى غايتنا، الوادعة. ها الجبل هنا، يغدو أكثر بروزاً، متخذاً شكلَ ماردٍ، غائص بوسطه في غياهب إمرأته، العفريت الوادي ؛ وها هوَ مسيل المياه، العظيم، الجدير بكونه إبناً شرعياً لهما. نحن اللحظة في حضرة quot; كلي علي بك quot;، أحد أشهر شلالات كردستان. ومفردة quot; كلي quot; بلغة أهل الجبل الكريم هذا، تعني : وادي. وكنت قبلاً، أظن أنها بمعنى quot; الشلال quot; ؛ منذ أن رأيته في لقطة خاطفة، من فيلم تسجيليّ، كان الجناح العراقي يعرضه لجمهور معرض دمشق الدولي، في بداية سبعينات القرن الماضي. آنذاك، ما حسبتني ملاق يوماً هذا الأثر الطبيعيّ، الفائق الفتنة ؛ وما كنت لأعرف فوق ذلك، أنه عبارة عن عدة شلالات يحتويها ذلك الوادي القدسيّ، المحارب. مشدوهاً، مكثت هنيهةٍ أتأمل ذلك المسيل، الهائل، المتدفق بقوة وتصميم وإصرار عبر شق جبليّ، متدرّج الصخور. أخرجني من إستغراقي بالمشهد، ما كان من نداء رفاق الرحلة، وهم في إنحدارهم على الدرجات الحجرية، المؤدية للمقصف. بدوري، رأيتني أجاريهم في النزول نحو أبهة المكان، إلى أن وصلت لقاعدته. راح يصفع وجوهنا الرذاذ المتطاير شظايا، من إنفجار تلك المياه، الديناميتية، والمبلل أيضاً ملابسنا. رأينا المقصف مغلقا، لخيبة الحظ ، بما أنّ وقت وصولنا كان متأخراً ؛ بدليل الضوء الكهربائي المنبعث من غرفة الحارس. هذا الرجل العجوز ، إنتهض على الفور لخدمتنا، مجتلباً لنا كراس ومن ثمّ شاياً كردياً، لذيذاً. إسمه، علي عبد الله ؛ وما فتيء محتفظاً بحيويته بالرغم من قضائه حوالي سبعة وستين عاماً في حراسة المكان : ليمتدَ بنا العمر، أيها الرجل الطيّب !.. كيما أراك ثمة في المكان نفسه ؛ منتصباً عند أسفل الصخور المغتسلة بالمياه المقدسة ؛ كما التينة هناك، الخالدة، التي إنتزعتُ منها للذكرى غصناً صغيراً، وجلبته معي إلى غربتي.
[email protected]