أعلنت الأمم المتحدة الخامس والعشرين من تشرين الثاني من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة العنف ضد المرأة. ومع حلول الذكرى الستين على إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديسمبر المقبل، يحتاج العالم إلى التأكيد أن حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وأن العنف ضد المرأة يحتاج إلى جهود كبيرة على مستوى العالم خاصة وقد ذكر تقرير منظمة العفو الدولية للعام ٢٠٠٧ تحت عنوان quot;حالة حقوق الإنسان في العالم: اوقفــوا العنف ضـد المرأةquot; أن امرأة واحدة على الأقل من أصل ثلاث تعرضت للعنف، وهو ما يصل مجموعه إلى مليار امرأة من أصل سكان العالم.


في عالمنا العربي، تختلف أشكال التمييز ضد المرأة لكن المتفق عليه في أوساط المجتمع المدني ككل، والجمعيات والمنظمات المعنية بقضايا المرأة أن كل أشكال التمييز ما تزال تمارس بحق المرأة من الخليج إلى المحيط، رغم أن المجالس التشريعية العربية كانت قد صادقت، وتحفظ بعض منها، على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة.

في قراءة للتمييز القانوني الذي ينطوي في قانون الجنسية اللبنانية في لبنان، وبموجب القانون رقم 572 الصادر في 24 تموز 1996 وقّعت الدولة اللبنانية على الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييزضد المرأة، وصادقت عليها في 21 نيسان 1997 متحفّظة على بعض المواد، لاسيما البند الثاني من المادة 9 على وجه التحديد. أما محاولات المنظمات المدنية والأهلية لثني الدولة اللبنانية عن تحفظها المجحف بحق المرأة على بعض بنود هذه الاتفاقية فقد باءت بالفشل، ولم تجد لها آذاناً مصغية من قبل المجلس التشريعي اللبناني. فيما تتفاقم المشكلة، وتتمثل في أن المراة اللبنانية المتأهلة من غير لبناني ليس بإمكانها أن تمنح الجنسية لأولادها من هذا الزواج، ليعد بالتالي quot;لبنانياً كل شخص مولود من أب لبنانيquot;.


هي مواطنة مجتزأة، أو فجوة quot;مساواةquot; كبيرة في مجتمع quot;ديمقراطيquot;. هو عنف صامت تجاه أمهات لبنانيات كثيرات، لم يصنفه المشرع اللبناني لغاية اليوم كعنف، بل شرعنه.

تحفظات المشرع اللبناني

في العودة إلى نص المادة 9 من الإتفاقية، وتفاعل المجلس التشريعي اللبناني معها، نجد أن البند الأول، تضمن منح المرأة حقاً مساوياً لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها، أو الاحتفاظ بها أو تغييرها، وتضمن بوجه خاص ألاّ يترتب على الزواج من أجنبي تغيير جنسية الزوج أثناء الزواج، أو تغيير جنسية الزوجة، أو تصبح بلا جنسية أو أن تفرض عليها جنسية الزوج. فلا مشكلة في هذا البند، كونه قد تم في العام 1960 تعديل المادة الخامسة من القرار رقم 15 لسنة 1925 فيما يتعلّق بهذا الموضوع. أماّ البند الثاني، الذي نص على أن تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها. فقد تحفّظ عليه لبنان، كما أن الفقرة الأولى من المادة الأولى من القرار رقم 15 الصادر في 19 كانون الثاني 1925 تنص على ما يلي: quot;يعدّ لبنانياً كل شخص مولود من أب لبنانيquot;، مما يؤكد الإجحاف الواضح في النص القانوني بحق المرأة، وكذلك بحق أطفال الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي.
هناك مجموعة من الثغرات تشوب قانون الجنسية اللبناني، ومن المقترح تغيير هذه الفقرة لتصحبح على الشكل التالي quot;يعد لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني أو أم لبنانيةquot;، فضلاً عن الصياغات الملتبسة التي يصعب تفسيرها أو تطبيقها. فقد اعتمد المشرّع اللبناني رابطة أو حق الأم لجهة الأب أساساً لاكتساب الإبن الشرعي الجنسية اللبنانية، اعتماداً على الفقرة الأولى من المادة الأولى من القرار المشار إليه. ورأى الفقه القانوني في ذلك مزايا مختلفة، منها الحفاظ على الرابط الأسري، واستمرارية عنصر الشعب في كيان الدولة، والحفاظ على انتماء المهاجرين.


أما المفارقة، فتظهر في المادة الثانية حيث يتبلور التمييز بين الولد الشرعي والولد غير الشرعي إذ تنص هذه المادة على أن: quot;يتخذ الولد غير الشرعي التي تثبت بنوته وهو قاصر التابعية اللبنانية إذا كان أحد والديه الذي تثبت البنوة بالنظر الى الأب والأم، ناتجاً عن عقد واحد وحكم واحد، يتخذ الإبن تابعية الأب إذا كان هذا الأب لبنانياًquot;.


أي أن المشرع اعتمد رابطة، أو حق الأم، لجهة الأم أساساً لاكتساب الولد غير الشرعي التابعية اللبنانية. وكذلك نظر المشرع اللبناني في حالة من إثنتين: الأولى : إذا ثبتت البنوة من أحد الوالدين قبل الآخر وكان هذا الولد (الأب أو الأم) لبنانياً. والثانية : إذا ثبتت البنوة من الوالدين معاً في سند قانوني واحد، وكان الأب لبنانياً. موضحاً أن: quot;الولد غير الشرعي هو المتأتي من والدين غير متزوجين، ولا يقوم بحق أيهما مانع من موانع الزواج، كقرابة محرمية أو علاقة زوجية وقت الحملquot;.


أما عن كيفية تحقق ذلك في القانون في لبنان، فهناك تعدد شرائع وفقاً لقانون الأحوال الشخصية. عند المسلمين يعد في ثلاث حالات: الفراش، الإقرار، والبينة. وهنا لابد من الإشارة إلى أنه لا يجوز تصحيح نسب الولد غير الشرعي، وهو ما يسمى بولد الزنا، في الشريعة الإسلامية. أما عند المسيحيين فهنالك الزواج الظني، الزواج اللاّحق، تصحيح النسب أو قرار من رؤوساء روحيين بذلك. فعلى أساس ما جاء في المادة الثانية يتبين لنا أن القانون اللبناني أولى اهتماماً بوضع الولد غير الشرعي وإعطائه الجنسية، فيما أمسك يده في إعطاء الجنسية للولد الشرعي المولود من أم لبنانية ووالد أجنبي!.


وفي إطار قراءة قانون الجنسية، تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى على أنه quot;يعد لبنانياً كل شخص مولود في أراضي لبنان (الكبير) ولم يثبت أنه اكتسب منذ الولادة تابعية أجنبيةquot;. وفي ذلك قصور كبير، لأن القانون يعطي بحق الإقليم جنسية لبنانية لولد أبويه مجهولين، في وقت حرم هذا الحق لولد أصله لبناني أو من أم أصلها لبناني، وقد تبيّن أنه اكتسب التابعية الأجنبية منذ الولادة.
أما المادة الرابعة، وهنا يظهر التمييز ليس فقط بين الرجل والمرأة بل بين المرأة والمرأة، إذ تنص هذه المادة من القرار 15 لسنة 1925 على أن: quot;المقترنة من أجنبي اتخذ التابعية اللبنانية أو الراشدين من الأولاد يمكنهم أن طلبوا أن يحصلوا على الجنسية اللبنانية دون شرط الإقامة سواء كان بالقرار الذي يمنح هذه التابعية للزوج أو للأب أو للأم أو بقرار خاص وكذلك الأولاد القاصرون لأب أجنبي تجنس أو لأم اتخذت التابعية وبقيت حية بعد وفاة الأب فإنهم يعتبرون لبنانيون إلاّ إذا كانوا في السنة الأولى التي تلي بلوغهم سن الرشد يرفضون هذه التابعيةquot;.


هنا، لا بد من الإسراع إلى تعديل القانون وإرساء المساواة في القانون والتطبيق، كونها حاجة ماسة، تطال قضايا إنسانية تخلق إشكاليات في حاضر ومستقبل الفرد، وخاصة قضية أولاد المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي. إذ يبقى مسماهم القانوني في لبنان quot;أجانبquot; بحسب القانون، وبالتالي يسري عليهم ما يسري على الأجانب، إذ لا يتمتعون بكثير من الحقوق السياسية و الاجتماعية. فبعد مرور أكثر من عشر سنوات على مصادقة البرلمان اللبناني على الاتفاقية الدولية التي تلغي كافة أشكال التمييز ضد المرأة، ما يزال التمييز قائماً، وما تزال آمال آلاف الأمهات المتزوجات من أشخاص غير لبنانيين معلقة إذ ينظرن إلى مستقبل أفضل لأطفالهن الممنوعين من كثير من الحقوق المدنية، كونهم quot;أجانبquot;، ذلك على الرغم من أن كافة الحملات المدنية التي قامت بها منظمات المجتمع المدني لم تصل إلى نتيجة ملموسة تذكر في هذا الشأن.


عماد الدين رائف